الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

الاحد 18 . 10 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

سالوفة.. طريق العمل رحلة عذاب يومية!

هناك أناسٌ يقطعون المسافات الطويلة للوصول إلى مدن بعيدة، وآخرون لا يحتاجون إلى مغادرة مدينتهم كي يعيشوا معاناة السفر بكل تفاصيله؛ يكفي أن يكونوا من سكان أطراف بغداد، وتحديداً في أقصى شمالها، حيث يصبح الوصول إلى مكان العمل رحلةً يوميةً تختبر الصبر والأعصاب، وتستهلك من العمر ما لا يُستهان به.
أنا واحدة من هؤلاء الذين قدّر لهم السكن في منطقة تحوّلت، بحكم موقعها، إلى ممر رئيسي للسيارات المتجهة نحو شمال البلاد. سيارات صغيرة، وحافلات، وشاحنات نقل البضائع، جميعها تعبر الشوارع نفسها، وتتنافس على مساحة محدودة من الطريق، فيما تنضم إليها أعداد السيارات الهائلة التي تعاني منها بغداد أصلاً، حتى بات من النادر أن تجد الشارع العام سالكاً، أو أن تقطع مسافةً قصيرة من دون أن تتوقف طويلاً في طابور لا تعرف متى ينتهي.
رحلة الذهاب إلى العمل قد تستغرق ساعتين، وربما ساعتين ونصفاً، وهي مدة كافية لقطع مسافة بين محافظتين، لا لمجرد الانتقال من منطقة إلى أخرى داخل المدينة نفسها! تخيّل أن يبدأ يومك قبل ساعات من موعد دوامك، لا لأنك تحب الاستيقاظ المبكر، بل لأنك مضطر إلى احتساب زمن الازدحام ضمن برنامج حياتك اليومية. ثم تصل إلى العمل وقد استُنزف جزء من طاقتك قبل أن تبدأ مهماتك الفعلية، وتعود في نهاية اليوم لتخوض المعركة ذاتها، وكأن الطريق يصرّ على أن يكون دواماً ثانياً لا يقل مشقةً عن دوامك الأول.
لكن الحكاية لا تتوقف عند كثرة السيارات وضيق الشوارع، فثمّة شريك آخر في صناعة هذه المعاناة، هو تهالك الطرق وانتشار الحفر والمطبات التي تحوّل السير الطبيعي إلى حركة متقطعة وبطيئة. تتكدس السيارات خلف حفرة، أو تتباطأ فجأةً عند مطبّ غير مهيأ، ويتحول مسار كان يمكن أن يستوعب حركة المرور إلى عنق زجاجة يخنق الشارع بأكمله. وهكذا لا يعود الازدحام نتيجة كثافة المركبات وحدها، بل نتيجة بنية تحتية لا تواكب حجم الحركة اليومية، وإدارة مرورية تحتاج إلى حلول تتجاوز المعالجات المؤقتة.
وإذا أضفنا إلى ذلك تراجع النقل العام الفعّال، وغياب البدائل التي تشجع المواطن على ترك سيارته، نفهم لماذا أصبحت السيارة الخاصة ضرورةً لدى كثير من العراقيين، لا مجرد وسيلة للراحة. فالمواطن الذي لا يجد شبكة نقل منتظمة، ومواعيد واضحة، وخطوطاً تغطي المناطق السكنية وتوصله إلى عمله بوقت معقول، يجد نفسه مضطراً إلى شراء سيارة أو الاعتماد على سيارة الأجرة، حتى وإن كان يعرف مسبقاً أن الطريق سيبتلع ساعات من يومه.
وهنا تبدأ المفارقة: كلما زاد عدد السيارات، ازدادت الشوارع اختناقاً، وكلما ازدادت معاناة التنقل، بحث الناس عن وسيلة خاصة تخلّصهم من الانتظار، فتزداد السيارات أكثر، وتدور الحلقة المفرغة من جديد. والنتيجة أن المواطن يدفع ثمن الأزمة من وقته وأعصابه وماله وصحته، فيما تتأثر إنتاجيته، وتقل ساعات راحته، وتتراجع المساحة المتاحة له للعيش خارج إطار العمل والطريق.
وليس الازدحام مجرد مشهد لسيارات متراصة أو أبواق لا تهدأ؛ إنه ساعات مهدورة من أعمار الناس، وموظف يخشى التأخر، وأمّ تقلق على أطفالها، وطالب يصل إلى درسه مرهقاً، ومريض قد يتأخر وصوله إلى المستشفى، وعائلة تؤجل لقاءاتها لأن الطريق صار يحتاج إلى حسابات أكثر من موعد اللقاء نفسه.
إن بغداد لا تحتاج إلى مزيد من الصبر من أبنائها بقدر ما تحتاج إلى حلول حقيقية تخفف عنهم هذا العبء. تحتاج إلى نقل عام منتظم وفعّال، وإلى تأهيل الشوارع وصيانتها، ومعالجة الاختناقات المرورية وفق دراسات ميدانية، وتنظيم حركة الشاحنات العابرة للمدينة بما لا يحوّل الطرق السكنية إلى ممرات خانقة طوال اليوم، فضلاً عن تطوير الطرق البديلة والربط بين أطراف العاصمة ومركزها.
فليس من المعقول أن تصبح المسافة بين المنزل والعمل امتحاناً يومياً للتحمل، ولا أن يُطلب من المواطن أن يتكيف إلى ما لا نهاية مع واقع يسرق من يومه ساعاتٍ كان يمكن أن يقضيها مع عائلته، أو في راحته، أو في تطوير نفسه.
في النهاية، نحن لا نطلب طريقاً خالياً تماماً من السيارات، ولا مدينةً تتحرك بلا عوائق؛ نحن نطلب حقاً بسيطاً: أن نصل إلى أعمالنا في وقت معقول، وأن نعود إلى بيوتنا من دون أن نشعر بأننا خضنا رحلة سفر شاقة داخل مدينتنا.
فإذا كان الطريق إلى العمل يستنزف ساعتين ونصفاً ذهاباً، ومثلها إياباً، فكم تبقى من يوم الإنسان ليعيش حياته؟
في الختام وقبل السلام علينا أن نسأل: هل خُلق الإنسان ليعمل ويعيش، أم ليقضي جزءاً كبيراً من عمره عالقاً في الطريق؟

*سكرتير التحرير 
بغداد. 2026/10/18
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً