أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / في نقد المشاركة السياسية في الوطن العربي المقال الثالث: سياسة الخوف، من الخوف من الكلام إلى الخوف من الصمت

في نقد المشاركة السياسية في الوطن العربي المقال الثالث: سياسة الخوف، من الخوف من الكلام إلى الخوف من الصمت

الجمعة 25 . 09 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي / المغرب

إذا كان الجزء الأول قد حاول تتبع الطريق الذي ينتقل فيه الخوف من الخارج إلى الداخل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: ماذا يحدث للإنسان والمجتمع حين يصبح هذا الخوف جزءا من بنيتهما الداخلية؟ فالمشكلة لا تتوقف عند أن يخاف الفرد من السلطة، بل تمتد إلى قدرته على الثقة بالآخر، وعلى تخيل التغيير، وعلى الدخول في المجال العام بوصفه مواطنا لا متفرجا. ولذلك فإن أزمة المشاركة السياسية لا يمكن فهمها بمجرد النظر إلى صناديق الاقتراع أو القوانين أو نسب المشاركة. فقبل أن يسألنا أحد: لماذا لا تشاركون؟ ينبغي أن نسأل: ما الذي جعل المشاركة تبدو في وعي الناس فعلا عالي الكلفة؟ وما التاريخ الذي جعل الصمت أكثر أمانا من الكلام، والابتعاد عن السياسة أكثر عقلانية من الانخراط فيها؟

يزداد المشهد تعقيدا حين يتقاطع الخوف الداخلي مع الشعور بالتبعية الخارجية. فالمواطن لا يعيش دائما خوفه من نظامه وحده، بل قد يشعر أن العالم نفسه جزء من المعادلة. يرى حكاما يستقبلون في المحافل الدولية، ويسمع خطابات عن الإصلاح والديمقراطية، ثم يقارن ذلك بما يعيشه في حياته اليومية. وعندما تتسع الفجوة بين الخطاب الخارجي والواقع الداخلي، لا يفقد ثقته بنظامه فقط، بل يفقد ثقته بفكرة العدالة الدولية ذاتها، ليتضاعف الشعور بالعجز: لا النظام يبدو قابلا للتغيير، ولا العالم يبدو مستعدا لرؤية ما يحدث.

هذه الحالة تنتج شعورا بالعجز الوجودي، إحساسا بأن الإنسان محاصر من كل الجهات، وأن لا مخرج متاحا، وأن كل محاولة للفعل قد تكون أكثر كلفة من الاستسلام. وعند هذه النقطة تبلغ سياسة الخوف غايتها الأعمق: لا أن تمنع الفعل فقط، بل أن تقتل الرغبة في الفعل أصلا.

لكن ثمة مفارقة أساسية في علاقة الإنسان بالخوف، فليس كل خوف واحدا.

هناك خوف يشل، وهو الخوف المستبطن الذي يجعل الإنسان يراقب نفسه، ويبرر عجزه، ويحرس قضبان سجنه بيديه. وهناك خوف آخر يمكن أن يوقظ، حين يدرك الإنسان أن ما يتهدده ليس فقط عقوبة الحاضر، بل مستقبلا قد يفقد فيه أبناؤه شيئا من كرامتهم وحريتهم وقدرتهم على اختيار مصيرهم.

الفيلسوف هانس يوناس، في كتابه مبدأ المسؤولية، بنى جانبا من تفكيره الأخلاقي على ضرورة استحضار الخطر الممكن في المستقبل. فالخوف من المستقبل السيئ المحتمل يمكن أن يتحول إلى دافع للمسؤولية، لا إلى مبرر للشلل. فلا تكون المسألة في اجتثاث الخوف. ذلك حلم لا يتحقق، فالإنسان كائن يعرف الخطر ويحسب العواقب. المسألة هي تحويل الخوف، من خوف يجعلك تحرس قضبانك، إلى خوف يجعلك تحرس أبناءك من مستقبل قد تكون قضبانه أثقل.

الشعوب التي فعلت أشياء كبيرة في تاريخها لم تكن شعوبا بلا خوف. كانت تعرف الخوف، لكنها استطاعت في لحظات معينة أن تسأل سؤالا أكثر عمقا: ماذا نخسر إذا بقينا صامتين؟ وهذا السؤال يقلب ميزان الخوف كله.

من هنا يمكن الاقتراب مرة أخرى من أزمة المشاركة السياسية. فالمواطن الذي لا يشارك سياسيا ليس بالضرورة غير مهتم، ولا بالضرورة جاهلا، ولا بالضرورة مقتنعا بأن السياسة لا تعنيه. قد يكون ببساطة نتاج تاريخ طويل تعلم فيه أن السياسة منطقة عالية المخاطر، وأن الاقتراب منها لا يغير شيئا، وأن الصمت أكثر أمانا، وأن المشاركة قد تكلفه أكثر مما تمنحه. وهكذا تتحول المشاركة السياسية من حق طبيعي إلى فعل يحتاج إلى شجاعة.

هذه نقطة لا ينبغي تجاوزها: حين تصبح المشاركة نفسها فعلا شجاعا، فإن المشكلة لم تعد في المواطن وحده، بل في البيئة السياسية والثقافية التي جعلت ممارسة حق طبيعي تبدو مغامرة.

لهذا فإن اختزال ضعف المشاركة في عبارة «الشعوب لا تهتم بالسياسة» يحجب السؤال الأعمق: كيف صنعت هذه اللامبالاة؟

اللامبالاة السياسية قد لا تكون غيابا للاهتمام، بل قد تكون أحيانا الشكل الذي يتخذه الخوف حين يصبح مزمنا. ومع ذلك، فإن بنية الخوف، مهما بدت صلبة، ليست قدرا أبديا. إنها تبنى، وما يبنى يمكن أن يتغير، وكسرها لا يبدأ بالضرورة بخطاب حماسي في ساحة عامة، ولا بشعار كبير، ولا بوهم أن الخوف يمكن إلغاؤه بقرار. قد يبدأ من قرار صغير، هادئ، شخصي: أن يتوقف الإنسان عن الكذب على نفسه بشأن ما يخافه، أن يسمي الخوف باسمه، أن يدرك أن ما كان يسميه واقعية قد يكون في بعض الأحيان استسلاما، وأن ما كان يسميه حكمة قد يكون صمتا تعلمه طويلا، وأن ما اعتبره استقرارا قد يكون مجرد خوف من المجهول. ثم يبدأ التحول حين تتراكم تجارب المهانة إلى حد يتجاوز ما يستطيع الإنسان إقناع نفسه بتقبله. وحين تنكسر المعادلة القديمة التي ظل يصدقها عمرا: أن السكوت ثمن مقبول للبقاء.

في لحظة ما، قد يكتشف الإنسان أن ما ظنه عقلانية كان في الحقيقة خسارة متراكمة، هذه اللحظة لا تستدعى، ولا تجدول، ولا يمكن التنبؤ بها بسهولة. إنها تأتي أحيانا كوميض في ليل طويل. وعندما يتكرر القرار الفردي، حين ينتقل من إنسان إلى آخر، يتحول من تجربة شخصية إلى ظاهرة اجتماعية، عندها يبدأ الخوف نفسه في تغيير اتجاهه.

بدل أن يخاف الناس من بعضهم، يبدأون في اكتشاف أن مصدر خوفهم مشترك. وبدل أن ينظر كل فرد إلى الآخر بوصفه خطرا محتملا، قد يراه شريكًا في المصير.

هنا يمكن أن تتحول الذرات المتنافرة إلى مجتمع، والأنظمة التي تعتمد على الخوف تعرف، قبل غيرها، خطورة اللحظة التي يبدأ فيها الخوف بالتآكل. لذلك تحاول باستمرار تأجيلها: بتجديد مصادر التهديد، واستحضار أخطار خارجية، وتضخيم أخطار الفوضى، وربط أي تغيير محتمل بالانهيار. ورغم ذلك فإن الخوف المتراكم لا يختفي: إنه يتحول.

قد يتحول من خوف من السلطة إلى خوف على المستقبل، ومن خوف على الوظيفة إلى خوف على كرامة الأبناء، ومن خوف من الكلام إلى خوف من الصمت، ومن الخوف من التغيير إلى الخوف من أن يبقى كل شيء كما هو. وهنا يحدث الانقلاب الحقيقي، حين يصبح السؤال: ماذا سيحدث إذا بقيت صامتا؟ عندها لا يعود الصمت محايدا، ولا يعود الخوف مجرد شعور فردي، ويصبح المجتمع أمام لحظة أخلاقية وسياسية جديدة: أن يقرر أفراده ما إذا كان الأمان الذي يطلب منهم الدفاع عنه يستحق فعلا ثمنه، وما إذا كان البقاء وحده يكفي ليكون حياة.

فالأمان بلا كرامة يظل أمانا ناقصا، والاستقرار الذي يقوم على الخوف ليس استقرارا بقدر ما هو تأجيل مستمر للسؤال.

في النهاية، ليست المشكلة أن الإنسان يخاف، فالخوف جزء من الطبيعة البشرية. المشكلة حين يعاد تنظيم العالم كله بحيث يصبح الخوف هو الوسيلة التي يفهم بها الإنسان نفسه، والآخر، والمستقبل. حينها لا يحتاج السجن إلى جدران عالية، يكفي أن يسكن في الرأس. ولا يحتاج الحارس إلى الوقوف خلف الباب، يكفي أن يكون قد أصبح جزءا من صوتك الداخلي.

التاريخ، في المقابل، يترك لنا حقيقة أخرى: أن الإنسان قادر، في لحظة ما، على أن يسمع صوتا أعمق من صوت الخوف، ليسأله عما خسره وهو ينجو، وعما ورثه لأبنائه وهو يظن أنه يحميهم، وعما إذا كانت الحياة التي لا يجرؤ فيها على استعمال صوته تستحق فعلا أن تسمى حياة.

وعندما يصل السؤال إلى هذا المستوى، يصبح الصندوق أكثر من صندوق، والصوت أكثر من صوت، والمشاركة أكثر من إجراء سياسي، تصبح استعادة للإنسان من الخوف.

*كاتب من كتاب جريدة  السيمر الاخبارية

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً