الأثنين 26. 10 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
من قلب “الليكود”، الحزب الذي احتضن صعود بنيامين نتنياهو وصنع له موقعه في الحياة السياسية الإسرائيلية، يأتيه الاعتراض من داخل البيت نفسه. فالرجل الذي أمضى سنوات في إحكام قبضته على الحزب يجد نفسه أمام انتقادات تطاول إرثه السياسي، وتضع استمرار قيادته موضع تساؤل.
أمل شبيب
قبل صناديق الاقتراع، لا يواجه بنيامين نتنياهو منافسة انتخابية تقليدية فحسب، بل يواجه أسئلة تتصل بحصيلة نهجه السياسي والأمني، وبقدرته على الاحتفاظ بالسلطة في ظل الانقسامات الداخلية والضغوط المتزايدة. فمن داخل حزب “الليكود”، إلى علاقته بإدارة دونالد ترامب، وصولاً إلى التحذيرات الإسرائيلية من تداعيات العمليات العسكرية، تتراكم مؤشرات تضع حكمه أمام مساءلة تتجاوز الحسابات الانتخابية.
المفارقة أن الرجل الذي طالما قدّم نفسه بوصفه الضامن الأساسي لما يسمّى «أمن» الكيان واستقراره، بات سجله نفسه موضع تساؤل، فيما تتزايد الشكوك بشأن قدرة السياسات التي انتهجها على تحقيق الأمن الذي وعد به.
فالإخفاق الأمني في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والحرب وتداعياتها، والانقسامات الداخلية، والضغوط الدولية، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في أزمة سياسية وأمنية تتجه إلى اختبار جديد أمام الناخبين.
من داخل الليكود: انتقاد يمسّ صورة الزعيم
من قلب “الليكود”، الحزب الذي احتضن صعود بنيامين نتنياهو وصنع له موقعه في الحياة السياسية الإسرائيلية، يأتيه الاعتراض من داخل البيت نفسه. فالرجل الذي أمضى سنوات في إحكام قبضته على الحزب يجد نفسه أمام انتقادات تطاول إرثه السياسي، وتضع استمرار قيادته موضع تساؤل، حتى من شخصيات تنتمي إلى التاريخ التأسيسي لليكود.
من أبرز المؤشرات على عمق الخلاف داخل المعسكر اليميني موقف “بيني بيغن”، نجل “مناحيم بيغن”، مؤسس حزب “الليكود”. فقد دعا بيغن، الذي سبق أن عمل في حكومات ترأسها نتنياهو، أنصار الحزب إلى التصويت للقوى التي يمكن أن تنهي حكمه، معتبراً أن رئيس الحكومة بات يشكّل «تهديداً لنا جميعاً»، وفق التصريحات المنقولة عنه.
تكمن أهمية هذا الموقف في أنه لا يصدر عن خصم سياسي تقليدي من خارج المعسكر الذي ينتمي إليه نتنياهو، بل عن شخصية ارتبط تاريخها بالليكود نفسه. وحين يدعو أحد أبناء مؤسس الحزب ناخبيه إلى دعم أحزاب تسعى إلى تغيير الحكومة، فإن ذلك يكشف عمق الخلاف حول قيادة نتنياهو، ويضع ادعاءه تمثيل المعسكر اليميني بأكمله موضع تساؤل.
واستعاد بيغن مرحلة سابقة عمل فيها مع نتنياهو، واصفاً إياها بأنها كانت من أفضل فترات حياته، قبل أن ينتقل إلى انتقاد ما اعتبره تدهوراً في سلوك رئيس الحكومة. كما ذكّر بمواجهته له في الكنيست قبل سنوات، في إشارة إلى أن خلافه ليس وليد الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية.
وكان بيغن قد ابتعد عن الليكود عام 2019، ثم انضم في العام التالي إلى حزب «أمل جديد» بقيادة “جدعون ساعر”، الذي ضمّ شخصيات انشقت عن الليكود على خلفية خلافاتها مع نتنياهو.
تكشف هذه المواقف أن الاعتراض على نتنياهو لم يعد محصوراً في المعارضة، وأن الصراع يتصل أيضاً بهوية الحزب ومستقبله. فحين يصبح استمرار الزعيم موضع اعتراض من شخصيات تنتمي إلى الإرث السياسي للحزب، تتحول الانتخابات إلى اختبار لقدرته على إبقاء معسكره متماسكاً، وللكلفة التي خلّفتها سنوات قيادته.
ترامب: دعم معلن وحاجة انتخابية متزايدة
في موازاة الضغوط الداخلية، تبرز العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفها إحدى ساحات المعركة السياسية لنتنياهو. فبحسب ما نقلته صحيفة «جيروزاليم بوست» وموقع «أكسيوس»، سعى نتنياهو إلى الحصول على تصريحات دعم أميركية إضافية خلال الأيام الأخيرة من حملته، وتحدث إلى ترامب مرتين خلال ثلاثة أيام، كما اقترح صيغاً محتملة لرسائل تأييد ومقابلات مع صحافيين إسرائيليين.
ونقلت مصادر أميركية مطّلعة أن هذه المساعي عكست إلحاحاً غير معتاد في طلب الدعم، فيما وصفت مصادر أخرى وضعه السياسي بأنه يثير مؤشرات إلى القلق. وتطرح هذه المعطيات سؤالاً عن سبب حاجة نتنياهو إلى تعزيز التأييد الخارجي في لحظة انتخابية يُفترض أن يكون الحكم فيها على حصيلة سنواته في السلطة.
وكان ترامب قد أعلن تأييده لنتنياهو، وربط دعمه بالشراكة بينهما وبالمواجهة مع إيران. لكن هذا الموقف لا يعني أن الإدارة الأميركية تتبنى موقفاً موحّداً من نتنياهو أو من جميع شركائه في الائتلاف. فقد أعلن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس أنه لا ينوي التدخل في الانتخابات الإسرائيلية أو تأييد مرشح بعينه، فيما أكد مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية استمرار التواصل مع أطراف إسرائيلية متعددة والاستعداد للتعامل مع الحكومة التي ستفرزها الانتخابات.
وتشير التقارير أيضاً إلى أن بعض مستشاري ترامب يرون أن تغيير تركيبة الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما إبعاد شركاء نتنياهو من اليمين المتشدد، قد يسهّل التحرك الأميركي في ملفات إقليمية، بينها غزة والعلاقات مع دول المنطقة.
وتكشف هذه المعطيات عن تباينات في الحسابات الأميركية، كما تكشف أن العلاقة الشخصية بين نتنياهو وترامب لا تضمن له تأييداً أميركياً شاملاً لكل خيارات حكومته. فالدعم المعلن من الرئيس الأميركي لا يحسم نيابة عن الناخب الإسرائيلي أسئلة المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية، ولا يضمن أغلبية برلمانية أو ائتلافاً مستقراً، ولا يمحو الخلافات المرتبطة بالسياسات التي انتهجتها الحكومة.
حين تتحول القوة إلى مصدر للتهديد
لا تقتصر الأسئلة حول النهج الإسرائيلي على الداخل أو العلاقة مع واشنطن. ففي سوريا، يبرز تحذير صادر عن معهد دراسات “الأمن القومي الإسرائيلي”، في تقرير للباحثة كارميت فالنسي، من أن “إسرائيل” قد تصنع بنفسها التهديد الذي تقول إنها تسعى إلى منعه.
وبحسب التقرير، شهدت مناطق سورية متعددة، من درعا والقنيطرة إلى دمشق وحمص وإدلب والحسكة، احتجاجات ضد النشاط العسكري الإسرائيلي. ورأى التقرير أن اتساع نطاق الاحتجاجات خارج مناطق الاحتكاك المباشر، وارتفاع حضور شعارات الوحدة الوطنية والسيادة السورية، يمثلان مؤشرين يستحقان الانتباه.
ويشير التحليل إلى أن المداهمات والاعتقالات والنشاط العسكري البري والتأثير في الحياة اليومية ومصادر الرزق، إلى جانب سقوط ضحايا، قد تعمّق الإحباط والعداء تجاه الكيان. كما تناول مقتل معاذ سلامة البعير، وهو شاب مصاب بمتلازمة داون من قرية جملة، بوصفه مثالاً على حساسية الوضع وتداعيات العمليات العسكرية على السكان.
ويحذّر التقرير من أن الاحتكاك المحلي المتواصل قد يتحول إلى بؤرة لمقاومة وطنية أوسع، وأنه قد يزيد الضغط الشعبي على السلطات السورية لاتخاذ مواقف أكثر عداءً تجاه الكيان، ويتيح لقوى أخرى استثمار الغضب المتراكم.
وتنبع أهمية هذا التحذير من صدوره عن مؤسسة بحثية إسرائيلية، لا عن جهة معارضة خارجية. فهو يضع جدوى الاعتماد المتواصل على القوة العسكرية موضع تساؤل: هل تؤدي العمليات المتكررة إلى احتواء التهديدات، أم أنها تسهم في توسيع دائرة العداء وخلق تهديدات إضافية؟
ويشير التقرير إلى أن غياب الأهداف الواضحة، وعدم منح الحوار والتفاهمات السياسية مساحة كافية، قد يفاقمان نتائج العمليات العسكرية بدلاً من احتوائها. وبذلك، لا يعود النقاش محصوراً في عملية عسكرية أو انتشار ميداني، بل يتصل بتناقض جوهري في النهج الذي تتبناه الحكومة: استخدام القوة بذريعة منع التهديد، فيما قد تسهم هذه السياسة نفسها في إنتاج أسباب جديدة للعداء.
الانتخابات: أزمة الزعيم وأزمة النهج
تضع هذه الملفات نتنياهو أمام اختبار يتجاوز عدد المقاعد التي قد يحصل عليها حزبه. ففي النظام البرلماني الإسرائيلي، لا يكفي الفوز النسبي، بل يتطلب الحكم القدرة على تشكيل ائتلاف يمتلك أغلبية ويحافظ على تماسكه. ولهذا، فإن الخلافات داخل الليكود، ومواقف شخصيات من إرثه السياسي، والتنافس بين قوى اليمين، كلها عناصر تؤثر في مستقبل قيادته.
لكن تراجع نتنياهو لا يعني بالضرورة أن السياسات تجاه الفلسطينيين أو سوريا ستتغير جذرياً. فقد تدور المنافسة داخل المعسكرات الإسرائيلية حول إدارة الصراع ووسائل استخدام القوة، لا حول مراجعة الاحتلال والاستيطان والعمليات العسكرية من أساسها.
وهنا ينبغي التمييز بين أزمة الزعيم وأزمة النهج. فقد يخسر رئيس حكومة موقعه، وقد تتبدل التحالفات، لكن ذلك لا يكفي لإثبات أن المنظومة السياسية اتجهت إلى خيار مختلف. فالمعيار ليس اسم من يتولى رئاسة الحكومة، بل القرارات التي يتخذها، والسياسات التي يواصلها، ومدى مسؤوليته عن النتائج التي خلّفتها سنوات الحكم.
أما الفلسطينيون والسوريون، فلا يعيشون هذه التطورات بوصفها مجرد حسابات انتخابية إسرائيلية. فالإغلاقات والاقتحامات والهدم والقيود على الحركة في الأراضي الفلسطينية، والعمليات العسكرية والإعتداءات في سوريا، تترك آثاراً مباشرة على حياة السكان وأمنهم ومصادر رزقهم. وهذه التداعيات لا تختفي بتبدّل الخطاب السياسي أو بتغيير الوجوه في الحكومة.
نتنياهو أمام حصيلة حكمه
في الساعات الأخيرة قبل الانتخابات، يحاول نتنياهو تثبيت صورته بوصفه القائد القادر على حماية الكيان الإسرائيلي وإدارة علاقاته الخارجية. لكن خطابه يصطدم بأسئلة يصعب تجاوزها: ماذا حققت سنوات حكمه على مستوى الأمن؟ وما الكلفة التي خلّفتها سياساته العسكرية؟ وإلى أي مدى يستطيع الائتلاف الذي يقوده الحفاظ على تماسكه؟ وهل يكفي الدعم الخارجي لتجاوز الانقسامات والاعتراضات الداخلية؟
لا تتيح التصريحات المتداولة أو التقارير الجزم بنتيجة الانتخابات، لكنها تكشف عن خلافات وضغوط وتحذيرات تضع قيادته وسياساته أمام مساءلة فعلية.
المفارقة الأعمق أن نتنياهو يواجه هذه الأسئلة بعدما جعل “الأمن” محوراً أساسياً لخطابه السياسي. فإذا كانت القوة العسكرية لا تمنع بالضرورة نشوء تهديدات جديدة، وإذا كان الدعم الخارجي لا يحسم الخلافات الداخلية، وإذا كانت شخصيات من داخل إرث الليكود نفسه تدعو إلى إنهاء حكمه، فإن الأزمة تتجاوز مستقبل رجل واحد.
إنها مساءلة لنهج سياسي جعل القوة عنواناً أساسياً للحكم، فيما تتراكم حوله أزمات أمنية وسياسية وتوترات إقليمية. وقد تحدد الانتخابات مصير نتنياهو في السلطة، لكنها لن تمحو حصيلة سياساته، ولن تعفيه من المسؤولية عن نتائجها. فالسؤال الذي يواجهه ليس فقط ما إذا كان سيبقى في الحكم، بل ما الذي خلّفته سنوات حكمه، ومن سيدفع ثمن استمرار النهج نفسه إذا بقيت أسبابه قائمة.
المصدر / تسنيم
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل