الجمعة 19 . 06 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
ضغط الامتحانات… حين يتحول موسم دراسي إلى حالة طوارئ عامة
سالوفتنا اليوم عن الامتحانات، ذلك الموسم الذي يفترض أن يكون محطة لتقييم ما تعلمه الطالب خلال سنوات الدراسة، لكنه في كل عام يتحول إلى حالة استنفار عامة يعيشها الطالب والأهل والمجتمع بأسره.
فالطالب يدخل الامتحان مثقلاً بكم هائل من الضغوط النفسية والتوقعات والخوف من المستقبل، بينما يعيش الأهل حالة من التوتر لا تقل عنه، فتتحول البيوت إلى غرف عمليات مغلقة، وتصبح أبسط التفاصيل اليومية مرتبطة بمزاج الامتحان ونتائجه. حتى أفراد العائلة الذين لا علاقة لهم بالامتحانات يجدون أنفسهم جزءاً من هذه الدوامة التي لا تنتهي إلا بإعلان النتائج.
لكن الغريب أن دائرة الضغط لم تعد تقتصر على الطالب وأسرته، بل امتدت لتشمل المجتمع بأكمله. ففي كل عام يُقطع الإنترنت أو تُفرض قيود واسعة عليه بحجة الحفاظ على نزاهة الامتحانات، وكأن ملايين المواطنين يجب أن تتعطل أعمالهم ومصالحهم واتصالاتهم اليومية لأن هناك خللاً في إدارة ملف الامتحانات لا علاقة لهم به. أصبح الموظف والتاجر والصحفي وصاحب العمل الحر والطالب الجامعي جميعهم يدفعون ثمن حلول مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة.
والأغرب من ذلك هو حالة التهويل التي ترافق الامتحانات الوزارية، حتى بات البعض يصورها وكأنها معركة مصيرية تحدد نجاح الإنسان أو فشله في الحياة إلى الأبد. تُضخم المخاوف وتُصنع هالة من الرعب حول بضعة أيام امتحانية، بينما الحقيقة أن الامتحان ليس سوى وسيلة تقييم أكاديمية، وليس حكماً نهائياً على قيمة الإنسان أو قدراته أو مستقبله.
ثم يأتي السؤال الذي يتجنبه الكثيرون: ماذا بعد النجاح؟ ماذا ينتظر آلاف الخريجين الذين يجتازون الامتحانات بشق الأنفس ويحصلون على شهاداتهم؟ الواقع يقول إن كثيراً منهم سيصطفون في طوابير البطالة الطويلة، يبحثون عن فرصة عمل قد لا تأتي، أو ينتظرون سنوات حتى يجدوا موطئ قدم في سوق العمل. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة؛ فالمشكلة ليست دائماً في الطالب ولا في جهده أو مستواه العلمي، بل في منظومة تعاني من سوء التخطيط وعدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الواقع.
الحق يقال إن الطالب غالباً ما يكون الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من الأخطاء الإدارية والتخطيطية المتراكمة. فهو لا يضع المناهج، ولا يقرر آليات الامتحانات، ولا يتحكم بسياسات التوظيف، لكنه في النهاية يتحمل النتائج النفسية والاجتماعية لكل تلك الإخفاقات.
لذلك ربما حان الوقت لأن ننظر إلى الامتحانات بحجمها الحقيقي؛ كمرحلة مهمة نعم، لكنها ليست نهاية العالم. وأن نبحث عن حلول أكثر عقلانية وعدالة من تحويل المجتمع كله إلى رهينة لأيام معدودة من الاختبارات. فالطالب يحتاج إلى بيئة هادئة وداعمة، لا إلى مزيد من الخوف، والمجتمع يحتاج إلى إدارة ناجحة للمشكلات، لا إلى حلول مؤقتة ترحل الأزمة من مكان إلى آخر.
وفي الختام وقبل السلام نقول ان النجاح الحقيقي لا يقاس بدرجة امتحان فقط، بل بقدرة الدولة والمجتمع على صناعة مستقبل يليق بمن اجتهد وتعب وحلم، لا أن يتركه بعد التخرج واقفاً في طابور انتظار جديد.
*سكرتير التحرير
بغداد /19. 06. 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل