الأثنين 13 . 07 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي / المغرب
يفقد المنفيّ أشياء كثيرة حين يُقتلع من مكانه: بيته، شوارعه، طقوس يومه الصغيرة، الوجوه التي اعتاد أن يراها دون أن ينتبه إليها. لكن هناك خسارة أعمق من هذا كله، وأخطر لأنها لا تُرى: أن يفقد المرء اللغة التي كانت تُدرك العالم نيابة عنه قبل أن يدركه هو بنفسه. حين يُطرد الإنسان من أرضه، يمكنه أحياناً أن يجد أرضاً أخرى. لكن حين يُطرد من لغته، أو يُضطر إلى التخلي عنها، فإنه يفقد طريقة كاملة في التفكير والشعور والتذكر وليس مكاناً فقط، ومع ذلك، فإن بعض أعظم ما أنتجه الأدب الحديث وُلد بالضبط من هذه النقطة: من كاتب وجد نفسه بلا أرض، فحوّل اللغة، أي لغة صار قادراً على الكتابة بها، إلى وطن بديل. ليس وطناً معوَّضاً عن الأصلي، بل وطناً من طبيعة مختلفة تماماً: وطن لا يُحتَلّ ولا يُصادَر، لأنه لا يوجد إلا في اللحظة التي تُكتب فيها الجملة.
فلاديمير نابوكوف غادر روسيا مع عائلته وهو في العشرين من عمره هارباً من الثورة البلشفية، وأمضى عقوداً يكتب أعمالاً رفيعة بالروسية قبل أن يجد نفسه، بعد استقراره في أمريكا، مضطراً إلى التخلي عن لغته الأم والكتابة بالإنجليزية. وصف هو نفسه هذا الانتقال بمرارة لافتة: أنه اضطر إلى التخلي عن لغته الروسية الغنية المطواعة، ليكتفي بإنجليزية وصفها بأنها من الدرجة الثانية بالنسبة له مهما بلغ إتقانه لها. وهذا ما قاله عن نفسه رجل يُعدّ من أعظم أسلوبيي اللغة الإنجليزية في القرن العشرين. لم تكن المفارقة أن نابوكوف فشل في وطنه اللغوي الجديد، بل أنه نجح فيه نجاحاً باهراً وهو يحمل في داخله وعياً دائماً بأن هذا النجاح مبني على خسارة لا تُعوَّض: لغة الطفولة التي لن يكتب بها رواية كاملة مرة أخرى.
المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، الذي عاش معظم حياته بعيداً عن فلسطين التي وُلد فيها، كتب عن المنفى ليس كحالة مأساوية محضة، بل كموقع فريد للرؤية النقدية أيضاً. رأى أن المنفيّ، رغم كل ما يخسره، يكتسب زاوية نظر مزدوجة يفتقدها من بقي في وطنه الأصلي طوال حياته: القدرة على رؤية الأشياء من الداخل والخارج في آن، وعلى مقارنة ما هو مألوف بما هو غريب دون أن يستقر في أيّ منهما استقراراً كاملاً. الكتابة عند سعيد لم تكن تعويضاً عن الوطن المفقود بقدر ما كانت الفضاء الوحيد الذي يمكن فيه للمنفي أن يعيد بناء نوع من الانتماء، لا يقوم على الأرض، بل على قدرة اللغة نفسها على استيعاب هذا التمزق وتحويله إلى معرفة.
محمود درويش، حمل تجربة اللجوء منذ طفولته حين هُجّرت عائلته من قريته البروة عام 1948، لم يكتب القصيدة بوصفها وصفاً حنيناً لأرض بعيدة فحسب، بل بوصفها فعل استرجاع فعلي لتلك الأرض عبر اللغة، حين تعذّر استرجاعها عبر الجغرافيا. القصيدة عنده لم تكن نائبة عن الوطن الغائب، بل كانت الوطن نفسه في الصيغة الوحيدة التي بقيت متاحة: صيغة الكلمة التي لا تحتاج تأشيرة عبور ولا تخضع لحدود جيوسياسية. وقد صرّح درويش أكثر من مرة أن قصيدته صارت في مرحلة ما بديله الفعلي عن الجواز والهوية والأرض، لا لأنه اختار ذلك، بل لأن التاريخ لم يترك له خياراً آخر.
وغسان كنفاني، الذي عاش هو الآخر لاجئاً منذ صباه، كتب في قصصه ورواياته عن اللاجئين الفلسطينيين بوصفهم أصحاب سرد خاص بهم يستحق أن يُروى بلغتهم هم لا بلغة من هجّرهم، بعيدا عن وصفهم ضحايا سلبيين فحسب، اغتيل كنفاني في بيروت عام 1972، لكن رواياته القصيرة بقيت شاهداً على أن الكتابة، حتى حين لا تستطيع استعادة أرض فعلية، تحفظ لأصحابها حق أن يُسمَع صوتهم كما هو، لا كما يرويه عنهم آخرون.
حين يصير المنفى مؤسسة قائمة بذاتها
هذه التجربة ليست حكراً على القرن الماضي وأسمائه الكبيرة، بل لا تزال تتجدد اليوم بأشكال أقل ضجيجاً وأكثر تواضعا، وبالقدر نفسه من الإصرار. الصحفي والشاعر العراقي وداد عبد الزهرة فاخر، الذي غادر العراق نجاة من قمع النظام البعثي المستبد للأصوات الحرة، واستقر في فيينا، لم يكتفِ بالكتابة الفردية عن وطنه البعيد، بل أسّس في نهاية عام 2006 جريدة “السيمر” الإلكترونية، واختار لها اسماً مستمداً من محلة عراقية قديمة في مدينة البصرة، اعتزازاً بتراث تلك المحلة وأسمائها الثقافية. لم يكتفِ بأن يكتب من منفاه عن وطنه، بل أعاد بناء قطعة رمزية من الوطن نفسه داخل المنفى: صحيفة تحمل اسم زقاق بصري قديم، وتُدار من فيينا، وتخاطب قرّاء عراقيين مبعثرين في كل مكان.
ما يميز حالته عن الأمثلة الكلاسيكية السابقة هو الطابع المؤسسي لهذا الفعل: لم يكتفِ وداد فاخر بأن يكون كاتب منفى ينشر نصوصه هنا وهناك، بل حوّل الكتابة إلى منبر جماعي مستمر، يجمع تحت اسم “السيمر” أصواتاً عراقية وعربية متعددة من الداخل والشتات معاً، في مزيج من التقارير السياسية والمقالات والقصائد. هذا النوع من الكتابة، الذي يمزج بين الصحافة اليومية والانحياز الوجداني للوطن، يذكّرنا بأن وطن اللغة لا يقتصر على القصيدة أو الرواية الفردية، بل يمكن أن يتخذ شكل مؤسسة كاملة يبنيها منفيّ بمفرده تقريباً، ليمنح غيره من المشتتين مكاناً افتراضياً يلتقون فيه، ولو عبر الشاشة، بلغتهم الأم وقضاياهم المشتركة.
الفارق الجوهري بين الوطن الجغرافي والوطن اللغوي هو أن الأول يمكن اقتلاع صاحبه منه بالقوة، بينما الثاني لا يُصادَر إلا إذا تخلى عنه صاحبه بنفسه، أو أُجبِر، كما حدث مع نابوكوف، على استبداله بلغة أخرى بكل ما يحمله ذلك من ثمن نفسي باهظ. هذا لا يعني أن الكتابة تعوّض الخسارة الحقيقية للأرض والبيت والذاكرة الجماعية، فلا نص، مهما بلغت قوته، يعيد لصاحبه بيتاً هُدم أو قرية مُحيت من الخريطة. لكنها تمنحه شيئاً آخر لا يقل أهمية: مساحة لا يستطيع أحد أن يطأها غيره، يعيد فيها ترتيب ما تبعثر، ويحتفظ فيها بصوته حياً حتى حين يصمت كل شيء آخر حوله. ولعل هذا هو السبب في أن كثيراً من أدب المنفى، رغم قتامة موضوعه، لا يقرأه المرء وهو يشعر بالهزيمة الكاملة، بل يشعر بشيء أقرب إلى العناد: أن يكتب المرء حين يُنتزع منه كل شيء، هو تأكيد أخير على أنه ما زال هنا، وأن له لغة، وأن هذه اللغة، مهما ضاقت به الجغرافيا، تبقى أرضاً لا يملك أحد مفاتيحها غيره.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل