الثلاثاء 29 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
- حين تختلف الروايات، ماذا تقول الوثائق؟
أعمل في حقل اللغويات التطبيقية، وطبيعة عملي أن أسأل عن المصدر قبل أن أسأل عن المعنى. حين يصلني نص، أول ما أفعله أن أبحث عن أصله: من قال هذا؟ وأين نشر أول مرة؟ وهل أستطيع العودة إلى الوثيقة نفسها لا إلى من نقل عنها؟ هذه عادة مهنية أكثر منها فضولا، وهي ما دفعني إلى كتابة هذه المدونة.
في مجالسنا هنا، يتردد الحديث عن تاريخ العلاقة بين إسرائيل والأكراد بوصفه أمرا محسوما؛ محسوما بالنفي عند قوم، ومحسوما بالإثبات عند آخرين، وفي الحالتين بلا وثيقة واحدة تذكر باسمها. توجد روايات وتصريحات متباينة حول الموضوع، وهذه المدونة تقارن بينها وبين المصادر المنشورة. هذا كل ما أزعمه لها.
ما تثبته الوثائق المرفوعة عنها السرية
بدأت من حيث يبدأ أي باحث: من السجل الحكومي الأمريكي المفتوح. تنشر وزارة الخارجية الأمريكية سلسلة “العلاقات الخارجية للولايات المتحدة” على موقعها، وهي وثائق أصلية رفعت عنها السرية ومتاحة للجميع بلا اشتراك.
في برقية استخبارية مؤرخة في 9 مارس/آذار 1970، عنوانها المعلن “المساعدة الإسرائيلية للمتمردين الأكراد”، ترد تفاصيل لقاءات جرت في طهران مطلع ذلك الشهر بين ممثلين أكراد ومسؤولين إسرائيليين، وفيها وعود بتزويد أسلحة مضادة للطائرات ومدفعية خفيفة وعربات مدرعة، وتدريب طواقم دبابات. وفي مذكرة لمجلس الأمن القومي الأمريكي من يونيو/حزيران 1972، جملة عابرة تلخص الأمر بوصفه معطى معروفا لدى كاتبها: أن إيران والأردن وإسرائيل دعموا الأكراد على فترات متقطعة، وسيلة لشغل القوات العراقية في الداخل.
ثم جاء ما هو أوضح من ذلك كله، ومن الطرف المعني نفسه. ففي سبتمبر/أيلول 1980، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن للصحفيين بأن بلاده قدمت للأكراد في العراق سلاحا ومدربين عسكريين بين عامي 1965 و1975. نقلت ذلك وكالة “يو بي آي” في حينه، وأرشيفها متاح على الإنترنت. الرجل توفي منذ عقود، والتصريح علني ومنشور، ولست هنا أكشف سرا ولا أنقل عن أحد.
نهاية معروفة
في مارس/آذار 1975، وقعت اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران، فتوقف الدعم، وانهار التمرد خلال أسابيع، ونزح أكثر من 200 ألف كردي. أما التقرير الذي يستشهد به عادة في هذا السياق، فهو تقرير لجنة بايك في الكونغرس الأمريكي، ويمكن وصفه بأنه مسودة لم تقر ولم تنشر رسميا قط، إذ صوت مجلس النواب على منع إصدارها، ثم تسربت مقاطع منها ونشرت في صحيفة “فيليج فويس” (Village Voice) في فبراير/شباط 1976. من تلك المقاطع عبارة صارت مشهورة: “حتى في سياق العمل السري، كان مشروعنا مشروعا ساخرا”.
حيث يبدأ الالتباس
بعد عام 2003، يتغير شكل السجل تماما، ويصير على ثلاث طبقات لا يجوز خلطها.
- طبقة أولى: تصريحات علنية موثقة. في يونيو/حزيران 2014، وفي سبتمبر/أيلول 2017 عشية استفتاء الاستقلال، صدرت عن رئاسة الوزراء الإسرائيلية مواقف معلنة مؤيدة لتطلع الأكراد إلى دولة. نقلتها الوكالات في حينه، وهي على السجل العام.
- طبقة ثانية: نفي رسمي متكرر من الجانب الكردي. فحكومة إقليم كردستان نفت أكثر من مرة وجود قواعد إسرائيلية على أرضها، ونفت بيع النفط لإسرائيل مباشرة أو بالواسطة. وفي مقابلة مع الجزيرة في أغسطس/آب الماضي، قال رئيس حكومة الإقليم إن الإقليم لا يقيم علاقات مع إسرائيل.
- طبقة ثالثة: وهي الأدق: معطيات تجارية منشورة. ففي أغسطس/آب 2015، نشرت “فايننشال تايمز” (Financial Times) تحقيقا يستند إلى تتبع الشحنات، خلص إلى أن نفطا كردي المنشأ وصل إلى إسرائيل بكميات كبيرة عبر ميناء جيهان التركي. لكن التحقيق نفسه يوضح أن النفط انتقل عبر تجار مستقلين بعد تسليمه في الميناء. وهذا بالضبط ما يجعل الرواية والنفي قابلين للتعايش منطقيا: أن يصل النفط إلى جهة، وألا يكون البائع الأول قد باعه لها. الفرق بين العبارتين ليس مراوغة لغوية، بل هو الفرق بين ما تثبته بيانات الشحن وما لا تثبته.
ما تعلمته من هذه القراءة
خرجت بثلاث خلاصات، وهي منهجية أكثر منها سياسية.
- أن الوثيقة لا تقول أكثر مما تقول. برقية 1970 تثبت وقائع سنة 1970، ولا تثبت شيئا عن سنة 2025. ومد الدليل إلى ما بعد زمنه خطأ منهجي، لا اجتهاد في التفسير.
- أن التصريح العلني والنفي العلني كليهما دليل من نوع واحد.. فكلاهما موقف معلن يسجل بوصفه موقفا، لا بوصفه واقعة مثبتة. ومن حق القارئ أن يرى الاثنين معا.
- أن أخطر ما في هذا الملف ليس ما هو موثق، بل ما يروى بثقة بلا مصدر: زيارات سرية، وقواعد عسكرية، وأسماء أشخاص. لم أجد لهذه الفئة سندا وثائقيا، ووجدت لبعضها نفيا رسميا صريحا، فتركتها حيث هي.
ليست وظيفتي أن أحسم ما لم تحسمه الوثائق. وظيفتي أن أقول للقارئ أين تنتهي الوثيقة وأين تبدأ الرواية. وبين هذين الحدين مساحة واسعة، أراها تملأ عندنا بالظن أكثر مما تملأ بالورق. والورق، في نهاية الأمر، يتأثر بالمناخ؛ ومناخ الحريات في إقليم كردستان العراق يميل إلى أن يكون باردا ممطرا بعض الشيء. وفي برد كهذا تتردد الأقلام، ويشح الورق، ويتسع للظن ما ضاق عن الوثيقة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر / الجزيرة
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل