الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / مع تصاعد نذر المواجهة الواسعة.. كيف نفهم موازين القوى في اليمن؟
قوات الجيش اليمني مسنودة برجال القبائل في محافظة مأرب (رويترز)

مع تصاعد نذر المواجهة الواسعة.. كيف نفهم موازين القوى في اليمن؟

الأثنين 27 . 07 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

مع توسع رقعة النيران من الجو إلى البر ثم البحر بين الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية من جهة وجماعة أنصار الله “الحوثيين” من جهة أخرى، تبرز تساؤلات مفصلية حول موازين القوى العسكرية واحتمالات المآلات في المرحلة المقبلة.

وبدا واضحا منذ نحو شهر أن قواعد الاشتباك تتصاعد تدريجيا، إذ تُرجمت التهديدات المتبادلة بين الأطراف إلى واقع في الميدان عبر هجمات استهدفت منشآت ومصالح حيوية وسفنا ونقاط تماس على خطوط جبهات القتال مع تزايد وتيرة التحشيد العسكري.

لكن المتتبع أيضا لمسار التصعيد يرى حالة من الحذر تنتاب جميع القوى المنخرطة، ربما تحركها المخاوف من اشتعال مواجهة واسعة ترسم خريطة جديدة للسيطرة تخلف تداعيات كارثية تتجاوز اليمن المنهك بـ12 عاما من الحرب وتصل ارتداداتها التي بدأت إلى البحر الأحمر وحركة الملاحة البحرية والشحن في باب المندب أحد أهم الممرات الحيوية.

واشتعل التصعيد فجأة نهاية يونيو/حزيران الماضي في أعقاب إعلان الحوثيين النفير تحت لافتة “إنهاء الحصار” ليتطور إلى تسيير شركة ماهان الإيرانية رحلتين جويتين في 3 و13 يوليو/تموز الجاري إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين وقد مُنعت الرحلة الثالثة من دخول الأجواء اليمنية.

وفي حين وصلت الأولى إلى مطار صنعاء، أُجبرت الثانية على الهبوط في مطار الحديدة بعد قصف وزارة الدفاع اليمنية مطار صنعاء، وقد اتهم الحوثيون السعودية بشن الهجوم على المطار وأعلنوا ردا على ذلك قصف مطار أبها في المملكة.

وتصاعد الموقف أكثر مع إعلان الحوثيين الأسبوع الماضي حظر الملاحة البحرية على السعودية وإعلانهم استهداف سفن تابعة للمملكة، ليرد تحالف دعم الشرعية السبت الماضي بقصف أهداف في محافظة الحديدة قال إنها مواقع عسكرية للحوثيين، في حين أعلن الحوثيون قصف منشآت لشركة أرامكو في جازان وينبع بالسعودية، بالتزامن مع غارات استهدفت تعزيزات للحوثيين في محافظتي مأرب والجوف الإستراتيجيتين.

3 احتمالات

تتأرجح ثلاثة سيناريوهات للتصعيد؛ أولها الاستمرار في التصعيد المحسوب والحذر وحالة المراوحة والردود، حيث يحاول كل طرف إثبات نقاط قوته، وقد يقود هذا المسار إلى الاحتمال الثاني وهو نجاح جهود الوساطة التي لا تزال متعثرة في التوصل إلى حلول مُرضية للأطراف.

أما السيناريو الثالث فيتمثل في الانجرار نحو مواجهة شاملة تعيد رسم معادلات وخطوط سيطرة ميدانية جديدة على مستوى اليمن، لكن هذا الخيار يحمل أخطار توسع النيران مجاوزة جغرافيا اليمن نظرا لتشابك الأزمة وتعدد الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف اليمني.

وخلال السنوات الأربع الماضية من الهدنة ومرحلة خفض التصعيد، استغلت الأطراف تلك الفترة في تحديث وتطوير قدراتها لإدراكها أن معركة ما قادمة.

ما نقاط قوة وضعف المعسكر الحكومي؟

تتفاوت القدرات العسكرية للتشكيلات المسلحة في اليمن، سواء من حيث حجم القوات أو نوعية الأسلحة والمعدات التي تمتلكها، وهي عوامل يُتوقع أن تؤدي دورا محوريا في أي مواجهة محتملة تصفها الأطراف بأنها قد تكون حاسمة.

فعلى الجانب الحكومي، تنتشر قوات الجيش اليمني ضمن سبع مناطق عسكرية، وتشير التصريحات الرسمية إلى أن قوامها يبلغ نحو 440 ألف ضابط وجندي.

وخلال سنوات الحرب، أُنشئت عدة تشكيلات عسكرية ضمن المعسكر الحكومي، من أبرزها قوات “درع الوطن”، و”العمالقة”، و”الطوارئ اليمنية”، و”المقاومة الوطنية”، إلى جانب القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل التي خضعت لاحقا لإعادة هيكلة.

وقد خاضت بعض هذه التشكيلات معارك ضارية ضد الحوثيين خلال السنوات الماضية، وأسهمت بصورة فاعلة في انتزاع السيطرة على عدد من المناطق والمواقع الإستراتيجية.

ولا تتوافر بيانات رسمية بشأن العدد الإجمالي لأفراد هذه التشكيلات المستحدثة، إلا أن تقديرات تداولتها وسائل إعلام يمنية تشير إلى أن قوامها يتجاوز 200 ألف عسكري، إضافة إلى أفراد الجيش النظامي.

وتمتلك قوات الجيش والتشكيلات الأخرى في المعسكر الحكومي وفقا للمعلومات المتاحة الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، إضافة إلى الدبابات والمدرعات والمدفعية، والطيران المسيّر، كما كشفت القوات الجوية اليمنية في الأيام الماضية عن تأهيل عدد من المقاتلات الحربية وتنفيذ ضربات تعد الأولى لها منذ اندلاع الصراع، كما حظيت القوات البحرية اليمنية بدعم إقليمي لتأمين السواحل اليمنية ومنع عمليات التهريب.

وإلى جانب ذلك، تحظى القوات والتشكيلات المنضوية تحت لواء الحكومة بدعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، الذي وفر خلال السنوات الماضية تغطية جوية بمقاتلاته الحربية لدعم تحركاتها العسكرية على الأرض، وتأمين الخطوط الدفاعية في مواجهة هجمات الحوثيين.

عانت الحكومة، بمختلف مكوناتها، خلال السنوات الماضية من تشتت في القرار العسكري، غير أنها تؤكد أنها نجحت في توحيد القرارين العسكري والأمني عقب التطورات التي شهدتها المحافظات الجنوبية مطلع العام الجاري، وذلك بعد إعلانها استكمال عملية تسلّم المعسكرات في تلك المحافظات إثر مواجهات محدودة في محافظة حضرموت مع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، الذي كان ينادي بفصل جنوب البلاد عن شماله.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن الحكومة، حتى مع توافر الإمكانات العسكرية اللازمة لخوض المعركة وشن هجوم بري ضد الحوثيين، لا تزال بحاجة إلى قرار سياسي وعسكري موحد بين مكوناتها، فضلا عن دعم من التحالف.

كما يُعد الموقف الأمريكي عاملا مؤثرا في هذا السياق، إذ سبق للحكومة أن طلبت مرارا دعما عسكريا من واشنطن لتنفيذ هجوم بري على مدينة الحديدة الإستراتيجية المطلة على البحر الأحمر.

وبحسب مسؤولين يمنيين، فقد حالت أطراف دولية في مناسبات سابقة دون تنفيذ عمليات عسكرية كانت الحكومة تعتزم شنها للسيطرة على مدن إستراتيجية، مبررة موقفها بمخاوف على سلامة المدنيين وحماية المنشآت الحيوية.

مواطن القوة والتحديات أمام الحوثيين

في الضفة الأخرى، لدى الحوثيين تشكيلات مسلحة بمسميات مختلفة تتبع حكومة الجماعة غير المعترف بها دوليا، وتقدر مصادر عسكرية يمنية حجم تلك القوات بنحو 300 ألف، إضافة إلى ما تسمى “قوات التعبئة” التي أشار زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في تصريحات سابقة له إلى أن أعدادها تتجاوز مليون شخص خضعوا لدورات تدريبية.

ومنذ اندلاع الحرب، شهدت القدرات العسكرية للحوثيين تطورا خصوصا في الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق المسيرة التي كانت حاضرة أكثر في الهجمات في البحر الأحمر وهجمات على السعودية والإمارات وإسرائيل في السنوات الماضية فضلا عن هجمات في الداخل اليمني استهدفت مواقع في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

كما تمكن الحوثيون من إعادة تشغيل بعض الطائرات الحربية التي استولوا عليها بعد سيطرتهم على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014.

ويرى البعض أن لدى الحوثيين قيادة مركزية للقرار العسكري، الأمر الذي يمنحهم بحسب خبراء عسكريين قدرة على اتخاذ قرارات ميدانية سريعة وتوجيه العمليات العسكرية بقدر من التنسيق والانضباط العملياتي.

لكن الحوثيين يواجهون في المقابل تحديات في الإمداد مع تزايد عمليات الرقابة والتفتيش على المنافذ والموانئ في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم لمنع عمليات تهريب الأسلحة، بخلاف الحكومة التي تتيح لها ظروفها الإقليمية والدولية حرية أكبر في التحرك لجلب الإمدادات العسكرية واللوجستية.

أما على مستوى الجغرافيا فالطبيعة الجبلية الوعرة في الكثير من المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين قد تشكل عائقا أمام أي تقدم للقوات الحكومية.

ويعتقد الحوثيون أن عملياتهم لاستهداف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية تضغط لتحقيق مطالبهم، غير أن ذلك يواجه تحديات، أبرزها منظومات الدفاع لدى التحالف، إذ أعلن خلال الفترة الماضية التصدي لهجمات الحوثيين.

قدرات هجومية إستراتيجية

ويرى الخبير في الشؤون الإستراتيجية العسكرية والأمنية الدكتور علي الذهب، في تصريح للجزيرة نت، أن الحوثيين لديهم إمكانات متفوقة في القدرات الهجومية الإستراتيجية التي تتجاوز حدود البلاد، وأنهم يحاولون من خلالها الضغط على السعودية، لتمرير مطالبهم من الحكومة اليمنية.

وذكر أن التفوق يكمن في الطائرات المسيرة بصنوفها المختلفة، والصواريخ الباليستية والفرط صوتية وصواريخ كروز، إضافة إلى الصواريخ البحرية التي استُخدم بعضها في مهاجمة الشحن البحري، والسفن الحربية خلال أعوام الحرب الماضية.

في المقابل، يقول الذهب إن الحكومة ركزت جهدها على أسلحة المشاة وما دون الثقيلة التي تستخدم في المعارك البرية، ولم يكن لها حضور في الطيران التقليدي الحربي خلال السنوات العشر الماضية، إلا أنه ظهر مؤخرا إعلان حكومي يشير إلى إعادة بناء القوات الجوية، ويبدو أن ذلك وصل إلى مستوى أقل مما كان قبل عام 2014.

الذهب أشار إلى أن الحوثيين لديهم إمكانات هجومية متفوقة يحاولون من خلالها الضغط على السعودية
الذهب أشار إلى أن الحوثيين لديهم إمكانات هجومية متفوقة يحاولون من خلالها الضغط على السعودية (الجزيرة)

تفوق حكومي

ويضيف الذهب أن موازين القوى بين الحكومة اليمنية والحوثيين لا تتحدد بما يمتلكه كل طرف من قدرات وإمكانات فحسب، بل تتأثر أيضا بقنوات الإمداد والتدفق التي يسهم استمرارها في تعزيز قدرات الحوثيين. وينطبق الأمر ذاته على الدعم الذي يقدمه التحالف للحكومة اليمنية، ولا سيما في مجالات الإسناد الجوي والدعم اللوجستي والمعلومات الاستخبارية.

ويرى الذهب أنه في حال اندلاع مواجهة بين الطرفين، فإن قدرات الحكومة تتفوق كثيرا، بفعل دعم التحالف والإصلاحات التي جرى تنفيذها خلال الفترة الماضية. في المقابل، يتوقع أن يُبدي الحوثيون شراسة كبيرة في الدفاع عن مناطق سيطرتهم، على غرار النهج الذي اتبعوه خلال السنوات السابقة.

وأشار إلى أن قدرات الحوثيين تضعضعت بفعل الهجمات عليهم من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلا عن إهدار الكثير من أسلحتهم من الطيران المسير والصواريخ خلال انخراطهم في الصراع الإقليمي، منذ عدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة.

تصعيد في خضم صراع إقليمي

يتقاطع التوتر على الساحة اليمنية مع التصعيد الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران، لا سيما أن الحوثيين سبق أن انخرطوا، وإن بصورة محدودة، في حرب الأربعين يوما الماضية دعما لطهران.

وعقب إعلان الحوثيين فرض حظر على الملاحة للسعودية، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الحوثيين وإيران بـ”عقاب عسكري كبير” إذا شنوا مزيدا من الهجمات، بعد استهداف ناقلتي نفط سعوديتين.

على صعيد متصل ظهر المسؤولون الإيرانيون مؤخرا في تناغم مع سردية الحوثيين، حيث تحدثوا عن ضرورة رفع ما وصفوه بـ”الحصار” عن اليمن، مؤكدين أن إجراءات الحوثيين تهدف لإنهاء ذلك الحصار.

ويتهم المجلس الرئاسي في اليمن الحوثيين بعرقلة التهدئة والحل السياسي والإصرار على الزج بالبلاد في أزمات متلاحقة خدمة لأجندات النظام الإيراني.

وقال المجلس الرئاسي اليمني إن “رحلة ماهان حملت عددا من العناصر العسكرية والأمنية، وخبراء إيرانيين متخصصين في تطوير الطائرات المسيّرة ومنظومات الصواريخ”.

في السياق ذاته قالت أربعة مصادر لرويترز، الأسبوع الماضي إن إيران أرسلت قيادات من الحرس الثوري ومستشارين عسكريين وعتادا لصواريخ وطائرات مسيرة إلى اليمن هذا الشهر.

وفي منتصف يوليو/تموز الجاري نقلت رويترز عن مصادر أن إيران طلبت من الحوثيين في اليمن الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر إذا شنت الولايات المتحدة هجوما على البنية التحتية لشبكة الكهرباء في إيران.

لا نقاط التقاء

وتغيب القواسم المشتركة ونقاط الالتقاء بين الحكومة اليمنية والحوثيين، مما يزيد تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة، في ظل تمسك كل طرف بمشروع سياسي يتعارض جذريا مع رؤية الطرف الآخر.

ففي حين تؤكد الحكومة اليمنية تمسكها بـ”إنهاء انقلاب الحوثيين واستعادة العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة”، وتربط أي حل سياسي بالمرجعيات الثلاث المتمثلة في (المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216)، تواصل جماعة الحوثي رفض هذه المرجعيات وعدم الاعتراف بجعلها أساسا لأي تسوية.

وفي المقابل، يؤكد الحوثيون مضيهم في مساعي بسط سيطرتهم على كل البلاد وإنهاء ما يصفونه بـ”الحصار”، استنادا إلى معادلة “التصعيد بالتصعيد والحصار بالحصار”.

كما يربطون أي ترتيبات تتعلق بتشغيل المطارات والموانئ في مناطق سيطرتهم بالتوصل إلى اتفاق مع حكومتهم غير المعترف بها دوليا، بينما ترفض الحكومة اليمنية ذلك، مؤكدة عدم التهاون في حماية السيادة الوطنية وممارسة صلاحياتها الحصرية على مؤسسات الدولة ومنافذها الحيوية.

المصدر: الجزيرة + وكالات + الصحافة اليمنية

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً