السبت 03 . 10 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
مع بداية كل عام دراسي جديد، لا تفتح المدارس أبوابها لاستقبال الطلبة فحسب، بل تفتح أمامهم أبواباً لعالم جديد، مليء بالتجارب والأسئلة والوجوه والأحلام الصغيرة التي لا نعرف بعد إلى أين ستقود أصحابها.
ولعل أكثر من يشعر برهبة هذه البداية هم تلاميذ الصفوف الأولى؛ أولئك الذين يخطون خطواتهم الأولى خارج عالم البيت إلى عالم المدرسة، حيث المقاعد والسبورة والكتب والجرس والمعلم، وحيث تبدأ مرحلة ستترك في ذاكرتهم صوراً لا تُنسى.
الأيام الأولى ليست أياماً عادية في حياة الطفل، فهي اللحظة التي يبدأ فيها بتكوين انطباعه الأول عن المدرسة: هل هي مكان جميل أشعر فيه بالأمان وأتعلم وأكوّن الأصدقاء؟ أم مكان أشعر فيه بالخوف والقلق والصرامة؟
هنا تحديداً يظهر الدور الحقيقي للمعلم
فالمعلم في الصفوف الأولى لا يعلّم الطفل الحروف والأرقام فقط، بل يعلّمه كيف يحب المدرسة، وكيف يثق بنفسه، وكيف يخطئ دون أن يخاف، وكيف يسأل دون أن يخجل، وكيف يكتشف قدراته دون أن يشعر أن المقارنة مع الآخرين معيار لقيمته.
ابتسامة المعلم في اليوم الأول قد تكون بالنسبة لطفل صغير أكثر أهمية من عشرات الكلمات. وكلمة تشجيع قد تبقى في ذاكرته سنوات طويلة، بينما كلمة قاسية أو موقف محرج قد تصنع في داخله حاجزاً بينه وبين المدرسة.
فالطفل لا يدخل الصف وفي يده كتاب فقط، بل يدخل ومعه مشاعر كثيرة؛ خوف من المجهول، واشتياق إلى البيت، وربما رهبة من المعلم أو زملائه. لذلك يحتاج في البداية إلى من يطمئنه قبل أن يطالبه، ويحتويه قبل أن يحاسبه، ويشجعه قبل أن يقيس قدراته.
وليس المقصود أن تكون المدرسة مكاناً خالياً من النظام والانضباط، بل أن يكون الانضباط مصحوباً بالرحمة والفهم، وأن يدرك المعلم أن الأطفال ليسوا نسخاً متشابهة؛ فمنهم من يتأقلم سريعاً، ومنهم من يحتاج وقتاً أطول، ومنهم من يتحدث كثيراً، ومنهم من يختبئ خلف صمته، ومنهم من يخشى الإجابة حتى وإن كان يعرفها.
وهنا يأتي دور المدرسة أيضاً في صناعة بيئة تجعل الطفل يشعر بأن وجوده فيها تجربة تستحق الاكتشاف، لا اختباراً يومياً للخوف.
كما أن الأسرة شريك أساسي في هذه الرحلة. فالطفل الذي يسمع في البيت عبارات من قبيل: “المدرسة حلوة”، “راح تتعرف على أصدقاء”، “المعلم راح يساعدك”، يدخل يومه الأول بروح مختلفة عن طفل يُحمّل منذ البداية بالخوف والتهديد: “إذا ما درست راح يعاقبك المعلم”، أو “إذا رسبت انتهيت”.
حتى طريقة الحديث عن المدرسة قبل بدء العام الدراسي يمكن أن تصنع فرقاً كبيراً في نفس الطفل.
فالأسرة لا تحتاج إلى أن تجعل المدرسة تبدو كمدينة مثالية لا توجد فيها صعوبات، لكنها تستطيع أن تقدمها للطفل باعتبارها مرحلة جميلة من مراحل النمو، فيها تعلم ونجاح وخطأ ومحاولة وصداقة واكتشاف.
وفي المقابل، على المدرسة أن تتذكر أن نجاحها لا يقاس فقط بعدد الدروس التي أنجزتها، وإنما أيضاً بعدد الأطفال الذين خرجوا من أبوابها وهم أكثر ثقة بأنفسهم، وأكثر حباً للتعلم، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة.
فالطفل قد ينسى بعض الدروس، وقد ينسى تاريخ أول امتحان أو اسم أول كتاب، لكنه غالباً لن ينسى كيف جعله معلمه يشعر بالثقة بنفسه.
قد يتذكر معلماً آمن به عندما لم يؤمن هو بنفسه، ومعلمة شجعته حين أخطأ، ومدرسة جعلته يشعر بأنه مرحب به فيها. وقد يتذكر، في المقابل، موقفاً ساخراً أو كلمة جارحة جعلته يكره الإجابة أمام الآخرين أو يخاف من الوقوف أمام السبورة.
من هنا، فإن بداية العام الدراسي ليست مجرد موعد على التقويم، بل فرصة لزرع علاقة طويلة الأمد بين الطفل والتعليم.
فلنمنح أطفالنا بداية تستحق أن تُروى لاحقاً بابتسامة، ولنعلّمهم أن المدرسة ليست مكاناً للدرجات فقط، وأن المعلم ليس شخصاً ينتظر أخطاءهم، وأن الأسرة ليست لجنة امتحان تلاحق نتائجهم، بل إن الجميع شركاء في رحلة واحدة عنوانها: أن نساعد الطفل على أن يصبح الإنسان الذي يستطيع أن يكونه.
فكل مسيرة عظيمة تبدأ بخطوة، ومسيرة التعليم تبدأ غالباً من باب مدرسة، ومن يد معلم، ومن كلمة قيلت في اليوم الأول.
وربما لا نعرف اليوم أي طبيب أو مهندس أو كاتب أو عالم أو قائد يجلس في مقاعد الصفوف الأولى، لكننا نستطيع أن نمنحه بداية تجعله يؤمن بأن هذا العالم الجديد الذي دخل إليه يستحق أن يكتشفه.
في الختام وقبل السلام ، لا يحتاج الطفل في أول الطريق إلى أكثر من يد تربت على كتفه وتقول له ببساطة:
أهلاً بك.. أنت تستطيع، ونحن هنا لنساعدك.
*سكرتير التحرير
بغداد. 2026/10/03
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل