الرئيسية / مقالات / آيات الفساد في القرآن الكريم (ح 6)

آيات الفساد في القرآن الكريم (ح 6)

الجمعة 26 . 06 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

د. فاضل حسن شريف*
 
تكملة للحلقة السابقة من آيات العقاب قال الله تبارك وتعالى “وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ” ﴿الرعد 6﴾ الانسان الظالم السارق الفاسد عقابه شديد، و”غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ” ﴿غافر 3﴾ في كثير من آيات العقاب فيها الشدة، و”ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ” ﴿غافر 22﴾ مع تبيان السارق ضرر السرقة على المجتمع مما يصيبه من مرض وجوع وبنى تحتية ضعيفة ولكنه يصر على السرقة رغم تبيانه الضرر، أليس يستحق العقاب الشديد من قبل الدولة والقضاء كما امر الله تعالى؟، و”ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” ﴿الحشر 4﴾ السارق الفاسد يشاقق الله ورسوله لان الشريعة تقف بالضد امام السرقة والفساد فيستحق العقاب الشديد، و”مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” ﴿الحشر 7﴾ السارق الفاسد يريد ان يصبح غني بالمال الحرام الذي يسرقه ولم ينتهي عن النهب والسلب فله العقاب الشديد المطلوب من السلطات تطبيقه على السارق الفاسد كما يشير القرآن الكريم على ذلك. قال تعالى: “وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (المائدة 38). وفي الانجيل جاء عن السارق (“فَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ أَوْ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي النَّارِ الأَبَدِيَّةِ وَلَكَ يَدَانِ أَوْ رِجْلاَنِ) (متى 8:18 )).
عن أبي جعفر عليه‌ السلام في رجل سرق فلم يقدر عليه ثم سرق مرة أخرى فلم يقدر عليه وسرق مرة أخرى فأخذ فجاءت البينة فشهدوا عليه بالسرقة الأولى والسرقة الأخيرة فقال تقطع يده بالسرقة الاولى ولا تقطع رجله بالسرقة الأخيرة فقيل كيف ذاك فقال لأن الشهود شهدوا جميعا في مقام واحد بالسرقة الأولى والأخيرة قبل أن يقطع بالسرقة الأولى ولو أن الشهود شهدوا عليه بالسرقة الأولى ثم أمسكوا حتى يقطع ثم شهدوا عليه بالسرقة الأخيرة قطعت رجله اليسرى.
قال الله تعالى “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا” (الحشر 7). قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ). وقد يصل بالسراق المحترفين حد استخدام العنف لمن يقف امامهم، وبمعنى اخرى يحاربون من يقف ضدهم فهم بالحقيقة محاربون مفسدون كما قال الله تبارك وتعالى “الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا” (المائدة 33). وبوجود هؤلاء السراق المحترفين في اوساط المجتمع فان ذلك يؤدي الى نشر الجريمة و والفاحشة واضاعة المال وقطع الرحم وهتك العرض، بالاضافة الى ان عملهم رجس من عمل الشيطان قال عز من قائل”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ” (المائدة 90-91). أن إنزال العقاب للسراق المحترفين يعني ضربة قوية للشيطان. قال رسول الله صلى الله عليه وآله (إنّ الشيطان لا يخرج في هذه الليلة، حتّى يضئ فجرها، ولا يستطيع فيها على أحد بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد، ولا ينفذ فيه سحر ساحر).
هنالك انواع من الموازين فهنالك ميزان مادي كالسرقة بالمكيال”وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ” (المطففين 3) كما هو حال اهل مدين”وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ” (هود 84) فالذي يسرق مليون دينار ميزانه يختلف عن سرقة الف دولار،”فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا” (الاعراف 85) و”وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ” (هود 85) لا تبخسوا اي لا تنقصوا الوزن وهو نوع من انواع الفساد وهو عكس الاصلاح، وبذلك يوضع الفساد في كفة والاصلاح في كفة اخرى. وترك السارق يعني الرجوع الى عصر الجاهلية “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ” (المائدة 50).
ومن آيات الفساد “وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ” (هود 85)، و”وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ” (الاعراف 86)، و”وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ” (العنكبوت 36)، و”وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ” (الشعراء 183). تكرر الذكر المبارك “وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ” في عدد من الآيات الكريمة في قصة قوم شعيب (الاعراف 85)، و (هود 85)، و (الشعراء 183) يبخسوا اي يقللوا من الاشياء التي تكال او توزن عند بيعهم اياها للناس. لذلك يعد النقصان في المعاملات التجارية من الذنوب التي يعاقب عليها رب العباد كما حصل لقوم شعيب، ويعد من الفساد في الارض لان الله تعالى ذكر بعدها ما يخص فساد الأرض كما في قوله تعالى “وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا” (الأعراف 85) و”وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ” (هود 85) و”وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ” (الشعراء 183).  
جاء في موقع مداد حول حديث القرآن عن الفساد والمفسدين للشيخ سعد بن زيد ال محمود: إن أثر الفساد والإفساد ليس له حدود لو سارت الأمور على مقتضى أهواء المفسدين، فالكون كله يفسد لو سارت أموره بحسب أهواء أهل الفساد قال تعالى: “ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن” (المؤمنون 71)، ولو لم يقف المصلحون في وجه المفسدين لعم الفساد أرجاء الأرض و لشمل الضلال كل أطرافها، ولكن من رحمة الله أنه يدفع فساد المفسدين بجهاد المصلحين”ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين” (البقرة 251). إن مسؤولية المصلحين عظيمة، فواجبهم أن يعتصموا بحبل الله جميعاً ضد المفسدين، فالمفسدون مهما تباعدت ديارهم واختلفت ألوانهم وألسنتهم، فإنهم جبهة واحدة وصف واحد ضد الإصلاح والمصلحين. وما لم يكن للمصلحين صف واحد ضدهم فالفساد سيظل يكبر ويكبر حتى لا يستطيع أحد أن يقف أمامه. قال تعالى: “والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير” (الأنفال 73). إن الأمل الوحيد في إنقاذ الأرض من المفسدين في كل الأزمنة والأمكنة، يكمن في قيام أهل الحق والإصلاح بمسؤولياتهم أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وجهاداً في سبيل الله: “فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين * وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون * ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين” (هود 116-119).
من الموضوعات التي على القلم المناهض للفساد التطرق لها النزاهة والتي تتطلب شجاعة العمل وليس فقط القول “كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ” (الصف 3). والنزيه عليه اتخاذ الانبياء قدوة “قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ” (الممتحنة 4) وخاتم الانبياء محمد صلى الله عليه واله وسلم اسوة حسنة للاقتداء بنزاهته”لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة ” (الاحزاب 21). ويوسف عليه السلام مثال للمسؤول الامين”قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ” (يوسف 55). وابنة شعيب عليه السلام ارادت الزواج من شخص امين”قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” (القصص 26). والشورى تفقد الفساد حصانته”وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ” (الشورى 38). والرقابة والنزاهة طريقان مترابطان لمكافحة الفساد”وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” (التوبة 105). و”وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (النحل 93) وطالما ان الانسان خليفة الارض فان عليه ان يسأل الفاسد ويراقبه قبل مسائلة الله عند الوقوف امام رب العباد. 

 *كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً