الأربعاء 24 . 06 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
كان من المفترض أن ترسخ الحرب التي شنها ترامب لممارسة أقصى قدر من الضغط على إيران نظاما جديدا في غرب آسيا، وتعزز مكانة أمريكا كقوة مهيمنة في المنطقة، وتجبر طهران على قبول شروط واشنطن وفقا لمؤيديه، لكن هذه المغامرة لم تفشل فقط بتحقيق أهدافها المعلنة، بل أصبحت من أكثر القرارات السياسية تكلفة في عهده.
وذكرت وكالة مهر للأنباء- ما نشهده في المناخ السياسي الأمريكي اليوم ليس مجرد خلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين حول عملية عسكرية، بل هو بالأحرى تشكّل نوع من الإجماع الشعبي حول التكاليف الباهظة لحرب يعتبرها جزء كبير من المجتمع الأمريكي غير ضرورية، وعديمة الجدوى، ومتعارضة مع مصالحه الوطنية.
الرأي العام ضد الحرب
لطالما كان الرأي العام في النظام السياسي الأمريكي أحد أهم مؤشرات نجاح أو فشل السياسة الخارجية. حتى أقوى الرؤساء اضطروا إلى إعادة النظر في سياساتهم عندما فقدوا الدعم الشعبي.
في هذا السياق، ترسم نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة صورةً مقلقةً للبيت الأبيض. فبحسب استطلاع رأي أجرته شبكة سي بي إس نيوز بالتعاون مع مؤسسة يوجوف، يعتقد غالبية الأمريكيين أن الحرب على إيران لم تحلّ المشكلة فحسب، بل زادت من حدّتها. كما يدعو جزء كبير من الرأي العام إلى إنهاء الصراع فورًا. تُظهر هذه الإحصائيات أن الرواية الرسمية لإدارة ترامب حول ضرورة الحرب فشلت في إقناع المجتمع الأمريكي. في الواقع، يتساءل العديد من المواطنين الأمريكيين: إذا كان هدف الحرب هو تعزيز الأمن الأمريكي، فلماذا ازداد انعدام الأمن الاقتصادي والمخاوف الاجتماعية في الداخل؟
الاقتصاد: حيث الحرب هي الخاسر الأكبر
أظهرت التجربة التاريخية للولايات المتحدة أن الناخبين في هذا البلد يولون اهتمامًا أكبر لأوضاعهم الاقتصادية من أي قضية أخرى. فمنذ حرب فيتنام وحتى حرب العراق، عندما أدى الإنفاق العسكري إلى ضائقة اقتصادية للمواطنين، تراجع الدعم الشعبي لسياسات الحرب بسرعة. واليوم، يُعدّ أحد أهم الانتقادات الموجهة لسياسة ترامب تجاه إيران هو تكلفتها الاقتصادية. كان لارتفاع أسعار الطاقة، وتكاليف النقل، واضطرابات الأسواق العالمية، وضغوط عدم الاستقرار الجيوسياسي، تأثير مباشر على الحياة اليومية للأمريكيين. وقد أشارت كامالا هاريس، منافسة ترامب السياسية، إلى القضية نفسها، مؤكدةً أن تكاليف الحرب قد زادت من أعباء الأسر الأمريكية. وأوضحت هاريس أنه يُقدّر أن كل مواطن أمريكي أنفق ما معدله 500 دولار إضافية منذ بدء الحرب مع إيران، وذلك بسبب هذه الحرب. ولتوضيح هذا الرقم، فإن متوسط دخل الأمريكي على بُعد 400 دولار فقط من الإفلاس. وبغض النظر عن الانتماء الحزبي، فإن الواقع هو أن شريحة كبيرة من المجتمع الأمريكي تُعاني من التضخم، وارتفاع تكاليف السكن، وتراكم الديون، وتراجع القدرة الشرائية في السنوات الأخيرة، وأي أزمة خارجية جديدة لن تؤدي إلا إلى تفاقم هذه المشاكل.
بالنسبة للمواطن الذي يُساوره القلق بشأن دفع الإيجار، أو أقساط الرهن العقاري، أو النفقات الطبية، فإن الحرب التي تُشنّ على بُعد آلاف الأميال لن تكون مُبرّرة إلا إذا حققت فوائد ملموسة وفورية؛ وهو أمر لم يتحقق حتى الآن.
تكرار أخطاء الماضي
من أهم أسباب تزايد معارضة الحرب الذكرى المريرة للتدخلات العسكرية الأمريكية خلال العقدين الماضيين. بدأت الحربان في أفغانستان والعراق بوعود كبيرة؛ وعود بتحقيق أمن أكبر، ونشر الديمقراطية، والقضاء على التهديدات. لكن في النهاية، كلفتا مليارات الدولارات، وأودتا بحياة الآلاف، وجرحتا الآلاف، وألحقتا الضرر بسمعة أمريكا الدولية.
يعتقد العديد من المحللين الأمريكيين الآن أن سياسة ترامب تجاه إيران تحمل أوجه تشابه كبيرة مع نفس الأنماط الفاشلة. إن بدء صراع واسع النطاق دون رؤية واضحة لنهايته ينطوي دائمًا على خطر الوقوع في حرب استنزاف.
في ظل هذه الظروف، أصبح المجتمع الأمريكي أكثر حساسية من أي وقت مضى لدخول بلاده في مغامرات عسكرية جديدة. لهذا السبب، لا تقتصر معارضة الحرب على الحركات اليسارية أو المناهضة للحرب، بل حتى بين شريحة من الناخبين الجمهوريين توجد مخاوف جدية بشأن الاستمرار في هذا المسار.
أزمة مصداقية ترامب السياسية
طوال مسيرته السياسية، سعى ترامب دائمًا إلى تقديم صورة رئيس مختلف؛ شخص، على عكس النخبة التقليدية في واشنطن، لن يدخل الولايات المتحدة في حروب جديدة وسينفق موارد البلاد على المشاكل الداخلية.
لكن الحرب ضد إيران قد شكّلت تحديًا خطيرًا لهذه الصورة. يتساءل العديد من مؤيدي ترامب السابقين الآن كيف لرئيس وصل إلى السلطة بشعار إنهاء “الحروب التي لا تنتهي” أن يُشعل بنفسه أزمة عسكرية جديدة.
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عشية الانتخابات. فمع تزايد تكاليف الحرب وعدم تحقيق نتائج ملموسة، سيزداد الضغط السياسي على البيت الأبيض. لهذا السبب، يعتقد بعض المراقبين أن إدارة ترامب تبحث الآن عن مخرج من الصراع بكرامة، بدلًا من السعي لتوسيعه.
حدود القوة الأمريكية
من النتائج المهمة الأخرى لهذه الحرب كشف حدود القوة الأمريكية في الساحة الدولية. ففي العقود الماضية، كانت واشنطن تعتقد غالبًا أنها تستطيع تحقيق أهدافها السياسية في مختلف مناطق العالم من خلال التفوق العسكري. لكن التطورات في السنوات الأخيرة أظهرت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.
إيران دولة تمتلك قدرات بشرية وجغرافية وعسكرية هائلة، وأي محاولة لتغيير حساباتها الاستراتيجية عبر الضغط العسكري ستواجه العديد من التعقيدات. دفع هذا الواقع بعض النخب الأمريكية إلى التشكيك في إمكانية تحقيق نصر حاسم في مثل هذه المواجهات.
من هذا المنظور، مثّلت الحرب الأخيرة اختبارًا ليس لإيران فحسب، بل أيضًا لقدرة أمريكا على إدارة أزمات القرن الحادي والعشرين المعقدة؛ اختبارٌ أثارت نتائجه تساؤلاتٍ هامة حول جدوى السياسات القائمة على القوة.
نهاية الوهم
لعلّ أهمّ نتائج هذه الحرب هو انهيار فكرة أن استخدام القوة العسكرية قادر على تغيير المعادلات السياسية في المنطقة بسرعة وبتكلفة زهيدة. فقد أظهرت تجربة الأسابيع الأخيرة أن الحروب لا تنتهي بسهولة أكبر مما تبدأ، وأن تكاليفها غالبًا ما تتجاوز حسابات السياسيين الأولية. اليوم، يعتقد جزء كبير من المجتمع الأمريكي أن هذه الحرب لم تجلب مزيدًا من الأمن لبلادهم، ولم تُحسّن ازدهارهم الاقتصادي، ولم تُعزّز مكانة واشنطن الدولية. بل على العكس، فإنّ أبرز ما يبرز هو ارتفاع التكاليف، وتفاقم الانقسامات السياسية الداخلية، وتكوّن شكوك عميقة حول أهداف هذه المغامرة ونتائجها. ولهذا السبب، تُظهر الأدلة المتاحة أن ما كان من المفترض أن يكون استعراضاً للقوة الأمريكية أصبح الآن، أكثر من أي شيء آخر، رمزاً لمحدودية القوة والتكاليف الباهظة للسياسات القائمة على المواجهة العسكرية؛ وهي حقيقة سيتعين على ترامب، بل وهيكل صنع القرار الأمريكي بأكمله، مواجهتها.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل