أخبار عاجلة
الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

الأحد 16 . 08 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

حين تختفي البديهيات.. هل يتوحّش المجتمع؟

هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى قوانين مكتوبة، ولا إلى مواعظ يومية، ولا إلى من يذكّرنا بها في كل مرة؛ لأنها ببساطة من بديهيات السلوك الإنساني، ومن أبجديات التربية التي يتعلمها الإنسان منذ طفولته، وتصبح مع الوقت جزءاً من شخصيته وطريقة تعامله مع الآخرين.
من البديهي أن يتعامل الناس فيما بينهم بالخلق الطيب والاحترام، وأن تكون الكلمة الطيبة هي الأصل، وأن تكون الفظاظة والاستعلاء والتجريح هي الاستثناء والنشاز. ومن البديهي أن يحترم الإنسان خصوصية الآخرين، فلا يتطفل على حياتهم، ولا يسأل عن تفاصيل لا تعنيه، ولا يفتش في شؤونهم وكأن حياة الناس مشاعاً مباحاً للجميع.
ومن البديهي كذلك أن يُحترم الكبير، ويُقدّم الجليل، ويُرفق بالطفل والضعيف والمسكين، وألا يستقوي القوي على من هو أضعف منه. هذه ليست مثالية زائدة، ولا سلوكيات من زمن مضى، وإنما هي قواعد أولية تحفظ للمجتمع إنسانيته وتجعله قابلاً للعيش.
الإنسان الذي تلقى أبجديات التربية الصحيحة لا يحتاج في العادة إلى من يقول له: لا ترفع صوتك في وجه الكبير، لا تجرح إنساناً أمام الآخرين، لا تتدخل فيما لا يعنيك، لا تستغل ضعف أحد، لا تسخر من إنسان، لا تتجاوز حدودك، ولا تجعل من قوتك سبباً لإهانة غيرك. هو يعرف ذلك بالفطرة التي صقلتها التربية، وبالذوق الذي صنعته الأسرة، وبالقيم التي ترسخت في داخله.
لكن المقلق اليوم أن كثيراً من هذه البديهيات بدأت تفقد حضورها في تفاصيل الحياة اليومية، وكأننا أمام عملية بطيئة لانقراض ما كان يسمى إتكيت السلوك والتعامل.
صار من الممكن أن ترى الفظاظة وهي تُقدَّم بوصفها صراحة، والتطفل بوصفه اهتماماً، وقلة الاحترام بوصفها قوة شخصية، والتجاوز على الآخرين بوصفه جرأة، ورفع الصوت بوصفه إثباتاً للوجود. بل إن بعض السلوكيات التي كانت في السابق مدعاة للخجل والاعتذار أصبحت اليوم تمارس بلا تردد، وكأن المشكلة لم تعد في السلوك، وإنما في أن الآخرين لم يتقبلوه.
الأخطر من ذلك أن المجتمع حين يفقد حساسيته تجاه الخطأ، يبدأ الخطأ بالتحول إلى عادة، والعادة إلى ثقافة، والثقافة إلى سلوك طبيعي لا يثير الاستغراب.
حين يصبح التطفل أمراً عادياً، تضيق مساحة الخصوصية. وحين تصبح الفظاظة أمراً مقبولاً، تتراجع قيمة الاحترام. وحين يصبح استغلال الضعيف أمراً مألوفاً، يفقد المجتمع واحدة من أهم علامات إنسانيته: الرحمة.
المشكلة ليست في اختفاء بعض مظاهر المجاملة أو اختلاف أساليب التواصل بين جيل وآخر؛ فالمجتمعات تتغير، واللغة تتغير، وحتى طريقة التعبير عن الاحترام تتغير. المشكلة في أن يتغير جوهر السلوك، وأن يصبح احترام الآخر خياراً وليس قاعدة، وأن تصبح الأخلاق مسألة مزاجية: أحترمك عندما أحتاجك، وأتجاوز عليك عندما أختلف معك.
والمجتمع لا يتوحش فجأة؛ التوحش يبدأ بتفاصيل صغيرة جداً.
يبدأ بكلمة جارحة نمررها بلا اعتراض، وبإهانة نضحك عليها، وبخصوصية نقتحمها بحجة الفضول، وبضعيف نستقوي عليه لأن لا أحد سيحاسبنا، وبكبير نتجاهل حقه لأننا لم نعد نرى في العمر قيمة، وبإنسان نجرحه ثم نطالبه بأن يكون أكثر حساسية تجاه مشاعرنا.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث أن يأتي جيل جديد لا يعرف أصلاً أن هذه السلوكيات كانت تُعدّ عيباً.
فالمجتمع السليم لا يُقاس فقط بحجم قوانينه ومؤسساته، وإنما أيضاً بمقدار ما يحتفظ به أفراده من رقابة داخلية؛ تلك الرقابة التي تجعلك تتصرف بأدب حتى عندما لا يراك أحد، وتحترم خصوصية غيرك حتى عندما تستطيع انتهاكها، وتساعد الضعيف حتى عندما لا تنتظر منه شيئاً، وتخفض صوتك لأنك تعرف أن الاحترام لا يحتاج إلى صراخ.
ربما نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد تعريف كلمة بسيطة فقدت شيئاً من بريقها: العيب.
ليس العيب أن تكون مختلفاً، ولا أن ترفض، ولا أن تعترض، ولا أن تقول “لا”. العيب أن تهين، أن تتطفل، أن تستغل، أن تستقوي، أن تجرح، وأن تعتقد أن حرية سلوكك تمنحك الحق في إلغاء كرامة الآخرين.
فالتحضر الحقيقي ليس في المظهر، ولا في الكلمات الكبيرة، ولا في عدد الشهادات والمناصب؛ التحضر الحقيقي يظهر في طريقة تعامل الإنسان مع من لا يملك أن يقدم له شيئاً.
وحين تختفي هذه البديهيات من المجتمع، ا إلى البحث طويلاً عن مظاهر التوحش؛ سنجدها في الشارع، وفي أماكن العمل، وفي مواقع التواصل، وفي البيوت، وفي تفاصيل الحياة اليومية.
لذلك، ربما لا نحتاج اليوم إلى المزيد من الدروس في “كيف تكون ناجحاً”، بقدر حاجتنا إلى أن نتذكر شيئاً أكثر بساطة: كيف نكون بشراً في تعاملنا مع البشر.
فبعض الأشياء لا ينبغي أن نضطر إلى تعليمها للكبار؛ لأنها كان يفترض أن تكون قد ترسخت فينا منذ الصغر.
الاحترام، الرحمة، الأدب، حفظ الخصوصية، إكرام الكبير، رعاية الضعيف، وضبط النفس… ليست كماليات اجتماعية، بل هي الحد الأدنى من إنسانيتنا.

*سكرتير التحرير 
بغداد /2026.08.16

www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً