فيينا / الأثنين 02 . 02 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
نجمة عمر علي كراتة / تونس
ليس الطيب صالح كاتب رواية وحسب، بل هو صانع أجهزة حسّاسة تلتقط ارتعاشات الإنسان العربي حين يواجه ذاته في مرآة العالم. في موسم الهجرة إلى الشمال لا نقرأ حكاية هجرة، بل نُجرَّد من أوهامنا واحدةً واحدة: وهم البراءة، وهم التفوق الأخلاقي، ووهم أن الاستعمار غادر المكان وتركنا سالمين. الطيب صالح لا يصرخ. لا يرفع شعارات. يكتب بهدوء قاتل، كمن يضع سماعة على صدر التاريخ ليستمع إلى الخلل في النبض. شخوصه ليست رموزًا جاهزة، بل كائنات ملتبسة، مكسورة، تعرف كيف تُغوي القارئ ثم تتركه وحيدًا أمام سؤال: من نحن بعد كل هذا؟ الرواية عنده ليست خطابًا سياسيًا، لكنها أكثر فتكًا من السياسة. إنها تفكك العلاقة بين الجسد والسلطة، بين الذاكرة والمكان، بين الرجل العربي وصورته عن نفسه حين يعبر إلى “الشمال” محمّلًا بعقد التفوق والدونية في آنٍ واحد. مصطفى سعيد ليس بطلًا ولا شريرًا؛ إنه عَرَض. نتيجة حتمية لتاريخ لم يُحاسَب. ما يميّز الطيب صالح أنه لم يكتب من موقع الاتهام، بل من موقع المعرفة المؤلمة. لم يُدين القرية، ولا المدينة، ولا الغرب، بل وضع الجميع في مختبر السرد وترك التفاعل يحدث. لذلك ظلّ نصه حيًّا، عصيًّا على الاستهلاك، قابلاً للقراءة في كل زمن عربي مأزوم. وفي هذا تكمن خطورته الجمالية: أنك تنهي الرواية ولا تشعر بالراحة. تشعر فقط بأن المكان لا يسامح، وأن العودة ليست خلاصًا، وأن الصمت أحيانًا أعلى صوتًا من الاعتراف. الطيب صالح لم يمنحنا أجوبة، بل زوّدنا بأدقّ أجهزة السؤال. ولهذا، كل قراءة له اليوم ليست عودة إلى رواية، بل عودة إلى جرح لم يلتئم.
*كاتبة من كتاب ” جريدة السيمر الاخبارية”
02 . 02 . 2026
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل