الثلاثاء 06 . 10 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي* / المغرب
وصلنا بعد ست مقالات تشريحية إلى السؤال المقيم في قلب كل ما سبق دون أن يطرح صراحة: ماذا يبقى؟ حين يسقط وهم الصندوق، وتكشف سياسة الخوف، ويتكسر وعاء المعارضة المزيفة، ويتضح أن “الشعب” الذي يستحضر كل يوم، غائب في الوقت المناسب. ماذا بقي لإنسان يريد أن يكون مواطنا حقا لا مجرد ساكن؟
هذا السؤال ليس استسلاما. على العكس، هو الأصعب، لأنه يلزمنا التفكير خارج الخرائط المرسومة، والبحث عن السياسة في أماكن لا تبدو سياسية للوهلة الأولى.
الخطأ القاتل في التفكير السياسي العربي، والمتفائل منه قبل المتشائم، هو مركزة الأمل كله في السياسة الرسمية بمعناها الضيق، الإنتخابات، الأحزاب، مجالس النواب، الحكومات. حين تفشل هذه القنوات أو تزور أو تحتوى، يبدو أن كل شيء فقد. لكن تاريخ التغيير الحقيقي يعلمنا أن كبرى التحولات في حياة الشعوب نشأت في أغلب الأحيان خارج القنوات الرسمية، داخل الكنائس والمساجد والمقاهي والجامعات وشبكات الجيرة، في مجالس الحكماء وجلسات الشعراء، في الأغاني التي تحفظها الأجيال دون أن تدرك دائما ثقلها السياسي. السياسة الحقيقية، بمعناها الإنساني الأعمق، دائما أوسع من مؤسساتها. فنهاية الوهم ليست نهاية الإمكان.
في العالم العربي تحديدا، حيث ضاقت المساحة السياسية الرسمية، تضخم الفعل الثقافي ليحمل ما لا تحمله السياسة: روايات تقول ما لا تقوله الصحف ومسرحيات تجسد ما لا تجرؤ الخطب على تسميته، سينما توثق ما يريد التاريخ الرسمي طيه، وموسيقى تحفظ في وجدان الناس ذاكرة لا تصادر بقانون.
لا يعد هذا ترفا ثقافيا ولا اعتزالا للسياسة، هو السياسة بمعناها الأصيل، إعادة تعريف ما هو ممكن في مخيلة الإنسان. لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ حين يتغير الحاكم، بل حين يتغير تعريف الناس لأنفسهم، من رعايا يساقون، إلى مواطنين يقررون. ولأن الأنظمة تعرف هذا جيدا، لا تلاحق السياسيين وحدهم، بل تلاحق الكتاب والفنانين والمفكرين والأساتذة، لأنهم ببساطة شديدة يحملون لواء السؤال.
من أولى مهام الإستبداد: كتابة التاريخ. ليس لأنه يهتم بالماضي في ذاته، بل لأنه يعرف أن من يملك تعريف الأمس يملك تصوير المستقبل. الشعب الذي لا يعرف كيف ثار أجداده لا يتخيل أنه يستطيع أن يثور. وحفظ الذاكرة الجماعية الحية غير الرسمية المتناقلة في بيوت العائلات والمدونات والأرشيفات الموازية والروايات الشخصية، هو في ذاته فعل سياسي من الطراز الأول. فالذاكرة المحفوظة خارج السيطرة الرسمية هي جمرة لا تطفأ. وهذا ما يفسر وحشية السلطة في مطاردة أرشيفات المعارضة، وهدم المباني ذات الدلالة، ومحو الرموز، وتشويه أسماء الأماكن، وإعادة تسمية الميادين. الحرب على الذاكرة ليست ترفا ثانويا في استراتيجية الإستبداد، هي ركيزتها الأعمق والأصلب.
ثمة ما هو أبعد حتى من الثقافة والذاكرة: نسيج الثقة الإجتماعية. الأنظمة الشمولية تعمل منهجيا على تمزيق هذا النسيج حيث تشيع الشك بين الناس وتحول الجار إلى مصدر خطر محتمل، وتنتج مجتمعات من المكونات المنفردة التي لا تتقاطع إلا عبر مؤسسات الدولة ذاتها. فالإنسان الذي لا يثق بجاره لا ينظم معه، والمجتمع الذي لا ينظم لا يقاوم. لهذا، أي فعل يعيد بناء الثقة الإجتماعية، من مبادرة زقاق صغير إلى جمعية مدنية إلى ناد ثقافي إلى حلقة قراءة، هو فعل سياسي جوهري، حتى لو لم يحمل أي لافتة أو عنوان سياسي. فبناء الثقة يكون قبل صياغة البرنامج. فالمجتمع الذي يثق بنفسه يجد البرامج، والمجتمع الذي لا يثق لا يستطيع تطبيق حتى أحسن البرامج.
ولعل أعمق هذه الأفعال جميعا، وأبعدها أثرا، وأكثرها صمودا في وجه الإستبداد، التربية بوصفها فعلا تأسيسيا. ليس بمعنى المناهج الرسمية التي يتحكم فيها النظام ويوجهها لإنتاج الإمتثال. بل بمعنى التربية في أوسع صورها: كيف يكلم الأب ابنه حين يخطئ، وكيف يعلم الطلاب أن يسألوا،لا أن يصدقوا، وكيف يتعامل المجتمع مع المختلف، هل يقمعه أم يتساءل معه؟
الجيل الذي نشأ يسأل ويشكك ويفاوض ويدافع عن رأيه باحترام وثقة، هو جيل لا تستطيع أي هندسة خوف أن تختزله إلى مجرد وقود. والعكس صحيح: الجيل الذي تعلم الطاعة والصمت مقنعا نفسه بأن الأمور أكبر منه، هو جيل يورث الإستبداد للجيل الذي يليه دون أن يدري.
“ما بعد السياسة” العنوان الذي اخترناه لهذا المقال، لا يعني تجاوز السياسة أو التخلي عنها، بل العودة إلى ما تقوم عليه السياسة في أصلها: الإنسان الذي يشعر بكرامته، يثق بأخيه، يحفظ ذاكرته، يفكر بحرية، ويربي من يأتي بعده على ذلك كله. هذا الإنسان، حين يتشكل بما يكفي، يبتكر مؤسساته بنفسه وينظم انتخاباته الحقيقية وينتج صحافته الأمينة وقضاءه المستقل. وحين ينتج ذلك، لا تستطيع أي منظومة مهما بلغت قوتها، أن تزوره بالكامل طويلا.
السياسة الحقيقية ليست ما يجري في مجالس النواب. إنها ما يجري في البيوت والفصول والمقاهي ودور العبادة وحلقات الأصدقاء. هناك حيث تزرع البذرة. وما يزرع هناك إذا أحسنت العناية به، لا يستطيع أحد أن يقتلعه كله.
في هذه السلسلة عبرنا طريقا وعرا، فككنا فيه قدر المستطاع الوهم الإنتخابي وتتبعنا بنية الخوف، وعرينا المعارضة المزيفة، وبحثنا عن الشعب خلف الإسم الذي يحجب به. وفي كل محطة، كان الخطر الحقيقي هو اليأس الذي يشبه الوضوح. لكن ما خرجنا به ليس يأسا، خرجنا بيقين أثقل وأبقى بأن السياسة أوسع مما تظن الأنظمة، وأن الإنسان أعقد مما تحسبه الهندسيات والخوارزميات، وأن التاريخ لا ينتهي عند الصفحة التي نقرأها الآن.
الرهان الأخير، رهان لا يلعب في الصناديق ولا في مجالس النواب أولا، هو رهان على الإنسان نفسه، على قدرته أن يحفظ داخله شيئا لا يباع، وعلى قدرة المجتمع أن يعيد بناء ثقته بنفسه تحت أي ضغط. هذا الرهان طويل، وثمنه صبر يشبه صبر المزارعين، وإيمان لا يستند إلى ضمان، لكنه الرهان الوحيد الذي إذا كسب، يُكسَب فعلا، وتلك هي البداية.
*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل