الخميس 06 . 08 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
هناك دول تُقاس قوتها بحجم ما تمتلكه من الثروة، ودول تُقاس بما استطاعت أن تصنعه وهي تحت الضغط. ومن هذا المنطلق تبدو التجربة الإيرانية واحدة من أكثر التجارب إثارة للتأمل، سواء اتفق معها المرء أم اختلف.
فالمنطق التقليدي يقول إن دولة تتعرض لعقوبات اقتصادية وحصار ممتد لعقود، وتواجه عزلة تكنولوجية وضغوطًا مالية متواصلة، ستكون أكثر هشاشة أمام أي مواجهة عسكرية أو أمنية، وإن استمرار هذه الظروف لا بد أن ينعكس على قدرتها الإنتاجية والعلمية ومستوى التنمية فيها.
لكن التجربة الإيرانية قدمت صورة مختلفة. فعلى الرغم من العقوبات والعزلة، استطاعت إيران بناء قاعدة صناعية وعسكرية محلية، وتطوير منظوماتها الدفاعية، حتى أصبحت صناعاتها العسكرية حاضرة في المشهد الإقليمي والدولي، وهو ما جعل كثيرًا من مراكز الدراسات تتوقف عند تجربة الاعتماد على الذات في ظروف استثنائية.
ومن اللافت أيضًا أن أسلوب طهران في إدارة الأزمات لا يقوم دائمًا على الرد المباشر أو الفوري. ففي أكثر من مناسبة تعرضت لاستفزازات أمنية وعسكرية داخل أراضيها، إلا أن ردودها لم تكن تخضع لمنطق رد الفعل الآني، بل بدت مرتبطة بحسابات تتعلق بالزمان والمكان وطبيعة الرسالة المراد إيصالها. فليس كل حدث، في نظرها، يستوجب المواجهة المباشرة، وإنما تُدار بعض الملفات وفق رؤية استراتيجية طويلة الأمد.
وفي التجربة الإيرانية يبدو أن الاستثمار الحقيقي كان في الإنسان قبل السلاح. فالعلماء والباحثون شكلوا ركيزة أساسية في بناء القدرات العلمية والعسكرية، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير بالمؤسسات البحثية، كما يفسر أيضًا استهداف عدد من العلماء الإيرانيين عبر السنوات، في ظل إدراك الخصوم للدور الذي تؤديه الكفاءات العلمية في تعزيز القوة الوطنية.
ومن الملامح التي تستحق التوقف عندها كذلك، الاستعداد الدائم لمختلف السيناريوهات. فبناء البدائل، وإعداد الخطط الاحتياطية، والمحافظة على جاهزية المؤسسات، كلها عناصر تعكس عقلية ترى أن الأزمات ليست احتمالًا بعيدًا، بل جزءًا من الواقع الذي ينبغي الاستعداد له باستمرار.
وعندما يتجول الزائر في المدن الإيرانية قد يلاحظ مفارقة لافتة؛ شوارع منظمة، وسيارات قديمة في كثير من الأحيان. وهي صورة يراها البعض انعكاسًا لأولويات اقتصادية مختلفة، تقوم على توجيه جزء من الموارد نحو الإنتاج المحلي والصناعات الاستراتيجية، مع السعي لتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي في مجالات متعددة، رغم ما يرافق ذلك من تحديات معيشية واقتصادية.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من هذه التجربة هو أن امتلاك الإرادة، والاستثمار في المعرفة، وبناء المؤسسات، عوامل قادرة على تعزيز قدرة الدول على الصمود في مواجهة الضغوط. فالقوة لا تُقاس بما تملكه الدول من موارد فحسب، وإنما أيضًا بما تمتلكه من رؤية، وما تستثمره في الإنسان والعلم، وكيفية إدارة التحديات التي تواجهها.
صور من مدينة مشهد الايرانية المقدسة

بغداد 2026.08.08
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل




