الخميس 24 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي/ المغرب
في السياسة، لا يبدأ الاستبداد دائما من لحظة الاعتقال، ولا يظهر دائما في صورة شرطي يقف عند الباب أو قانون يمنع الكلام. فثمة استبداد أكثر هدوءا وأعمق أثرا، لا يكتفي بضبط حركة الإنسان من الخارج، بل يسعى إلى إعادة تشكيل علاقته بنفسه، حتى يتعلم أن يراقب كلماته قبل أن يراقبه أحد، وأن يحسب خطواته قبل أن يطلب منه أحد التراجع، وأن يرى في الصمت حماية وفي الابتعاد عن الشأن العام نوعا من الحكمة. لهذا لا يحكم الاستبداد بالهراوة وحدها، لأنها على فجاجتها، أداة مكشوفة، تترك ندوبا مرئية، وتنتج غضبا يمكن قياسه وذاكرة يصعب محوها. أما الاستبداد الذي يطيل عمره ويتعلم من أخطائه، فإنه يبحث عن أدوات أكثر خفاء وأعمق أثرا، حيث لا يقمع الجسد فحسب، بل يعيد تشكيل الداخل البشري ذاته، حتى يصبح المحكوم حارسا لقضبان سجنه، ومورثا خوفه لأبنائه، ومقنعا نفسه، في نهاية المطاف، بأن ما يقبله اختيار لا اضطرار، وهنا تبدأ سياسة الخوف.
سياسة الخوف ليست مجرد استعمال عابر للتهديد أو القمع، ولا هي الخوف الناتج عن حادثة محددة، كاعتقال أو سجن أو فقدان وظيفة. إنها في صورتها الأعمق، بنية نفسية وثقافية واجتماعية تتغلغل في اللغة والتربية والعلاقات الإنسانية، وفي الطريقة التي يتعلم بها الفرد أن يرى نفسه والعالم من حوله. إنها الحدود الصامتة التي يضعها الإنسان لنفسه قبل أن يضعها له أحد. وبالتالي فإن أزمة المشاركة السياسية لا تبدأ عند صندوق الاقتراع، ولا تنتهي عند غياب قانون يضمن المشاركة. إنها أقدم من ذلك وأعمق، وتتصل بالإنسان الذي يدخل إلى المجال العام وهو يحمل في داخله تاريخا طويلا من الحذر والصمت، وشك في الذات، وعدم الثقة بالآخر، بالإضافة إلى الاعتقاد بأن السياسة شأن خطير ينبغي الابتعاد عنه.
فإذا كان الصندوق وهما في بعض هذه السياقات، فإن الخوف هو الحقيقة التي يبنى عليها هذا الوهم.
ثمة فرق جوهري بين الخوف بوصفه رد فعل غريزي على خطر حاضر، والخوف بوصفه بنية ثقافية راسخة تورث كما تورث اللغة والعادات.
الخوف الحادث بسيط في منطقه، وإن كان قاسيا في أثره: أنت تخاف لأن ثمة خطرا حاضرا أمامك. السجن، الاعتقال، فقدان العمل، الأذى الجسدي، هدم البيت، أو التهديد المباشر. إنه خوف له سبب واضح، وموضوع محدد، وحدود يمكن التعرف إليها. ورغم قسوته، يبقى خوفا شريفا بمعنى ما، لأنه يعرف نفسه ويعرف مصدره. لكن ما تفعله أنظمة الاستبداد حين تستقر طويلا شيء آخر تماما. إنها تنقل الخوف من حادث إلى مناخ، ومن فعل إلى حالة، ومن تهديد ظاهر إلى حضور دائم. تشيعه حتى يتشربه الهواء، وتديمه حتى يصبح جزءا من اللاوعي الجماعي. وحين يبلغ الخوف هذه الدرجة، لا يعود الناس خائفين بالمعنى المباشر للكلمة، بل يصبحون محتاطين، متحفظين، (عقلاء) و(واقعيين)، يعرفون حدودهم قبل أن يطلب منهم أحد معرفتها.
وهنا تحدث النقلة الأخطر، حيث يتغير معنى الخوف نفسه
فالمواطن لا يقول بالضرورة: أخاف أن أعاقب. بل يقول: لن يجدي ذلك نفعا، أو السياسة متسخة، أو الأمور أعقد مما تبدو، أو أنا لا أفهم في السياسة، أو الأفضل أن أبتعد. تبدو هذه الجمل في ظاهرها محايدة، بل قد تبدو عقلانية تماما، لكنها قد تكون الصورة النهائية لخوف استبطن إلى درجة لم يعد معها محتاجا إلى إعلان نفسه. إنها لغة الإحجام من دون الاعتراف بالخوف.
هنا تكمن قوة سياسة الخوف: أن تجعل الإنسان يتوقف عن التفكير في نفسه بوصفه خائفا، وأن تجعله يفسر تراجعه عن المشاركة بوصفه حكمة، وانسحابه بوصفه نضجا، وصمته بوصفه وعيا بالأولويات.
لا تبدأ سياسة الخوف بالقمع المباشر وحده، بل بتمهيد نفسي طويل يسبقه ويجعله أقل ضرورة. فالأنظمة التي تدرك أن القوة العارية مكلفة، وأن استعمال الهراوة في كل لحظة يستهلك السلطة ويكشفها، تبحث عن طريقة تجعل المجتمع يراقب نفسه بنفسه. والأجدى والأعمق أن تجعل المحكوم حارسا على نفسه، وشريكا في صناعة أغلاله، بل أحيانا مدافعًا عنها. فتزرع في الوعي الجمعي قناعتين متلازمتين: أن التغيير مستحيل، وأن البديل أفظع. ويستحضر شبح الفوضى كلما طُرح سؤال الإصلاح، ويصور أي حراك نحو الحرية بوصفه مقدمة للانهيار. يصبح الاستبداد، في هذه المعادلة، ليس نظاما سياسيا فحسب، بل آخر حاجز يحول دون الكارثة، وهكذا يتحول الخوف من رد فعل على خطر حقيقي إلى توقع دائم لكارثة محتملة، ومن انفعال لحظي إلى حالة وجودية ملازمة.
هذه الهندسة لا تنفذ بقرار واحد. بل تتكون من سياسات صغيرة متراكمة: إعلام يكرر رسائل الخوف، وتعليم يكافئ الطاعة أكثر مما يكافئ السؤال، وخطاب سياسي يستحضر الفتن كلما ظهرت مطالبة بالتغيير، وقوانين استثنائية توسع مجال الممنوع، ومجال عام يتعلم الناس فيه تدريجيا أن بعض الموضوعات لا تناقش إلا همسا.
ومع الوقت، لا يعود الخوف استثناء في حياة المجتمع، بل يصبح هو الحالة الطبيعية، وتصبح الشجاعة خروجا عن المألوف.
أخطر ما في سياسة الخوف أنها لا تموت بالضرورة بموت الطاغية، ولا بزوال النظام الذي صنعها. فقد تتحول إلى إرث اجتماعي، تنتقل من جيل إلى آخر، حتى بعد اختفاء مصدرها الأول. تنتقل في نصائح الأمهات، وفي تحذيرات الآباء، وفي صمت المعلمين، وفيما لا تقوله الصحافة، وفي القصص التي تروى للأطفال عن المشاكل التي جلبها أولئك الذين تكلموا أكثر مما ينبغي، فيتعلم الطفل أن ثمة كلمات لا تقال، وأسئلة لا تطرح، وحقائق لا تذكر. يتعلم أن الصمت فضيلة، وأن الغياب أمان، وأن الظهور قد يكون خطرا.
في البيت، تقال الجمل الصغيرة التي تبدو بريئة: لا تتكلم كثيرا، لا تلفت الانتباه، دعك من السياسة، الناس ليست كما تبدو. وفي المدرسة قد يتعلم الطفل، بصورة غير معلنة، أن الإجابة الصحيحة ليست بالضرورة تلك التي يقنع بها العقل، وإنما تلك التي ترضي السلطة التي تملك حق التصحيح. وفي مجال العمل يدرك الموظف أن الكفاءة ليست دائما الطريق الوحيد إلى التقدم، وأن معرفة متى تتكلم ومتى تصمت قد تكون أكثر أهمية من امتلاك الرأي نفسه.
وهكذا لا تنتج سياسة الخوف مواطنين خائفين فقط، بل تنتج شيئا أكثر تعقيدا: مواطنين يرون الخوف فضيلة، والشجاعة تهورا، والصمت حكمة. وهذا هو نجاح سياسة الخوف في صورتها الأكثر اكتمالا، أن تجعل الضحية تدافع عن سجانها، وأن تجعل المقيد يبرر قيوده.
الأخطر أن الخوف لا يكتفي بتقييد السلوك، إنه يعيد تشكيل الهوية. فالإنسان الذي يكبح رأيه سنوات طويلة لا يبقى مجرد إنسان خائف. قد يصبح إنسانا يعتقد، بصدق، أن رأيه لا يستحق الإعلان. والصمت المفروض يتحول إلى صمت مختار، ثم إلى صمت مريح، ثم إلى فضيلة تفسر باعتبارها اتزانا وحكمة وبعد نظر. وهنا تظهر المسافة المرعبة بين الخوف الأصلي والاستبطان النهائي.
ففي البداية كان هناك من يخيفك. ثم أصبحت تخاف وحدك. ثم صرت تراقب نفسك. وبعد ذلك لم تعد تحتاج إلى من يراقبك لأنك حملت الرقيب داخلك.
في هذا المعنى يمكن استحضار ما يسميه نيتشه عبودية الإرادة، لا بمعنى القيود الخارجية وحدها، بل بمعنى أعمق: أن يفقد الإنسان القدرة على تخيل إرادة أخرى ممكنة. فالعبد الحقيقي ليس بالضرورة من يلبس أصفادا مرئية، قد يكون هو من أقنع نفسه بأن الأصفاد راحة.
لسياسة الخوف لغة خاصة. إنها لا تحتاج دائما إلى أوامر صريحة، يكفي أحيانا أن يفهم الناس الإشارة.
في المجتمع الذي استقر فيه الخوف طويلا، لا يحتاج النظام إلى أن يقول (لا) كل مرة. يكفي أن تصل الرسالة في صورة تلميح، أو أن يفهم الناس ما ينبغي ألا يفعلوه من نبرة واحدة. وهنا تتغير الكلمات نفسها. قد يصبح الاستقرار اسما آخر للجمود، والحكمة اسما للصمت، والواقعية مرادفا للقبول بالواقع كما هو مهما كان ظالما. أما من يحاول كسر هذه الشيفرة، وإطلاق الأسماء الحقيقية على الأشياء، فقد يجد نفسه متهما بالسذاجة أو التخريب أو عدم فهم تعقيدات الواقع. وهكذا لا يعود القمع في حاجة إلى إسكات الكلام كله، بل يكفي أن يجعل الكلام يقول شيئا غير ما يعنيه.
يتكلم الناس، لكنهم لا يقولون ما يقصدون. يكتبون، لكنهم لا يوقعون دائما بأسمائهم الحقيقية. يناقشون، لكن في غرف مغلقة وبأصوات خافتة وعبارات مبطنة. يصبح الصمت أمانا، والكلام الحر مخاطرة. حتى يصبح الخوف لغة ثانية، يتقنها الصغير قبل الكبير.
سياسة الخوف لا تستهدف علاقة الفرد بالسلطة فقط، بل تعمل أيضا على تفكيك علاقته بالآخرين. فالمجتمع الخائف لا يكون بالضرورة مجتمعا متضامنا. قد يحدث العكس تماما. حين تصبح الثقة مخاطرة، يصبح الآخر احتمالا للتهديد. الصديق قد يكون ناقلا للكلام، والزميل شاهدا محتملا، والجار مصدرا للريبة، لتتحول الجماعة إلى أفراد منفصلين، يعيش كل واحد منهم في جزيرته النفسية، ويتجنب الاقتراب من الآخرين خشية أن يدفع ثمنا لا يعرف مصدره.
ومن مفارقات الخوف أنه قد يستخدم في الوقت نفسه لصناعة وحدة قسرية. يقال للناس إنهم جميعا مهددون، فيلتفون حول السلطة باعتبارها الحصن الأخير. لكن هذه الوحدة لا تقوم على الثقة، بل على الخوف من المصير نفسه. هي وحدة هشة، لأن المجتمع الذي يلتف حول الخوف لا يتعلم بالضرورة كيف يتضامن حول الحرية. ومن هنا يصبح تفكيك الثقة بين الناس جزءا من البنية العميقة للخوف: كلما قلت ثقة الفرد بالآخر، صار الفعل الجماعي أصعب. وكلما صار الفعل الجماعي أصعب، بدا التغيير مستحيلا. وكلما بدا التغيير مستحيلا، ازداد الاعتماد على النظام القائم.
إنها دائرة مغلقة، يحرس كل ضلع فيها الضلع الآخر، ليبلغ الخوف أكثر أشكاله رسوخا، حين لا يعود بحاجة إلى أن يفرض كل يوم، لأنه صار جزءا من الطريقة التي يفكر بها الناس، ومن الطريقة التي يتحدثون بها، ومن الحدود التي يرسمونها لأنفسهم وللآخرين. عندها لا يكون الرقيب مجرد شخص يقف خلف الباب، بل صوتا يسكن الداخل.
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل