الأثنين 28 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي* / المغرب
ثمة صور متداولة في المشهد السياسي العربي تستوقف المراقب وتربكه: رجل يشارك في سجال تلفزيوني يشتم فيه الحكومة، وامرأة تكتب في عمودها الأسبوعي مطالبة بالإصلاح، وحزب يصدر بيانات يعترض فيها على السياسة الإقتصادية. كل ذلك يجري في الفضاء العام، ولا أحد يعتقل، ولا صحيفة تصادر، ولا حزب يحل. تبدو الصورة، للوهلة الأولى دليلا على وجود حياة سياسية منفتحة وعلى أن المجال العام يتسع للإختلاف.
المراقب المتأني يطرح سؤالا آخر: لماذا يسمح بهذه المعارضة بالتحديد؟ ما الحدود التي لم تتجاوزها؟ وما الذي تستطيع أن تفعله داخل المساحة الممنوحة لها؟ والأهم من كل هذا، هل وجود المعارضة في المجال العام يعني بالضرورة وجود قدرة حقيقية على تغيير موازين القوة؟ فالمشكلة ليست في وجود المعارضة من عدمه، وإنما في طبيعة الدور الذي تؤديه، وفي الحدود التي ترسم لها، وفي المسافة الفاصلة بين أن تكون المعارضة قوة تسعى إلى تغيير الواقع، وأن تصبح مجرد دليل على أن الواقع قابل للتغيير بينما يظل هو نفسه في مكانه.
في علم الأحياء، تسمى محاكات كائن خطير لحماية النفس، المحاكاة الوقائية. وفي السياسة يمكن أن نجد شيئا يشبه ذلك، ولكن في الإتجاه المعاكس، محاكات الأنظمة المغلقة التعددية من أجل حماية بنيتها، وأن تسمح بشكل من الإختلاف لا يمس جوهر التوازن القائم.
هنا تظهر المعارضة المرخصة التي تتقن الكلام داخل الخطوط الحمراء. وهي ليست بالضرورة استثناء عابرا يحتمل رغم النظام، بل قد تصبح جزءا من الطريقة التي يعمل بها النظام نفسه. وظيفتها، في هذه الحالة، لا تكون إنتاج التغيير بقدر ما تكون إنتاج الإنطباع بإمكانيته. تمنح السلطة واجهة تعددية، وتستنزف طاقة الرافضين داخل قناة آمنة، وتمنح المجتمع والمراقب الخارجي انطباعا بأن ثمة حياة سياسية قائمة.
يمكن تسمية هذه الحالة بالمعارضة الإستعراضية: ليست كذبا صريحا، ولا حقيقة كاملة، منطقة رمادية يستطيع النظام أن يديرها بكفاءة، فيسمح فيها بالكلام، لكنه يحدد مسبقا سقفه وأبعاده.
الفارق بين المعارضة التي تنتقد الواقع والمعارضة التي تستطيع أن تغيره لا يكمن في ارتفاع الصوت وحده. فقد يكون الصوت مرتفعا، والخطاب حادا، والبيانات مليئة بالمطالب، بينما تظل الحدود الأساسية للنقاش محفوظة. يستطيع المعارض أن يهاجم الفساد، لكن لا يستطيع أن يسأل عن البنية التي تنتجه وتحميه. يمكنه أن ينتقد البطالة، لكن دون أن يقترب من الترتيبات الإقتصادية والسياسية التي تجعلها مستمرة. يمكنه أن يقول: الوزير فاسد، لكن السؤال الأكثر حساسية يظل مؤجلا: من الذي يحمي الوزير؟ ومن المستفيد من استمرار الطريقة التي يعمل بها النظام؟ لتتحول المعارضة من مساءلة الأشخاص إلى تجنب مساءلة البنية.
لا تقف المسألة عند حدود الموضوعات التي يمكن تناولها، بل تمتد إلى طريقة تنظيم المعارضة نفسها. فحين تتوزع القوى السياسية على مساحات منفصلة، يتحدث اليساريون عن الإقتصاد، والإسلاميون عن الأخلاق والهوية، والليبراليون عن الحريات الفردية، بينما تظل الجسور بينهم محدودة، تصبح التعددية نفسها قابلة لأن تتحول إلى وسيلة للتشتت. فالتنوع في ذاته ليس مشكلة، لكن حين تتحول الإختلافات إلى جدران تمنع أي تعاون حول القضايا المشتركة، يصبح من الصعب أن تتحول المعارضة من أصوات متعددة إلى قوة اجتماعية فاعلة ومأثرة.
هناك كذلك المعارضة المؤقتة، التي تتسع مساحتها حين يحتاج النظام إلى تنفيس الإحتقان، ثم تضيق حين يرتفع الضغط السياسي. تبدو في هذه الحالة كصمام أمان أكثر منها قوة تغيير، وظيفتها ضبط درجة الحرارة الإجتماعية لا تغيير بنيتها، وأكثر ما يلفت في هذه الظاهرة هو المأزق الأخلاقي الذي يجد المعارض نفسه فيه. فإذا رفض الإنخراط في المساحة المتاحة، تركها خالية لمن هم أقل صدقا أو أكثر قابلية للإحتواء. وإذا انخرط فيها، خاطر بأن يصبح، رغم نواياه، جزءا من الواجهة التي تمنح النظام صورة التعددية. إنه يتحدث من منصة لم يصنعها، وقد يستخدم النظام كلامه دليلا على أنه يسمح بالكلام، وهذا الفخ أكثر تعقيدا، فالنظام لا يحتاج دائما إلى إسكات المعارض الصادق. أحيانا يكون من مصلحته أن يتكلم، لأن وجوده في المساحة المسموح بها يمكن أن يصبح دليلا على (سعة صدر) النظام، وأن تستخدم كلماته نفسها لإثبات حيوية المجال السياسي.
المشكلة هنا ليست في كون المعارض لا يفعل شيئا. فقد يفعل، وقد يؤثر فعلا، وقد ينجح في انتزاع مساحة، أو كشف قضية، أو حماية شخص، أو دفع النقاش خطوة إلى الأمام. لكن السؤال يبقى: هل يستطيع هذا الفعل أن يتجاوز الحدود التي صممت المساحة نفسها من أجل إبقائه داخلها؟
أعمق ما في هذا الفخ أنه يصيب المعارض في موضع هشاشته الإنسانية: في رغبته أن يكون مؤثرا، وفي حاجته إلى جمهور، وفي إيمانه بأن الكلمة تستطيع أن تفعل شيئا. وحين يتحدث يشعر أنه فاعل. وأحيانا يفعل. لكن المنظومات السياسية الأكثر قدرة على الإحتواء تعرف كيف تستوعب هذه (الظاهرة) داخل منطقها، بحيث يصبح الإعتراض نفسه جزءا من آلية استمرارها.
ومن هنا لا يعود السؤال: هل توجد معارضة؟ بل، ماذا تفعل هذه المعارضة بوجودها؟
هل تفتح مجالا جديدا للفعل، أم تكتفي بالتحرك داخل المجال الذي حدد لها سلفا؟ هل تبني قدرة اجتماعية مستقلة، أم تعتمد على المساحة التي يمنحها النظام؟ هل توسع حدود الممكن، أم تكتفي بإدارة ما هو ممكن أصلا؟ وفي هذا الفارق الدقيق يبدأ التمييز بين المعارضة بوصفها موقفا، والمعارضة بوصفها قوة سياسية. فالإعتراض على سياسة معينة قد يكون مهما، وانتقاد مسؤول أو حكومة قد يكون ضروريا، لكن المعارضة التي تتوقف عند حدود السياسات والأشخاص دون أن تنظر إلى بنية القوة التي تجعل هذه السياسات ممكنة، تظل معرضة لأن تتحول من نقيض للنظام إلى شريك غير مقصود في استمراره، ليبدأ التحول غالبا بصورة تدريجية: قبول بعض الخطوط الحمراء، ثم التفاوض عليها، ثم التكيف معها، ثم استبطانها، إلى أن يصبح المعارض أكثر حرصا على عدم تجاوزها من السلطة نفسها. وعند تلك النقطة لا تكون المشكلة في اختفاء المعارضة، بل أنها أصبحت موجودة بالطريقة التي تجعل غيابها أقل وضوحا. وهذا هو وهم المعارضة في صورته الأولى: أن يكون الإختلاف حاضرا بما يكفي لإقناع الناس بأن ثمة بديلا، لكنه محدود بما يكفي حتى لا يتحول البديل إلى قوة قادرة على تغيير قواعد اللعبة.
*كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل