الرئيسية / مقالات / خلونا نسولف

خلونا نسولف

الثلاثاء 27. 10 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

 رسل جمال*

من صورة «أحسنت يا شاطر» إلى ثقل المناهج.. كيف نحبّب أطفالنا بالمدرسة؟
مع بداية كل عام دراسي، تعود إلى البيوت حكايات الحقائب الجديدة، والزي المدرسي، والدفاتر الملونة، وأحلام الأمهات والآباء وهم يرافقون أبناءهم في أولى خطواتهم نحو عالم العلم والمعرفة. لكن خلف هذه المشاهد الجميلة، ثمة سؤال يستحق أن نتوقف عنده: هل ما زالت المدرسة اليوم قادرة على أن تجعل الطفل يحبّ الدراسة، أم أننا، من حيث لا نشعر، نحولها إلى عبء ثقيل على كتفيه الصغيرتين؟
لعل أكثر من يحتاج إلى الاهتمام في هذه المرحلة هم تلاميذ الصف الأول الابتدائي، أولئك الصغار الذين ينتقلون من عالم اللعب والبيت إلى عالم جديد تحكمه المقاعد والدفاتر والواجبات والامتحانات. إنها ليست مجرد نقلة دراسية، بل تجربة نفسية وتربوية متكاملة، تتشكل خلالها علاقة الطفل بالمدرسة، وقد ترافقه آثارها سنوات طويلة.
لكن ما يثير القلق اليوم هو ما يواجهه بعض هؤلاء التلاميذ من كثافة في المناهج وتعدد في الدروس ومتطلبات دراسية قد تفوق قدرة الطفل على الاستيعاب في هذه المرحلة العمرية. فالطفل الذي لم يتعرف بعد على أجواء المدرسة، ولم يعتد الجلوس لساعات طويلة أمام الكتاب، يجد نفسه مطالباً بإنجاز كمّ من الواجبات وحفظ المعلومات وملاحقة الدروس، وكأن المطلوب منه أن يتكيف مع المنهج قبل أن تتكيف المدرسة مع احتياجاته.
وهنا تبدأ الحكاية؛ طفل يعود إلى البيت متعباً، وأم تحاول أن تشرح له ما لم يستوعبه في الصف، وأب يقلقه تأخر ابنه في القراءة أو الكتابة، فيما تتحول ساعات المساء التي كان يفترض أن تكون مساحة للراحة واللعب والتواصل العائلي إلى امتداد آخر للدوام المدرسي. ومع تكرار هذه التجربة، قد ترتبط كلمة «مدرسة» في ذهن الطفل بالتعب والضغط والخوف من التقصير، بدلاً من أن تكون بوابته الأولى إلى الاكتشاف والمتعة والمعرفة.
ولعلنا إذا عدنا بذاكرتنا إلى سنوات الدراسة الأولى التي عشناها، سنجد أن بساطة الدروس كانت تمنحنا مساحة أكبر للفهم والتدرج، وأن المدرسة لم تكن في ذاكرتنا مجرد كتب وواجبات، بل كانت أيضاً وجوهاً نحبها، ومواقف صغيرة لا تزال عالقة في أذهاننا حتى اليوم.
من منا لا يتذكر المعلمة وهي تفتح دفتر أحد التلاميذ، ثم تلصق فيه صورة صغيرة جميلة، أو ترسم نجمة ملونة، وتكتب بخطها: «أحسنت يا شاطر»، أو «برافو يا بطل»، أو «أنت تستطيع أن تكون الأفضل»؟ ربما كانت صورة بسيطة لا تساوي شيئاً في حسابات الكبار، لكنها في عيني طفل صغير كانت جائزة ثمينة، ودليلاً على أن جهده قد شوهد، وأن محاولته تستحق التقدير.
تلك الصورة لم تكن مجرد زينة على صفحة دفتر، بل كانت رسالة تربوية تختصر الكثير من المعاني: أنا أراك، وأقدّر تعبك، وأؤمن بقدرتك على النجاح. وقد يظل الطفل محتفظاً بذكرى تلك المعلمة وكلماتها سنوات طويلة، لأنه لم يتذكر منها ما شرحته فحسب، بل تذكر أيضاً كيف جعلته يشعر بأنه قادر ومحبوب وناجح.
وهنا تكمن أهمية التحفيز في العملية التعليمية؛ فالطفل لا يتعلم بالمعلومة وحدها، وإنما يتعلم أيضاً بالمشاعر التي ترافق تلقيها. وحين يشعر بالتشجيع، تزداد ثقته بنفسه، ويصبح أكثر استعداداً للمحاولة من جديد، حتى عندما يخطئ أو يتعثر. أما حين يُقابل خطؤه بالتوبيخ المستمر أو يُقاس نجاحه بما يعجز عن إنجازه، فقد يبدأ بفقدان ثقته بقدراته قبل أن تتاح له فرصة اكتشافها.
وليس المقصود أن تكون الدراسة القديمة أفضل في كل شيء، أو أن نعود إلى الماضي كما هو، فلكل مرحلة ظروفها ومتطلباتها، كما أن تطوير المناهج ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. لكن التطوير الحقيقي لا يُقاس بعدد الصفحات والدروس التي نضيفها إلى الكتاب، وإنما بمدى قدرة الطفل على الفهم والاستيعاب، وبما يكتسبه من مهارات ومعارف تناسب عمره وتفتح أمامه أبواب التعلم.
إن المناهج الحديثة، مهما كانت غاياتها طموحة، تحتاج إلى مراجعة مستمرة تراعي الفروق الفردية بين الأطفال، وتمنحهم الوقت الكافي لتعلم الحروف والأرقام ومبادئ القراءة والكتابة، من دون أن تتحول بداياتهم الدراسية إلى سباق مرهق. كما أن المعلم يحتاج إلى مساحة من المرونة والإبداع، ليستخدم القصة واللعبة والرسم والأغنية التعليمية والمكافآت الرمزية، ويجعل من الصف بيئة يتطلع الطفل إلى العودة إليها كل صباح.
ولا تقع المسؤولية على المدرسة وحدها، فالأسرة شريك أساسي في هذه الرحلة. ومن المهم أن يدرك الآباء أن أبناءهم ليسوا نسخاً متطابقة، وأن المقارنة المستمرة بين طفل وآخر قد تترك جروحاً في نفسية الصغير يصعب إصلاحها. فليس كل طفل يتعلم بالسرعة نفسها، وليس التأخر في مهارة معينة دليلاً على الفشل، بل قد يكون إشارة إلى حاجته لمزيد من الوقت أو إلى طريقة مختلفة في الشرح.
وكم نحن بحاجة اليوم إلى أن نستعيد تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت ذكرياتنا الجميلة مع المدرسة؛ كلمة طيبة من معلمة، ونجمة ملونة على دفتر، وابتسامة تستقبل الطفل حين ينجح في كتابة حرف كان يعجز عنه بالأمس. فهذه الممارسات لا تحتاج إلى ميزانيات كبيرة ولا إلى خطط معقدة، لكنها تحتاج إلى إيمان حقيقي بأن بناء الإنسان يبدأ من احترام مشاعره، وأن التربية ليست تلقيناً للمعلومات فقط، بل صناعة للثقة وحب المعرفة.
في النهاية، لا نريد لأطفالنا أن يذهبوا إلى المدرسة وهم يحملون الخوف من الدرس، بل أن يحملوا الفضول لمعرفة ما سيكتشفونه اليوم. لا نريدهم أن يحفظوا لأنهم يخشون العقاب، بل أن يتعلموا لأنهم يجدون في التعلم متعة ومعنى. ولا نريد للدفتر أن يكون سجلاً للأخطاء والعلامات وحدها، بل مساحة صغيرة يرى الطفل فيها أثر جهده وتقدمه.
فربما كانت صورة واحدة تلصقها معلمة بيدها على دفتر تلميذ كافية لتصنع في داخله فرحاً لا يُنسى، وربما كانت عبارة «أحسنت يا بطل» بداية ثقة تكبر معه عاماً بعد عام.
في الختام وقبل السلام علينا ان نعي ان التعليم الناجح ليس أن نملأ عقل الطفل بالدروس في أقصر وقت، بل أن نفتح قلبه للمعرفة، ونمنحه الثقة التي تجعله يرغب في التعلم طوال حياته.

*سكرتير التحرير 
بغداد. 2026/10/27
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

 *****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً