أخبار عاجلة
الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

الأحد 08. 11 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

حين يُكافَح الفساد على حساب جيب المواطن!

ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها في المشهد العراقي اليوم؛ فبينما تتصدر أخبار مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة واجهات الإعلام، وتُعرض مشاهد الدولارات والذهب المستخرج من مخابئ المتورطين بقضايا الفساد، بما يوحي بأن الدولة قد بدأت أخيراً معركة جدية لاستعادة ما سُلب من المال العام، يجد المواطن نفسه في مواجهة معركة أخرى لا تقل قسوة، عنوانها ارتفاع الأسعار والتضخم وتراجع القدرة الشرائية.
لا شك أن مشاهد الأموال والذهب المستردة تترك انطباعاً بأن هناك تحركاً حكومياً لملاحقة الفاسدين، لكنها في الوقت ذاته تفتح باباً واسعاً للتساؤل: إذا كانت الدولة قادرة على الوصول إلى هذه الثروات وملاحقة أصحابها، فلماذا يشعر المواطن بأن فاتورة الأزمة تُحمّل إليه في كل مرة؟
المفارقة أن المواطن العراقي، الذي لم يكن شريكاً في صناعة منظومة الفساد ولا في إدارة الأموال العامة، يجد نفسه اليوم مطالباً بتحمل نتائجها، من خلال إجراءات اقتصادية وقرارات تمس دخله اليومي وتزيد من أعبائه المعيشية، وكأن أسهل الطرق لمعالجة الاختلالات المالية هي البحث عن موارد إضافية من جيب المواطن، لا الذهاب إلى جذور المشكلة ومحاسبة المتسببين بها.
إن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تتحول إلى مشهد إعلامي تُعرض فيه المضبوطات وتُحصى فيه الأموال المستردة، بل يجب أن تكون مشروعاً مؤسسياً متكاملاً، يبدأ بمحاسبة المتورطين، واستعادة الأموال المنهوبة، وإغلاق منافذ الهدر المالي، ومراجعة العقود والمشاريع الوهمية، ووضع حد لشبكات المصالح التي استنزفت موارد البلاد لسنوات طويلة.
أما التضخم وارتفاع الأسعار فليسا مجرد أرقام تظهر في التقارير الاقتصادية، إنهما واقع يومي يعيشه المواطن عند شراء احتياجات أسرته، وفي حساباته الشهرية التي لم تعد تتناسب مع دخله. فالموظف الذي ينتظر راتبه، والمتقاعد الذي يعتمد على مورد محدود، والعامل الذي يعيش على أجر يومي، جميعهم يدفعون ثمن أي اضطراب اقتصادي، حتى وإن لم يكونوا طرفاً فيه.
والأكثر إيلاماً أن تتحول الإجراءات الحكومية إلى عبء إضافي على هذه الفئات، بدلاً من أن تكون مظلة لحمايتها. فالدولة ليست مجرد جهة تفرض الضرائب والرسوم وتصدر القرارات، بل هي مسؤولية اجتماعية واقتصادية، ومن واجبها أن توازن بين حاجتها إلى الإصلاح المالي وبين قدرتها على حماية الفئات الهشة من تبعاته.
لسنا ضد الإصلاح، ولا ضد استرداد المال العام، بل إن ذلك مطلب طال انتظاره، لكن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الأموال التي تظهر أمام الكاميرات، وإنما بمدى انعكاسه على حياة الناس، وبقدرة الدولة على تحويل تلك الأموال إلى خدمات وفرص عمل واستقرار اقتصادي وتحسين في مستوى المعيشة.
فليس من العدالة أن يُطلب من المواطن شد الحزام كلما ضاقت الموازنة، بينما تبقى الأسئلة الكبرى المتعلقة بمصادر الهدر والفساد وشبكات المصالح معلقة. وليس من المنطق أن يتحمل محدودو الدخل تبعات أخطاء لم يرتكبوها.
في النهاية، لا يحتاج العراقي إلى مشهد جديد لأكوام الدولارات والسبائك الذهبية بقدر حاجته إلى أن يرى أثر استعادتها في حياته؛ أن تنخفض كلفة معيشته، وأن يشعر بالأمان الاقتصادي، وأن يجد دولة تحمي دخله بدلاً من أن تبحث باستمرار عن موارد إضافية من جيبه.
في الختام وقبل السلام فان الفساد الذي أفرغ خزائن الدولة لا ينبغي أن تكون معالجته على حساب جيوب الفقراء، والإصلاح الذي لا يشعر به المواطن في حياته اليومية يظل ناقصاً مهما بدت أرقامه كبيرة أمام الكاميرات.

*سكرتير التحرير 
بغداد. 2026/11/05
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

 *****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً