الثلاثاء 11 . 08 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عندما تصبح المعرفة رهينة الخوارزمية يتم ابادتها
ثمة خطرٌ قادم لا نتحدث عنه بما يكفي؛ خطرٌ لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية، وإنما بما يمكن أن يحدث عندما تتحول هذه التقنية من أداة تساعد الإنسان على الوصول إلى المعرفة، إلى البوابة الوحيدة التي يمرّ عبرها الإنسان إلى المعرفة.
اليوم تتسابق شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على رقمنة الكتب، وأرشفة الوثائق، ومسح المكتبات والمصادر الورقية، وتحويل ملايين الصفحات إلى بيانات قابلة للقراءة والمعالجة بواسطة الآلة. وفي ظاهر الأمر تبدو العملية إنجازاً عظيماً؛ فالمعرفة تصبح أسرع وصولاً، والكتب التي كانت حبيسة الرفوف تصبح متاحة بضغطة زر.
لكن السؤال الأخطر هو: ماذا لو جاء يومٌ لا تعود فيه الكتب هي المصدر، بل تصبح الخوارزمية هي المصدر؟
ماذا لو تراجعت قيمة الكتاب الأصلي، والمخطوطة، والوثيقة، والمصدر التاريخي، وأصبح الإنسان يعتمد على إجابة الذكاء الاصطناعي باعتبارها الحقيقة النهائية؟
هنا تبدأ المشكلة.
فالكتاب، مهما كان قديماً، يبقى شاهداً مادياً يمكن الرجوع إليه ومقارنته بغيره. والمخطوطة تحمل تاريخها وسياقها وآثار أصحابها، ويمكن للباحث أن يقرأها، ويناقشها، ويختلف معها، ويقارنها بمصادر أخرى. أما حين تنتقل هذه المعرفة إلى منظومة رقمية مغلقة، ثم يبدأ المستخدم بالاعتماد على الخوارزمية بدلاً من الرجوع إلى الأصل، فإننا ننتقل تدريجياً من امتلاك المعرفة إلى استهلاك المعرفة كما تقدمها لنا الآلة.
والخطر الأكبر ليس أن تخطئ الآلة؛ فالخطأ يمكن تصحيحه.
الخطر أن يصبح مصدر الخطأ غير مرئي.
فإذا حُرّفت معلومة تاريخية أثناء الرقمنة، أو سقط جزء من نص، أو جرى تفسير مخطوطة بطريقة معينة، أو اختارت الخوارزمية مصدراً على حساب مصدر آخر، ثم اختفت النسخ الأصلية أو أصبحت بعيدة عن متناول الباحثين، فإن الخطأ قد لا يبقى خطأً في معلومة، بل يتحول مع الزمن إلى نسخة جديدة من الحقيقة.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية:
من يمتلك المعرفة عندما تصبح رقمية؟
هل يمتلكها الإنسان الذي كتبها؟
أم المؤسسة التي أرشفتها؟
أم الشركة التي خزنتها؟
أم الخوارزمية التي تعيد إنتاجها للمستخدم؟
إن المشكلة المستقبلية قد لا تكون في أن الذكاء الاصطناعي يعرف كل شيء، بل في أن عدداً قليلاً من الشركات قد يمتلك القدرة على تحديد ما الذي سيظهر لنا من كل شيء.
وهذا هو جوهر احتكار المعرفة الجديد.
في الماضي كان احتكار المعرفة يتم عبر السيطرة على المكتبات، أو منع الكتب، أو التحكم في التعليم والنشر. أما في المستقبل فقد يأخذ الاحتكار شكلاً أكثر نعومة؛ لن يُقال لك: “ممنوع أن تقرأ”، وإنما ستُعطى إجابة جاهزة تختصر لك آلاف الكتب، وربما لن تعرف أصلاً ماذا حُذف منها، وما الذي لم يُعرض عليك، وما المصادر التي لم تدخل في عملية بناء الإجابة.
وهنا يصبح السؤال ليس: هل الذكاء الاصطناعي يقول الحقيقة؟
بل: من يحدد للذكاء الاصطناعي ما هي الحقيقة التي ينبغي أن يقولها؟
والأخطر من ذلك كله هو أن تتحول المعرفة إلى سلعة.
فإذا أصبحت البشرية تعتمد على عدد محدود من المنصات للحصول على المعلومات، فمن الممكن أن تصبح المعرفة نفسها مرتبطة بالاشتراك، والقدرة الشرائية، وحقوق الوصول، ومستويات الخدمة. قد يأتي يوم لا يكون فيه السؤال: “هل توجد هذه المعلومة؟”، بل: “هل أملك حق الوصول إليها؟”
وهذا يجعل الحفاظ على الكتب الورقية والمخطوطات والمصادر الأصلية ليس تمسكاً رومانسياً بالماضي، ولا رفضاً للتكنولوجيا، وإنما جزءاً من الأمن المعرفي للبشرية.
نحن لا نحتاج إلى الاختيار بين الكتاب والذكاء الاصطناعي.
نحتاج إلى أن يبقى الكتاب أصلاً، والذكاء الاصطناعي أداة.
أن تبقى المخطوطة موجودة حتى لو تمت رقمنتها.
وأن تبقى الوثيقة محفوظة حتى لو دخلت قواعد البيانات.
وأن تبقى المكتبة قائمة حتى لو أصبح الوصول إلى محتواها إلكترونياً.
وأن يبقى للباحث حق العودة إلى المصدر، لا أن يكتفي بما تقرره الخوارزمية عنه.
لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث للبشرية ليس أن تفقد الكتب، وإنما أن تفقد القدرة على معرفة ما إذا كانت المعرفة التي تصل إليها قد تغيرت أم لا.
قد تكون الثورة القادمة ليست ثورة في صناعة المعلومات، وإنما في صناعة الحقيقة.
ولهذا فإن معركة المستقبل لن تكون فقط على من يمتلك أكبر قدر من البيانات، بل على من يمتلك القدرة على تفسيرها، وترتيبها، وإخفاء بعضها، وإظهار بعضها الآخر.
وإذا كان النفط قد صنع قوة الدول في قرن مضى، والبيانات تصنع قوة الشركات في قرننا هذا، فقد تصبح المعرفة المؤتمتة واحدة من أخطر مصادر القوة في المستقبل.
لذلك، قبل أن نسلّم ذاكرتنا البشرية كاملة إلى الآلة، علينا أن نسأل:
من سيحفظ الأصل؟
ومن سيراقب الخوارزمية؟
ومن يضمن أن المعرفة التي ستصل إلى أبنائنا بعد خمسين عاماً هي ذات المعرفة التي تركها لنا أسلافنا؟
لأن اليوم الذي تصبح فيه الخوارزمية هي المكتبة، والمعلّم، والمفسّر، والمصدر الوحيد للحقيقة، قد يكون اليوم الذي لا تعود فيه البشرية تملك المعرفة…
بل تملك فقط الإذن بالوصول إليها.
بمعنى اننا لا نريد ان نكرر ما حدث من قبل هولاكو بمجزرة تدمير مكتبات بغداد والقائها بنهر دجله بسبب من همجيته وتخلفه العقلي والفكري ..
اما الحادث الاخر فهو حرق مكتبة الاسكندرية الذي يدفع ببطلان الحدث كل جماعة اهل السنة حماية لاشخاص ” يقدسونهم” هم من فعل ذلك ، ودعونا من الدخول بوسط تلك المعمعة التاريخية .. لكن حريق أخر ، وهو قول مشابه لما تم فعله بمكتبة الاسكندرية لعمر بن الخطاب عن مكتبة فارس: “أطرحوها فى الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله” (مقدمة بن خلدون: كتاب 1: باب6، فصل 13)..
*سكرتير التحرير
بغداد /2026.08.03
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل