الرئيسية / مقالات / في نقد المشاركة السياسية في الوطن العربي المقال السادس: الشعب الغائب

في نقد المشاركة السياسية في الوطن العربي المقال السادس: الشعب الغائب

الخميس 01 . 10 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي*/ المغرب

لا كلمة في القاموس السياسي العربي تستحضر بهذا التكرار ولا تعاني هذا الغياب بهذه الحدة مثل كلمة: الشعب. “الشعب يريد”، “باسم الشعب”، “إرادة الشعب”، “خدمة الشعب”، “الشعب مصدر السلطة”، هذا الإستحضار المتواصل الذي يملأ الخطب والدساتير والبيانات والشعارات المرسومة على جدران المؤسسات الرسمية يصطدم بواقع صارخ: هذا الشعب نفسه، في كل مرة يحاول أن يعبر عن إرادة حقيقية خارج المسارات المرسومة له، يجد الباب موصدا.

فما الذي يعنيه هذا التناقض؟ وما الذي يجري بالضبط حين تستخدم كلمة “الشعب” في السياق السياسي العربي؟

في الفلسفة السياسية الحديثة، منذ روسو وصولا إلى هابرماس، يشير مفهوم “الشعب” إلى مجموعة من الأفراد الأحرار القادرين على تشكيل إرادة جماعية حين يتداولون بحرية ويقررون بسيادة. الشعب، بهذا المعنى، فاعل حقيقي، يمنح الشرعية ويسحبها، كما يقرر ويحاسب.

لكن في الخطاب السياسي العربي السائد، حول الإستبداد “الشعب” من فاعل إلى رمز. فالرمز لا يقرر، يزين المشهد لا غير، ولا يحاسب، بل يشهد به، ولا يمنح الشرعية بإرادته، بل تنسب إليه من فوق. “إرادة الشعب” لا تستفتى، تعلن فقط.

هذا التحويل من الفاعلية إلى الرمزية هو ربما أعمق عملية تزوير تعرض لها المفهوم السياسي. لأنه لا يلغي الكلمة، بل يفرّغها ثم يعيد ملأها بمحتوى مغاير تماما لما تعنيه في جذورها.

السؤال الأكثر حدة هو: من يتحدث باسم “الشعب” في الأنظمة الشمولية العربية؟

الحاكم يتكلم باسم الشعب. الحزب الحاكم يتكلم باسم الشعب. الجيش حين ينقلب، يتكلم باسم الشعب. المعارضة تتكلم باسم الشعب. المؤسسة الدينية الرسمية تتكلم باسم الشعب. وسائل الإعلام الموالية تتكلم باسم الشعب. الجميع يتكلم باسمه، والشعب ذاته يصمت أو يصمَّت.

هذا الازدحام على التمثيل مع غياب الممثَّل هو ظاهرة فريدة تكشف المنطق الأعمق للإستبداد: الحاجة إلى “الشعب” بوصفه مصدر شرعية لا يرفض في خطابنا السياسي المعاصر، مع الحرص على إبقائه صامتا وعاجزا.

هي معادلة دقيقة: الشعب يجب أن يكون موجودا بالاسم، غائبا بالفعل.

ثمة بعد آخر لهذه الإشكالية يتصل بالهوية الجماعية. الأنظمة الشمولية لا تكتفي باحتكار تمثيل الشعب، بل تنخرط في مشروع دائم لتعريف ما معنى “أن تكون من هذا الشعب”.

فمن خلال التعليم وخطاب الإعلام وتوظيف التاريخ وتشكيل المناسبات الوطنية، تنتج هذه الأنظمة هوية جماعية معينة تقصي من لا يطابقونها أو يشككون فيها. المختلف ثقافيا أو أيديولوجيا أو دينيا يصبح “ليس من الشعب الحقيقي”، أو “عميلا للخارج”، أو “غير ممثل للأغلبية”. وبذلك يتقلص “الشعب” المستحضر من مفهوم شامل إلى تعريف ضيق يتطابق بدقة مريبة مع قاعدة النظام ومحيطه.

هذا التضييق يعيد أسئلة المواطنة والمشاركة إلى ما قبل الحداثة: من يستحق أن يعد من “الشعب”؟ ومن يملك حق التكلم باسمه؟

المفارقة أنه حين يظهر “الشعب” فجأة، حيا حاضرا وفاعلا في لحظة ثورية، لا يعرف النظام ماذا يفعل به. اللحظات الثورية تكشف الهشاشة الحقيقية لكل خطاب “باسم الشعب”: حين يتكلم الشعب لنفسه، لا يحتاج وسيطا.

هذه اللحظات وتجربة العقد الثاني من الألفية الثالثة خير شاهد على ذلك، كثيرا ما تصطاد وتوظف أو تقمع. واللافت أن قمعها يجري أيضا باسم الشعب: “نحن نحمي الشعب من الفوضى”. “الشعب لا يريد ما يريده هؤلاء”. “الأغلبية الصامتة معنا”. الشعب يستحضر لتبرير ضرب الشعب.

هذا الدور المزدوج المتمثل في مصدر الشرعية ومسوغ القمع في آن واحد، هو ما يجعل كلمة “الشعب” في السياق العربي الراهن مفهوما في أزمة عميقة. واستعادة “الشعب” بوصفه فاعلا حقيقيا لا رمزا تزيينيا، هي ربما المهمة الأولى لأي مشروع ديمقراطي أصيل في الوطن العربي. هذه الإستعادة لا تبدأ بتغيير الحاكم، بل بتغيير الوعي الجمعي بذات “الشعب”، أن يدرك الناس أنهم ليسوا رعايا تدار، ولا جمهورا يستهلك، ولا قاعدة تستنزف في أوقات الإنتخابات وتنسى بعدها، بل إنهم مصدر السلطة بالمعنى الفعلي لا الخطابي، وأن هذا المصدر يمنح الشرعية ويملك حين يدرك ذاته حق سحبها.

هذا الوعي لا يزرع بمرسوم، بل يتشكل ببطء في كل مرة ينتظم فيها مجتمع محلي لحل مشكلته بنفسه، وفي كل صحيفة تقول ما لم يقل، وفي كل فصل دراسي يعلَم فيه التفكير النقدي قبل الطاعة، وفي كل مرة يرفض فيها إنسان أن يقنع نفسه بأن رأيه لا يعد.

الشعب الحقيقي بالمعنى الفلسفي السياسي الكامل، لم يظهر بعد في أغلب الجغرافيا العربية. ليس لأن ساكني هذه البلاد لا يستحقون أو لا يريدون، بل لأن المنظومات القائمة عملت منذ عقود بجدية وكفاءة مذهلتين على إبقاء هذا الظهور مؤجلا. لكن التأجيل ليس الإلغاء. والبذرة التي تنمو تحت القشرة الصلبة لا تلاحظ حتى اللحظة التي تشق فيها الأرض. هذا الشعب الغائب موجود. يتنفس في كل صوت يرفض التطبيع مع الإهانة، وفي كل سؤال يطرح في موضع لم يرد له أن يطرح، وفي كل من يصر رغم كل شيء على أن يعيش كما لو أن الكرامة ممكنة.

*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً