الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

السبت 10 . 10 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

بين ارتفاع الدولار وذاكرة الحصار.. العائلة العراقية تعرف كيف تتدبّر أمرها!

كلما ارتفع سعر صرف الدولار، ارتفعت معه أصوات القلق والتذمر، وبدأت التوقعات تتجه نحو الأسوأ، وكأن المجتمع العراقي يقف على أعتاب أزمة لم يعرف لها مثيلاً من قبل. لكن، لو عدنا قليلاً إلى الوراء، وتحديداً إلى سنوات الحصار الاقتصادي، لوجدنا أن العراقيين عاشوا ظروفاً أشد قسوة، وواجهوا شحّاً في أبسط متطلبات الحياة، ومع ذلك استطاعوا العبور، لا بسلامٍ خالٍ من المعاناة، بل بصبرٍ ومرونةٍ وابتكارات يومية صنعتها الحاجة وفرضتها الظروف.
لا أحد ينكر أن ارتفاع سعر صرف الدولار يترك آثاراً مباشرة على حياة الأسرة العراقية، خصوصاً عندما تنعكس تقلباته على أسعار المواد الغذائية والملابس والأدوية ومستلزمات الحياة اليومية. فالدخل المحدود لا يتسع بسهولة لارتفاع النفقات، والراتب الذي كان يكفي لتدبير شؤون البيت قد يصبح عاجزاً عن تغطية الحاجات ذاتها. وهنا تبدأ المعادلة الصعبة: كيف يمكن للأسرة أن تحافظ على مستوى معيشي مقبول في ظل تراجع القدرة الشرائية وتزايد الأعباء؟
لكن، هل يعني ذلك أن نستسلم للقلق، ونحوّل كل ارتفاع في الأسعار إلى حالة من الاستنفار الاجتماعي؟ أم أن في ذاكرتنا العراقية ما يستحق أن نستحضره اليوم، لا لنهوّن من الأزمة، بل لنستفيد من تجاربنا السابقة في مواجهتها؟
في سنوات الحصار، لم تكن الحياة سهلة، ولم يكن الفقر حكاية تُروى من باب الحنين إلى الماضي. كان حرماناً حقيقياً، واحتياجاً يومياً، وقلقاً يرافق العائلات في تفاصيلها الصغيرة. ومع ذلك، تعلّمت الأسرة العراقية كيف تدير القليل، وكيف تعيد ترتيب أولوياتها، وكيف تمنح الأشياء عمراً أطول مما اعتدنا عليه، وكيف تبحث عن البدائل حين تغيب الخيارات المعتادة.
كانت ربة البيت تعرف كيف تحوّل ما يتبقى من الطعام إلى وجبة أخرى، وكيف تستبدل بالمادة المرتفعة الثمن ما هو أقل كلفة، وكيف تؤجل شراء ما يمكن الاستغناء عنه، فيما تعلّم أفراد الأسرة أن الضروريات تتقدم على الكماليات، وأن التدبير ليس بخلاً، بل مهارة تفرضها الظروف. لم تكن تلك الحلول ترفاً أو وصفة مثالية للحياة، وإنما كانت وسائل للبقاء والاستمرار حين تضيق الإمكانات.
ولعلنا اليوم بحاجة إلى استعادة شيء من تلك الروح، ولكن بوعي يتناسب مع متطلبات العصر. فارتفاع الدولار يمكن أن يكون مناسبة لإعادة النظر في أنماط استهلاكنا، ومراجعة كثير من العادات الشرائية التي تحوّلت، بمرور الوقت، إلى احتياجات نعتقد أننا لا نستطيع الاستغناء عنها، فيما هي في حقيقتها كماليات يمكن تأجيلها أو استبدالها.
بإمكان الأسرة أن تبدأ من تفاصيلها اليومية: إعداد ميزانية واضحة، وتحديد الأولويات، والشراء وفق الحاجة لا وفق الرغبة، ومقارنة الأسعار، والابتعاد عن الهدر، والبحث عن البدائل المحلية الجيدة متى كانت مناسبة من حيث الجودة والسعر. كما يمكن أن تتحول بعض الممارسات البسيطة، مثل التخطيط المسبق للمشتريات وترشيد استهلاك الكهرباء والماء، إلى وسائل تساعد على تخفيف الأعباء المتراكمة.
لكن، وحتى لا نحمّل المواطن أكثر مما يحتمل، علينا أن نميّز بين مسؤولية الأسرة في إدارة نفقاتها، ومسؤولية الجهات المعنية في معالجة الازمات الاقتصادية والحد من آثار تقلبات الأسعار. فليس من الإنصاف أن نطلب من عائلة أنهكها الغلاء أن تعالج وحدها أزمة تتجاوز قدرتها، أو أن نختزل المشكلات الاقتصادية في نصائح عن التوفير وترشيد الاستهلاك.
إن مواجهة الأزمات تحتاج إلى مسارين متوازيين؛ أولهما يبدأ من داخل الأسرة، عبر التدبير وحسن إدارة الموارد والابتعاد عن الإنفاق غير الضروري، وثانيهما يقع على عاتق المؤسسات المعنية، من خلال مراقبة الأسواق، والحد من استغلال حاجة المواطنين، وتعزيز الرقابة على الأسعار، ودعم الإنتاج المحلي، وحماية أصحاب الدخول المحدودة، والعمل على بناء اقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
كما أن تعليق جميع مشكلاتنا الاقتصادية على ارتفاع الدولار لا يقدم حلاً بحد ذاته؛ فالأزمات الاقتصادية غالباً ما تكون أكثر تعقيداً من سبب واحد، وتحتاج إلى تشخيص دقيق وسياسات مدروسة، لا إلى تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بالشكوى.
لسنا هنا بصدد التقليل من معاناة المواطن، ولا الدعوة إلى تقبّل الغلاء وكأنه أمر طبيعي لا يستحق الاعتراض، بل إن الاعتراض حق، والمطالبة بالمعالجات واجب. لكن بين المطالبة بالحلول والاستسلام للقلق مساحة واسعة يمكن أن نملأها بالوعي والمبادرة والتفكير العملي.
لقد أثبتت التجربة أن العائلة العراقية تمتلك قدرة استثنائية على التكيّف، وأنها حين تضيق بها السبل، تبحث عن منفذ، وحين ترتفع كلفة الحياة، تحاول إعادة ترتيبها بما يتناسب مع إمكاناتها. وهذه القدرة لا ينبغي أن تكون ذريعة لترك المواطن يواجه أزماته وحده، بل نقطة قوة يمكن البناء عليها بالتوازي مع الإصلاح الاقتصادي الحقيقي.
فالأزمة لا تُواجه بالندب وحده، ولا تُحلّ بتبادل اللوم، وإنما بفهم أسبابها، وتحديد ما يمكن فعله، والبدء بما هو متاح، مع الإصرار على مطالبة أصحاب القرار بتحمّل مسؤولياتهم.
وفي الختام وقبل السلام نقول بين ذاكرة الحصار وواقع ارتفاع الدولار، تبقى العبرة الأهم أن العراقي تعلّم كيف يصنع من القليل ما يكفيه، لكن من حقه أيضاً أن يعيش حياة كريمة لا يضطر فيها إلى تحويل كل يوم إلى معركة حسابات، ولا كل حاجة إلى مشروع تقشّف. فالتدبير مهارة، والصبر قوة، أما الاستقرار الاقتصادي فليس مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية دولة ومؤسسات ينبغي أن تجعل كرامة المواطن وقدرته على العيش في مقدمة أولوياتها.

*سكرتير التحرير 
بغداد. 2026/10/10
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً