الرئيسية / مقالات / يوم دحو الأرض (أو لم يسروا في الأرض فينظروا) (ح 4 )

يوم دحو الأرض (أو لم يسروا في الأرض فينظروا) (ح 4 )

الأربعاء 13 . 05 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

د. فاضل حسن شريف*
يعتبر يوم دحو الارض هو يوم افتتاح المجمع السكني اسمه الأرض لتعيش فيه الكائنات الحية ومنهم البشر. عن الطوسي جاء في مصباح المتهجد أنّه يستحب أن يدعى بهذا الدعاء في يوم دحو الارض (اَللّهُمَّ داحِيَ الْكَعْبَةِ، وَفالِقَ الْحَبَّةِ، وَصارِفَ اللَّزْبَةِ، وَكاشِفَ كُلِّ كُرْبَة أسألُك في هذا اليوم من أيامِك التي أعظَمتَ حقها وقدّمتَ سَبْقَها وجَعَلْتَها عِندَ المؤمنين وديعةً وإليكَ ذَريْعةً وبرحمتِكَ الوسيعَةِ أن تصلّي على محمد المُنتَجَب في المِيثاقِ القريبِ يَومَ التلاق فاتِقِ كُلّ رِتْقٍ وداعٍ إلى كُلّ حقّ).
عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل اسمه “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ” ﴿غافر 21﴾ هذا تحذير من اللَّه للمجرمين أن يكون مصيرهم مصير الذين من قبلهم، فقد كانوا أكثر منهم مالا وعددا، ولما نزل بهم العذاب لم يجدوا وليا ولا نصيرا. وتقدم مثله في الآية 109 من سورة يوسف “مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” (يوسف 109) و46 من سورة الحج “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج 46) و9 من سورة الروم “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (الروم 9) و44 من سورة فاطر “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا” (فاطر 44).

قال الله سبحانه وتعالى “وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا” (النازعات 30) عن الكليني في الكافي عن أبي عبد الله الصادق أنّه قال: (إن الله عز وجل دحا الأرض من تحت الكعبة إلى منى ثم دحاها من منى إلى عرفات ثم دحاها من عرفات إلى منى فالأرضُ من عرفاتٍ وعرفاتٌ من منى ومنى من الكعبة). وعن الشيخ صالح الكرباسي في صفحته الالكترونية في مركز الاشعاع الاسلامي أي بسطها و مهدها بحيث تصبح صالحة للسكن و السير، و”دحاها” أي جعلها كالدحية “البيضة ” و هو ما يوافق أحدث الآراء الفلكية عن شكل الأرض، و لفظة دحا تعني أيضا البسط، و هي اللفظة العربية الوحيدة التي تشتمل على البسط و التكوير في ذات الوقت، فتكون أولى الألفاظ على الأرض المبسوطة في الظاهر المكورة في الحقيقة. و عن ناصر مكارم الشيرازي في الامثل في تفسير كتاب الله المقصود بدحو الأرض أنّ الكرة الأرضية في بدايتها كانت مغمورة بمياه الأمطار الغزيرة التي هطلت عليها لفترة طويلة، إلّا أن تلك المياه تدريجياً استقرت في المنخفضات الأرضية، وبذلك تشكلت البحار والمحيطات، وعلت اليابسة على أطرافها وتوسعت تدريجياً، وكانت مكة أول نقطة يابسة ظهرت من تحت الماء، حسب الأحاديث الإسلامية.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل اسمه “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ” ﴿غافر 21﴾ اعتبروا بعاقبة أسلافكم الظالمين: إنّ أسلوب القرآن الكريم في كثير من الآيات أنّه بعد أن يتعرض لكليات القضايا الحساسة والمهمّة يمزجها ببعض المسائل الجزئية والمحسوسة ويأخذ بيد الانسان ليريه الحوادث الماضية والحالية. لذلك فإنّ الآيات التي بين أيدينا تتحدث عن أحوال الأمم الظالمة السابقة ومنهم فرعون والفراعنة وما حلّ بهم من جزاء أليم، وتدعوا الناس للإعتبار بمصير أولئك، بعد ما كانت الآيات السابقة قد حدّثتنا عن يوم القيامة وصفاته وطبيعة الحساب الدقيق الذي ينطوي عليه. يقول تعالى: “أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم” ﴿غافر 21﴾. إنّ الذي تحكيه الآيات وتدعونا للإعتبار به ليس تأريخاً مدوناً نستطيع أن نشكّك في طبيعة الوثائق والنصوص المكوّنة له، وإنّما هو تأريخ حي ينطق عن نفسه، وينبض بالعبرة والعظة، فهذه قصور الظالمين الخربة، وما تركوه من جنات وعيون، وهذه مدن الأشقياء التي نزل بساحتها العذاب و الإنتقام الإلهي، وها هي عظامهم النخرة التي يطويها التراب، والقصور المدفونة تحت الأرض ها هي كلّها تحكي عظة الدرس، وعظيم العبرة، خصوصاً وأنّ القرآن يزيدنا معرفةٌ بهؤلاء فيقول عنهم: “كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض”. كانوا يملكون السلطات القوية، والجيوش العظيمة، والمدنية الباهرة التي لا يمكن مقايستها بحياة مشركي مكّة. إنّ تعبير (أشد منهم قوّة) يكشف عن قوتهم السياسية والعسكرية، وعن قوته الإقتصادية والعلمية أيضاً. أمّا التعبير في قوله تعالى: (آثاراً في الأرض) فلعله إشارة إلى تقدمهم الزراعي العظيم، كما ورد في الآية (9) من سورة (الروم) في قوله تعالى: “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ” (الروم 9). وقد يكون التعبير القرآني إشارة إلى البناء المحكم العظيم للأمم السابقة، ممّا قاموا به في أعماق الجبال وبين السهول، كما يصف القرآن ذلك في حال قوم (عاد): “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ” (الشعراء 128-129). ولكن عاقبة هؤلاء القوم، بكل ما انطوت عليه حياتهم من مظاهر قوّة وحياة ونماء، هي كما يقول تعالى: “فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق” ﴿غافر 21﴾. فلم تنفعهم كثرتهم ولم تمنعهم أموالهم وقدرتهم وشوكتهم من العذاب الإلهي عندما نزل بساحتهم. لقد وردت كلمة (أخذ) مراراً في القرآن الكريم بمعنى العقاب، وهي إشارة إلى (أخذ) القوم أو الجماعة قبل أن يُنْزل بها العقاب، تماماً كما يقبض أوّلا على الشخص المجرم، ثمّ يتمّ عقابه.
*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً