الرئيسية / مقالات / السعودية ومأزق المظلة الأميركية: حين يطلب الحليف من حليفه أن يخوض حربه

السعودية ومأزق المظلة الأميركية: حين يطلب الحليف من حليفه أن يخوض حربه

الأثنين 21 . 09 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

بين حسابات الحرب وكلفة الحماية، تجد السعودية نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً: كيف تحافظ على أمنها ونفوذها، فيما تتسع كلفة المواجهة وتتغير قواعد الاشتباك في المنطقة؟

أمل شبيب

لم يكن طلب السعودية من دونالد ترامب التدخل عسكرياً في اليمن تفصيلاً جديداً في حرب قديمة، بل جاء في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في العلاقة بين الرياض وواشنطن منذ اندلاع الحرب الأميركية على إيران.

السعودية التي دخلت الحرب إلى جانب الولايات المتحدة بوصفها حليفاً مهماً في الحسابات الأميركية، تجد نفسها اليوم أمام جبهة يمنية تتسع، وقدرات صاروخية ومسيّرة تضغط على أمنها ومنشآتها، وممرات بحرية باتت أكثر اضطراباً، فيما لا تبدو واشنطن مستعدة لتقديم ما تريده الرياض: القوة الأميركية المباشرة.

فالمملكة لا تطلب من ترامب مجرد معلومات أو أسلحة إضافية، بل تريد تحويل الشراكة السياسية والعسكرية إلى تدخل مباشر، واستخدام القوة الأميركية لوقف مسار ميداني بات يضغط عليها في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.

والأكثر دلالة أن الطلب السعودي جاء بينما تحتاج واشنطن نفسها إلى الرياض في الحرب مع إيران.

هنا تبدو المعادلة وكأنها انقلبت: السعودية التي كانت حليفاً تحتاجه واشنطن في حرب إيران، أصبحت الآن حليفاً يطلب من واشنطن أن تدفع كلفة حمايته.

ومن هنا يصبح اليمن أكثر من جبهة. إنه اختبار للتحالف الأميركي السعودي نفسه، ولحدود المظلة الأمنية التي بنت الرياض عليها جانباً كبيراً من حساباتها الاستراتيجية.

من حليف في حرب إيران إلى دولة تطلب النجدة

خلال الحرب على إيران، كانت السعودية جزءاً أساسياً من الحسابات الأميركية. فالجغرافيا السعودية، والمنشآت العسكرية والطاقة، والموقع على الخليج، كلها جعلت المملكة شريكاً مهماً في التخطيط الأميركي للحرب.

لكن المفارقة ظهرت عندما انتقلت الحاجة من واشنطن إلى الرياض، إلى حاجة الرياض إلى واشنطن.

وبحسب تقارير حديثة، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من ترامب التدخل ضد القوات المسلحة اليمنية، بينما قاومت واشنطن في البداية الانخراط العسكري المباشر، قبل أن تظهر تقارير عن إعداد خطط لضربات ثم التراجع عنها. وأفادت رويترز بأن واشنطن اكتفت حتى الآن بدعم استخباري، فيما أظهرت التطورات اللاحقة أن ترامب لم يمضِ في الضربات التي كانت قيد الإعداد.

هذه ليست مجرد مناورة عسكرية، بل تكشف حدود التحالف عندما تنتقل العلاقة من التعاون في الحرب إلى فاتورة الحماية.

فالولايات المتحدة لا ترى اليمن وحده؛ إنها ترى إيران خلف المشهد الإقليمي، وترى حرباً لم تُغلق حساباتها، وترى قوات وذخائر ودفاعات جوية موزعة على أكثر من جبهة، وتدرك أن فتح جبهة جديدة قد لا يبقى محصوراً في اليمن.

لذلك يصبح السؤال بالنسبة إلى واشنطن مختلفاً: هل تحمي حليفها بالطريقة التي تريدها الرياض، أم تحافظ أولاً على قدرتها على إدارة الحرب التي تخوضها أصلاً؟

السعودية أمام مشكلة لم تعد سعودية

لأعوام طويلة، تعاملت الرياض مع اليمن باعتباره ساحة تقع ضمن مجالها الأمني المباشر. لكن الحرب غيّرت طبيعة هذه الساحة.

فالقوات المسلحة اليمنية لم تبقَ محصورة في معادلة الداخل اليمني، بل طورت قدرات صاروخية ومسيّرة، واستطاعت نقل جزء من الضغط إلى العمق السعودي وإلى المنشآت والطاقة والملاحة.

والتطور الأهم جاء على الساحل الغربي. فقد أفادت تقارير حديثة بسيطرة القوات المسلحة اليمنية على مدينة المخا ومناطق وجزر استراتيجية قرب باب المندب، فيما امتد القتال إلى مناطق أخرى على ساحل البحر الأحمر. وتقول تقارير إن هذا التوسع يمنحها قدرة أكبر على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.

وهنا تغيرت طبيعة المشكلة بالنسبة إلى السعودية. لم تعد الرياض تواجه خصماً داخل ساحة مغلقة، بل قوة تستطيع نقل جزء من المعركة إلى الاقتصاد السعودي، والطاقة، والملاحة، وكلفة التأمين والنقل. وهذه نقطة شديدة الحساسية بالنسبة إلى المملكة، لأن الاقتصاد السعودي اليوم مرتبط بمشروع تحول اقتصادي واسع يحتاج إلى الاستقرار، وتدفق الاستثمارات، وحماية المنشآت الحيوية، واستمرار حركة التجارة. كلما ارتفعت كلفة عدم الاستقرار، ارتفع ثمن الحرب بالنسبة إلى الرياض. ومن هنا يمكن فهم سبب تحول الجبهة اليمنية من ملف عسكري إلى مشكلة استراتيجية تمس المشروع الاقتصادي والسياسي السعودي نفسه.

اليمن لم يعد مجرد هدف عسكري

لهذا السبب، فإن تصوير المعركة باعتبارها محاولة سعودية لضرب “مواقع يمنية” لا يشرح المشهد كاملاً. القوات المسلحة اليمنية أصبحت عاملاً يدخل في حسابات الجغرافيا والاقتصاد والملاحة، وليس القوة العسكرية وحدها.

وهذا لا يعني امتلاكها تفوقاً عسكرياً شاملاً على السعودية أو الولايات المتحدة. لكن طبيعة هذا النوع من الحروب تجعل معيار القوة أكثر تعقيداً من مقارنة الطائرات والصواريخ والمنظومات الدفاعية. فطرف يمتلك قدرات أقل من خصمه يستطيع، في ظروف معينة، أن يفرض عليه إنفاقاً أكبر، وانتشاراً أوسع، وحماية أكبر للمنشآت، وحسابات سياسية أكثر تعقيداً. وهنا تكمن أهمية اليمن بالنسبة إلى واشنطن والرياض: القدرة على الضرب ليست هي نفسها القدرة على فرض النهاية السياسية للحرب.

درس السنوات الماضية

الولايات المتحدة لا تدخل اليمن للمرة الأولى، والسعودية لا تخوض الحرب للمرة الأولى، والكيان الإسرائيلي نفذ أيضاً ضربات ضد أهداف في اليمن خلال السنوات الماضية.

لكن سنوات الحرب لم تنتهِ بإزالة قدرة القوات المسلحة اليمنية على الاستمرار في المواجهة. وتشير التقارير الحديثة إلى أن القوات المسلحة اليمنية خرجت من سنوات التدخل العسكري الإقليمي والدولي بقدرات صاروخية ومسيّرة أكثر تطوراً، فيما أظهرت التطورات الأخيرة قدرتها على التوسع على ساحل البحر الأحمر وتهديد المصالح السعودية والملاحة.

وهذا هو الدرس الذي يهم واشنطن أكثر من أي رقم آخر: التفوق العسكري لا يضمن وحده الحسم السياسي. لذلك، عندما تطلب الرياض من ترامب التدخل، لا يستطيع البيت الأبيض أن يسأل فقط: هل يمكننا ضربهم؟

بل عليه أن يسأل: ماذا يحدث بعد الضربة؟ ماذا لو لم تتوقف الحرب؟ وماذا لو تحولت الضربة من أداة لإنهاء التصعيد إلى بداية لمسار تصعيد جديد؟

ترامب بين السعودية وإيران واليمن

هنا تتجمع أمام ترامب ثلاثة اعتبارات متناقضة.

أولاً، تحتاج واشنطن إلى السعودية في الحسابات المرتبطة بالحرب على إيران.

ثانياً، تريد تجنب فتح جبهة أميركية جديدة في اليمن.

وثالثاً، لا تستطيع تجاهل أن استمرار الضغط على السعودية قد يضر بشريك أساسي في “منظومة واشنطن الخليجية”.

ولهذا بدا الموقف الأميركي متردداً بين تقديم الدعم وبين الامتناع عن التدخل المباشر. ووفق “رويترز” ، قاومت واشنطن طلبات سعودية للتدخل العسكري المباشر، واكتفت بدعم استخباري، فيما أظهرت التقارير أن ترامب تراجع عن ضربات كانت قيد الإعداد.

التردد هنا يعكس تضارب المصالح أكثر مما يعكس مجرد تردد في القرار. ترامب يريد السعودية إلى جانبه في الحرب على إيران، لكنه لا يريد أن تتحول حاجة السعودية إلى سبب لإضافة حرب أخرى إلى سجل التدخل الأميركي، خصوصاً في لحظة تتشابك فيها الجبهات والممرات البحرية والطاقة.

الرياض تختبر حدود المظلة الأميركية

ربما تكون هذه اللحظة أهم من الضربة نفسها. فالسعودية بنت خلال سنوات شراكتها مع الولايات المتحدة منظومة أمنية ضخمة على أساس أن القوة الأميركية ستشكل مظلة الردع الأساسية. لكن الأزمة الحالية تضع أمام الرياض فارقاً واضحاً بين وجود مظلة أمنية أميركية وبين استعداد واشنطن لخوض حرب مفتوحة نيابة عنها.

والدليل الأبرز أن المملكة، مع تصاعد الهجمات والضغط على منظومتها الدفاعية، بدأت تبحث عن دعم من دول أخرى.

فقد أفادت “AP ” بأن السعودية تسعى للحصول على مساعدات عسكرية من دول إقليمية وغربية بينها فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر، في ظل انخفاض مخزونات صواريخ الاعتراض، بينما لم يلتزم أي من هذه الأطراف حتى الآن بتدخل عسكري مباشر.

وهنا يتغير السؤال. فلم يعد الأمر بالنسبة إلى الرياض: ماذا تستطيع واشنطن أن تقدم؟

بل: ما الذي هي مستعدة فعلاً لدفع ثمنه؟

وهذه هي المساحة الفاصلة بين التحالف الأمني والحرب بالنيابة.

من واشنطن إلى تنويع الشراكات

عندما لم تحصل السعودية على التدخل الأميركي المباشر الذي أرادته، بدأت تنظر إلى خيارات أخرى. ليس المقصود بالضرورة التخلي عن واشنطن، بل توزيع الكلفة الأمنية وتوسيع شبكة العلاقات.

الدول الغربية والإقليمية دخلت في الحسابات بدرجات مختلفة، فيما برزت الصين أيضاً في المشهد بوصفها قوة اقتصادية كبرى وشريكاً أساسياً للسعودية في الطاقة والتجارة. وهذا مهم لأن “تنويع الشراكات” بالنسبة إلى الرياض لم يعد مجرد شعار دبلوماسي.

ففي أوقات الاستقرار يمكن للدولة أن تبقي معظم رهاناتها في إطار واحد. أما عندما تتعرض لذلك الإطار لاختبار حقيقي، فإن البحث عن بدائل يتحول إلى ضرورة استراتيجية.

ومن هنا، فإن تحرك السعودية خارج المظلة الأميركية لا يعني بالضرورة قطيعة مع واشنطن، بل يعكس محاولة لتقليل الاعتماد على مسار واحد في بيئة أمنية أصبحت أكثر اضطراباً.

الكيان الإسرائيلي في الحسابات

في هذه البيئة، يصبح الكيان الإسرائيلي جزءاً من الحسابات الأمنية الأوسع، سواء من خلال القدرات الاستخبارية والاستطلاعية أو عبر موقعه في الترتيبات الإقليمية الجديدة. لكن من المهم عدم تصويره باعتباره يمتلك “حلاً سحرياً”  للأزمة اليمنية. فالكيان الإسرائيلي نفسه واجه القوات المسلحة اليمنية، ولم يؤدِّ ذلك إلى إنهاء قدرتها على العمل. الأهم أن الملف اليمني أصبح من النوع الذي يدفع الخصوم إلى جمع أدوات الاستخبارات والاستطلاع والدفاع والردع حوله. وهذا بحد ذاته يعكس تحول الجبهة اليمنية من ملف محلي إلى عنصر في منظومة أمن إقليمية أوسع.

السعودية ليست مجرد حليف

تكمن أهمية السعودية في أنها ليست دولة خليجية عادية. فهي تملك النفط، وساحلاً طويلاً على الخليج الفارسي والبحر الأحمر، وثقلاً عربياً، ومشروعاً اقتصادياً ضخماً مرتبطاً برؤية 2030، وموقعاً جغرافياً يصل الخليج الفارسي بالبحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية. لذلك فإن أمن المملكة ليس مسألة ثنائية بين الرياض وواشنطن فقط. ذلك أن أي تغير في موقع السعودية يمكن أن ينعكس على الطاقة والتجارة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية. ومن هنا أيضاً يمكن فهم اهتمام واشنطن والكيان الإسرائيلي بترتيبات العلاقة مع الرياض. فالملف السعودي يجمع بين الأمن والاقتصاد والطاقة والتطبيع والممرات الاستراتيجية في وقت واحد.

الأمن والتطبيع والاقتصاد في مسار واحد

في يوليو/تموز 2026، قال ترامب إن الولايات المتحدة لن تمضي في اتفاق نووي مدني مع السعودية من دون انضمام الرياض إلى “اتفاقات أبراهام” والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي. وكانت السعودية قد ربطت موقفها من التطبيع بتحقيق تقدم في القضية الفلسطينية. هذه التطورات تكشف أن ملفات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا والتطبيع لم تعد تتحرك دائماً في مسارات منفصلة.

السلاح مرتبط بالأمن، والأمن مرتبط بالتحالف، والتحالف مرتبط بالاقتصاد، والاقتصاد مرتبط بإعادة ترتيب المنطقة.

ولهذا فإن موقع السعودية بعد الحرب لا يمكن فهمه من زاوية اليمن وحده، بل من خلال السؤال الأوسع: كيف ستعيد الرياض توزيع علاقاتها وشراكاتها الأمنية والاقتصادية في مرحلة تتغير فيها قواعد المنطقة؟

إيران في الخلفية… واليمن ليس مجرد امتداد

في كل ذلك، تبقى إيران حاضرة في الحسابات. لكن اختزال اليمن في كونه مجرد امتداد آلي لإيران لا يشرح المشهد كاملاً. فإيران تملك حساباتها الاستراتيجية، والقوات المسلحة اليمنية تملك ساحة وقدرات وقراراً ميدانياً خاصاً بها. في المقابل، ترى واشنطن أن أي توسع في اليمن يمكن أن يتقاطع مع الحرب الإقليمية مع طهران. وهذا ما يجعل الجبهة اليمنية حساسة بالنسبة إلى البيت الأبيض: أي توسع أميركي فيها لا يجري في فراغ، بل داخل بيئة تتقاطع فيها الجبهات والممرات البحرية ومصالح القوى الكبرى. وقد حذرت طهران من أن توسيع الهجوم الأميركي يمكن أن يغير طبيعة الحرب وجغرافيتها، ما يعني أن اليمن لا يمكن فصله بسهولة عن الصراع الإقليمي الأوسع.

السعودية بين جبهتين

السعودية تريد وقف الضغط اليمني، واليمن أصبح مرتبطاً بالحرب على إيران.

واشنطن تريد احتواء إيران، لكنها لا تريد بالضرورة فتح حرب إضافية في اليمن.

والكيان الإسرائيلي يريد الحد من المخاطر الإقليمية المرتبطة بإيران وحلفائها، لكن أي تدخل مباشر جديد قد يوسع دائرة الاستهداف.

أما الرياض، فتريد حماية مشروعها الاقتصادي، لكن حماية هذا المشروع تحتاج إلى بيئة مستقرة لا توفرها بالضرورة حرب مفتوحة.

لهذا فإن المعادلة ليست عسكرية فقط.

كل ضربة يمكن أن تتحول إلى قرار اقتصادي، وكل تحرك بحري يمكن أن يتحول إلى أزمة طاقة، وكل توسع عسكري يمكن أن يفرض إعادة حساب للتحالفات.

وهنا تحديداً تتجاوز أهمية اليمن حدود الجبهة نفسها.

اليمن يغيّر حسابات القوة

القضية الأساسية في النهاية ليست: هل تستطيع الولايات المتحدة أو السعودية أو الكيان الإسرائيلي ضرب اليمن؟

القدرة على الضرب ليست موضع السؤال !

السؤال هو: هل تستطيع القوة الأعلى عسكرياً فرض النهاية السياسية التي تريدها؟

القوات المسلحة اليمنية واجهت سنوات من التدخل العسكري والضربات، واستمرت في تطوير قدراتها، ثم تمكنت في التطورات الأخيرة من توسيع حضورها على ساحل البحر الأحمر والاقتراب من مناطق استراتيجية مرتبطة بباب المندب.

وهذا لا يعني أن اليمن حسم حرباً شاملة، لكنه يعني أن إخضاعه بالقوة لم يعد قراراً منخفض الكلفة.

وهذا هو التحول الاستراتيجي الأهم.

من اليمن إلى شكل المنطقة الجديد

لهذا فإن الأزمة الحالية لا تختبر فقط قدرة السعودية على مواجهة القوات المسلحة اليمنية، بل تختبر شكل منطثة غرب آسيا الذي سيأتي بعدها.

هل تبقى واشنطن الضامن الأمني الأول؟

هل تتجه السعودية إلى توزيع علاقاتها بين أكثر من قوة؟

هل يصبح البحر الأحمر جزءاً من منظومة أمن إقليمية جديدة؟

هل تتعمق العلاقة بين الرياض والكيان الإسرائيلي؟

وهل يتحول التعاون الأمني والاقتصادي إلى إطار إقليمي أوسع؟

هذه الأسئلة تختبئ خلف طلب سعودي للمساعدة العسكرية.

ولهذا فإن اليمن، رغم أنه قد يبدو جبهة محددة جغرافياً، أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول من يملك أدوات التأثير في النظام الإقليمي المقبل.

“إسرائيل الكبرى” بين الفكرة والواقع

تظهر أحياناً خرائط وشعارات مرتبطة بمفهوم “إسرائيل الكبرى”، تتضمن في بعض التصورات الأيديولوجية مناطق تتجاوز الحدود الحالية للكيان الإسرائيلي.

لكن من الضروري التمييز بين هذه التصورات الأيديولوجية وبين السياسة الرسمية للدولة. ولا تكفي خريطة أو خطاب أيديولوجي لإثبات وجود خطة رسمية حالية لاحتلال السعودية.

ومع ذلك، فإن وجود هذه الأفكار يكشف نقاشاً أوسع حول الجغرافيا والنفوذ وحدود المنطقة وممرات الطاقة.

أما أهمية السعودية بالنسبة إلى الكيان الإسرائيلي فلا تحتاج إلى افتراض مشروع احتلال حتى تكون استراتيجية؛ يكفي موقع المملكة، ونفطها، وسواحلها، وثقلها الديني، وقدرتها على التأثير في توازن العلاقات داخل المنطقة.

السعودية تريد من ترامب أن يقاتل… وترامب يريد من السعودية أن تبقى في الحرب

ربما تختصر هذه المفارقة جانباً أساسياً من المشهد. واشنطن تحتاج السعودية في حرب إيران، والسعودية تحتاج واشنطن في حرب اليمن. كل طرف يحتاج الآخر، لكن الحاجة لا تعني التطابق. ترامب يريد من الرياض أن تستمر في التعاون، والرياض تريد من ترامب أن يحول هذا التعاون إلى حماية عسكرية مباشرة.

وهنا يصطدم التحالف بالواقع. فالولايات المتحدة تستطيع تقديم السلاح، والاستخبارات، والمساعدة في الاستهداف، لكنها عندما تدخل حرباً مفتوحة تصبح أمام سؤال مختلف تماماً: من سيدفع ثمن الحرب؟ ومن سيتحمل تبعاتها إذا اتسعت؟

هذا هو السؤال الذي يكشف حدود التحالف أكثر من أي بيان سياسي.

الحليف الذي اكتشف أن المظلة ليست حرباً بالنيابة عنه

ما تكشفه الأزمة اليمنية اليوم ليس حكماً نهائياً على قوة السعودية، ولا انتصاراً عسكرياً نهائياً لأي طرف.

إنها تكشف شيئاً آخر: الحرب أعادت توزيع الأدوار.

السعودية التي كانت تدخل حرب اليمن من موقع المبادرة، باتت اليوم تبحث عن دعم خارجي في مواجهة جبهة استعادت قدرتها على الضغط.

والولايات المتحدة التي كانت تقدم نفسها باعتبارها الضامن الأمني الأول، أصبحت توازن بين حماية حليفها وبين عدم فتح جبهة جديدة بينما تبقى حسابات الحرب مع إيران مفتوحة.

أما القوات المسلحة اليمنية، فلم تعد تُقرأ فقط من زاوية مساحة السيطرة على الأرض، بل من زاوية قدرتها على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط في الطاقة والملاحة والأمن الإقليمي.

وتبقى إيران جزءاً من المعادلة الأوسع، فيما تعيد الرياض حساباتها الأمنية والسياسية وتوسّع هامش شراكاتها، في وقت تبقى فيه حسابات الكيان الإسرائيلي حاضرة في بعض الملفات الإقليمية، من دون أن تكون وحدها المحدِّد لمسار إعادة ترتيب المنطقة.

لهذا فإن السؤال لم يعد: هل ستحصل السعودية على مساعدة من هنا أو هناك؟

السؤال الأكبر هو:

كيف ستحافظ الرياض على موقعها في المنطقة بعدما أعادت الحرب تعريف معنى الحماية والتحالف والنفوذ؟

فبعد حرب إيران، لم تعد المظلة الأميركية مجرد مسألة سلاح، ولم يعد اليمن مجرد جبهة، ولم تعد السعودية مجرد دولة خليجية.

لقد أصبحت هذه الملفات جميعاً جزءاً من معركة أوسع على شكل النظام الإقليمي، وعلى حدود النفوذ، وعلى من يمتلك القدرة على رسم ترتيبات منطقة غرب آسيا في المرحلة المقبلة.

المصدر / تسنيم للانباء

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً