السبت 10 . 10 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
اسرائيل لا تبني حزاماً أمنياً على حدود الجولان… بل تعيد رسم جنوب سوريا. من جبل الشيخ إلى حوض اليرموك، مشروع «سوفا 53» يحوّل الجغرافيا إلى أداة سياسية، والخنادق إلى حدود جديدة تُفرض بالقوة.
امل شبيب
في تحليل جديد لوكالة تسنيم حول انتهاكات النظام الاسرائيلي، يبرز سؤال مركزي: ماذا يبني في الجنوب السوري؟ قد يصف هذا السؤال المشهد فقط، لكن السؤال الأخطر هو: لماذا يبني؟ ولماذا بهذا الامتداد؟ ولماذا من جبل الشيخ إلى حوض اليرموك؟
لأنك عندما تجمع الطريق العسكري والخنادق والسواتر ونقاط المراقبة والمواقع العسكرية، وتضعها على امتداد نحو 70 كيلومتراً، فأنت لا تتحدث عن إجراء حدودي مؤقت، بل عن بنية جغرافية جديدة.
بحسب المعطيات الميدانية، وصل إنجاز مشروع «سوفا 53» إلى نحو 80%، ويمتد من محيط جبل الشيخ وعين التينة، مروراً بريف القنيطرة وجباثا الخشب وتل عكاشة وبريقة وصيدا الجولان، وصولاً إلى محيط حرش كودنا، مع امتداد متوقع باتجاه الرفيد وحوض اليرموك.
وهنا يبدأ التحليل العكسي. إذا كان الهدف مجرد حماية الحدود، فلماذا لا يكتفي الكيان الإسرائيلي بخط دفاعي على الحدود؟ لماذا طريق عسكري وخنادق وسواتر ونقاط مراقبة ومواقع انتشار مترابطة؟
لأن المسألة لا تتعلق فقط بحماية الجولان، بل بإعادة تشكيل طريقة الحركة والسيطرة داخل المنطقة نفسها. فالطريق يسمح بتحريك القوات والآليات، والخنادق تعرقل الحركة، والسواتر توجهها إلى مسارات محددة، والمرتفعات تمنح المراقبة. أي أن هذه المنشآت لا تعمل منفردة، بل كمنظومة واحدة تربط نقاط السيطرة بمحاور الحركة.
وفي الشمال، هناك جبل الشيخ ومرتفعاته. وفي الوسط، تلال ومواقع تمنح إشرافاً على طرق ومساحات مفتوحة. وفي الجنوب، يقترب المسار من حوض اليرموك والمثلث السوري–الأردني–الفلسطيني. أي أن الجغرافيا نفسها تكشف شيئاً أساسياً: المشروع لا يركز على حماية نقطة حدودية واحدة، بل على ربط النقاط المرتفعة بمحاور الحركة ضمن مساحة أوسع.
ثم هناك الرقم الذي لا يمكن تجاهله: نحو 11 موقعاً عسكرياً ضمن الانتشار الجديد، وأعمال هندسية تدخل في بعض المناطق مئات الأمتار داخل الأراضي السورية، وتصل في مواقع أخرى إلى نحو كيلومتر.
إذاً، نحن أمام معادلة تتجاوز مفهوم «الأمن» بالمعنى الضيق. فالكيان الإسرائيلي لا يبني هذه المنظومة رداً على حدث محدد، بل انطلاقاً من عقيدة تقوم على استباق التحولات المستقبلية وتهيئة أدوات السيطرة والتدخل قبل أن تفرض المنطقة واقعاً جديداً خارج حساباته.
وهنا تكمن المفارقة: بينما يتحدث عن منع ما قد يحدث مستقبلاً، فهو يصنع على الأرض واقعاً جديداً في الحاضر.
وهذا الواقع لا يتوقف عند المواقع العسكرية. فهناك آلاف الدونمات التي بات أصحابها غير قادرين على الوصول إليها، ونحو سبعة آلاف دونم متضررة في جباثا الخشب، إضافة إلى مساحات في الحميدية والحرية ومحيطهما، بينما تتحدث تقديرات أوسع عن تأثر عشرات آلاف الهكتارات بالمشروع والانتشار العسكري المستحدث.
أي أن الخندق لا يقسم الأرض فقط. الخندق يعيد تعريف من يستطيع الوصول إلى الأرض، ومن يستطيع الزراعة والرعي، وأي الطرق تبقى مفتوحة وأيها تُغلق. وهنا يتحول المشروع العسكري إلى تغيير اقتصادي واجتماعي أيضاً.
لكن الأخطر يتعلق بما يمكن أن تتركه هذه البنية لاحقاً. فاتفاق فض الاشتباك لعام 1974 رسم لسنوات طويلة قواعد الانتشار في هذه المنطقة. أما اليوم، فهناك مواقع عسكرية وطرق وخنادق وسواتر داخل الأراضي السورية.
إذن، السؤال لم يعد فقط: أين وصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم؟ بل: أي واقع يحاول تثبيته على الأرض للمستقبل؟
لأن البنية العسكرية حين تُنشأ على الأرض لا تبقى مجرد منشأة. يمكن أن تتحول إلى ورقة سياسية، وأن يصبح ما بدأ باعتباره إجراءً مؤقتاً جزءاً من واقع يُقال لاحقاً إنه أصبح قائماً ولا يمكن العودة عنه.
اليوم: تحصينات ومواقع أمنية، وغداً: واقع ميداني جديد تفرضه الجغرافيا التي جرى تغييرها بالقوة.
وهنا تصبح «سوفا 53» أكبر من مشروع هندسي. إنها اختبار لسؤال أخطر: هل يستطيع الكيان الإسرائيلي أن يغيّر الجغرافيا على الأرض، ثم يفرض على السياسة أن تتعامل مع هذا التغيير باعتباره أمراً واقعاً؟
لأن الحدود لا تتغير دائماً بقرار معلن. أحياناً تبدأ بخندق، وطريق عسكري، ونقطة مراقبة، وموقع يُقال إنه مؤقت، وأرض يُمنع أصحابها من الوصول إليها.
وفي النهاية، لا تبقى المسألة مجرد 70 كيلومتراً من الخنادق والسواتر. المسألة هي: من سيحدد شكل الجنوب السوري عندما تنتهي الحرب؟ ومن يملك القدرة على تغيير الجغرافيا على الأرض، قد يحاول لاحقاً أن يجعل العالم يتعامل مع هذا التغيير باعتباره الحقيقة الجديدة.
المصدر / تسنيم
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل