الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

الأحد 06 . 09 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

ثمة كيان واحد في هذا العالم، مهما ابتعدنا عنه، ومهما أخذتنا الحياة إلى أماكن بعيدة، ومهما اعتلينا من مناصب وبلغنا من مراتب، نبقى في نهاية المطاف بحاجة إليه.. العائلة.

العائلة هي ذلك الركن الذي لا يشترط عليك أن تكون ناجحًا كي يحبك، ولا مشهورًا كي يفتح لك بابه، ولا قويًا كي يحترم ضعفك. هي المكان الذي تستطيع أن تخلع عند عتبته كل الألقاب التي ارتديتها في الخارج، وتعود مجرد إنسان يحتاج إلى حضن، إلى سؤال، إلى وجه مألوف يقول لك: شلونك؟

أتذكر أنني قرأت ذات مرة حديثًا للفنان العالمي عمر الشريف، وهو الذي بلغ من الشهرة مبلغًا لم يبلغه كثيرون، وصار اسمه معروفًا في أرجاء العالم، حتى أدرك في مرحلة من حياته أن الشهرة والنجومية ليستا بالضرورة ذلك الحلم الذي يتخيله الناس. فهما أسلوب حياة له ثمنه، وقد لا ينسجمان دائمًا مع حياة العائلة ودفئها واستقرارها.

وربما هذه واحدة من المفارقات التي لا نكتشفها إلا متأخرين؛ أننا نقضي سنوات طويلة نركض خلف أشياء نظن أنها ستمنحنا السعادة، ثم نكتشف أن أكثر ما نحتاجه كان موجودًا منذ البداية، في بيتنا، بين أهلنا، في تلك التفاصيل الصغيرة التي كنا نظنها عادية.

فالإنسان قد يملك المال، والمنصب، والشهرة، والجاه، وقد تصفق له الدنيا كلها، لكنه حين يمرض لا يبحث عن جمهوره، وحين تضيق به الحياة لا يستدعي ألقابه، وحين ينكسر لا يحتاج إلى منصبه.. إنما يبحث عن شخص يحبه دون شروط، وعن بيت يستطيع أن يعود إليه وهو مطمئن.

ولهذا فإن بعض النجاحات، مهما بدت عظيمة في أعين الناس، تصبح ناقصة إذا لم يكن الإنسان قد نجح في بناء عائلته.

ما قيمة أن تكون ناجحًا في عملك وأنت عاجز عن أن تكون قريبًا من أهلك؟
ما قيمة أن يعرفك آلاف الناس، وأنت غريب عن أقرب الناس إليك؟
وما قيمة أن تنجح في بناء علاقات واسعة خارج البيت، بينما تفشل في أن تبني داخل بيتك علاقة واحدة عميقة يسند فيها أحدكم الآخر؟

المؤسف أن هناك بيوتًا تبدو عامرة من الخارج، لكنها من الداخل خاوية.

أفراد يعيشون تحت سقف واحد، لكن كل واحد منهم يعيش في عالمه الخاص. لا أحد يسأل عن أحد، ولا أحد يفتقد أحدًا، ولا أحد يعرف ما الذي يؤلم الآخر. يجلسون إلى مائدة واحدة، لكن المسافات بينهم أبعد من أن تقطعها المائدة. وقد تمر الأيام والشهور وهم متقاطعون، حتى يصبح وجود الآخر في البيت مجرد تفصيل من تفاصيل الأثاث.

وفي المقابل، هناك عائلات قد تفرقها المسافات، وتبعد بينهم المدن والبلدان، لكنهم أقرب إلى بعضهم من كثيرين يسكنون الغرفة ذاتها.

قد لا يلتقون كل يوم، لكنهم يسألون.
قد لا يجلسون إلى المائدة نفسها، لكنهم حاضرون في قلوب بعضهم.
قد يغيب أحدهم عن المكان، لكنه لا يغيب عن الذاكرة ولا عن السؤال ولا عن الدعاء.

وهنا ندرك أن العائلة ليست جغرافيا، بل شعور.

ليست العائلة أن نسكن في بيت واحد، وإنما أن نشعر أن لنا في هذا العالم أشخاصًا يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويقلقون لمرضنا، ويفتقدون غيابنا، ويقفون معنا حين لا يبقى لنا أحد.

ولأن الحديث عن العائلة لا يمكن أن يمر بي دون أن أتذكر خالتي، فإنني أجد فيها نموذجًا طيبًا ومتفرّدًا لمعنى أن يكون الإنسان مصدر مودة وعطاء.

هناك أشخاص لا يحتاجون إلى أن يقولوا لك إنهم يحبونك؛ يكفي أن تنظر إلى ما يتركونه في قلوب الناس.

خالتي كانت من ذلك النوع الذي يجعل وجوده في العائلة أوسع من مجرد صلة قرابة. كانت مودة تمشي على قدمين، وعطاءً لا ينتظر مناسبة، وحرصًا يجعل الآخرين يشعرون أن لهم ظهرًا وسندًا، حتى في أبسط تفاصيل الحياة.

ومثل هؤلاء الأشخاص، نحن لا نكتشف قيمتهم الحقيقية إلا حين نفتقدهم. عندها ندرك أن بعض أفراد العائلة لم يكونوا مجرد أفراد فيها، بل كانوا روح البيت، والذين يجمعون شتاته، ويصنعون دفأه، ويمنحون الآخرين شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم في هذا العالم.

وربما لهذا السبب، كلما تقدم بنا العمر، تغيرت تعريفاتنا للنجاح.

في بدايات العمر نظن أن النجاح هو أن نصل.
ثم نكتشف أن النجاح هو أن نصل ويبقى معنا من نحب.

نظن أن القوة هي أن نستطيع الاستغناء عن الآخرين، ثم نفهم أن القوة الحقيقية أن يكون لنا من نستند إليه، وأن نكون نحن أيضًا سندًا لمن يحبنا.

ونظن أن البيت مجرد مكان نعود إليه في نهاية اليوم، ثم نكتشف أنه المكان الوحيد الذي نعود إليه حين تتعبنا الحياة كلها.

لهذا، لا تؤجلوا سؤالًا لأهلكم، ولا زيارة، ولا مكالمة، ولا كلمة طيبة.

فالوظائف تتغير، والمناصب تزول، والشهرة تخفت، والأصدقاء قد تفرقهم الحياة، والأموال تأتي وتذهب، لكن الإنسان في نهاية المطاف يبحث عن ذلك الركن الدافئ الذي يشعر فيه أنه ليس مضطرًا لأن يكون شيئًا سوى نفسه.

البيت ليس المكان الذي نعيش فيه فقط.. البيت هو المكان الذي نستعيد فيه أنفسنا ، ونحفظ فيه ذكرياتنا.

وإذا كان لنا أن نترك خلفنا شيئًا حقيقيًا في هذه الحياة، فليكن بيتًا عامرًا بالمحبة، وعائلة يعرف أفرادها أن بينهم من يفتقدهم، ويسأل عنهم، ويقف إلى جانبهم.

في الختام وقبل السلام نقول ان بعض النجاحات تُكتب في السيرة الذاتية،
أما النجاح الحقيقي.. فيُكتب في قلوب أهلنا.

*سكرتير التحرير
بغداد 2026/09/6
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً