الرئيسية / مقالات / خلونا نسولف

خلونا نسولف

السبت 27 . 06 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

 رسل جمال*

اعتاد الناس أن ينظروا إلى الحزن بوصفه شعوراً ثقيلاً ينبغي الهروب منه أو تجاوزه بأسرع وقت ممكن، إلا أن للحزن في مدرسة الحسين فلسفة أخرى تماماً؛ فهو ليس انكساراً ولا استسلاماً، بل حالة وعي متجددة، ومراجعة مستمرة للذات والضمير والإنسان والوجود.
ولعل الحزن في محرم الحرام لم يعد مجرد شعور موسمي يزور الشيعة أياماً معدودة من كل عام، بل تجاوز ذلك منذ زمن بعيد ليصبح طقساً حضارياً ومدرسة أخلاقية وروحية تتجدد في كل عصر بصورة جديدة، وتزداد حرارة وقوة كلما ازدادت حاجة الإنسان إلى العدالة والرحمة والكرامة.
فالحزن الحسيني لم يعد مجرد إشارة إلى واقعة تاريخية، ولا مجرد استذكار لأحداث مضت، بل أصبح منهاجاً تربوياً وأخلاقياً يعيد الإنسان إلى أصل المبادئ الإنسانية التي جاء بها الإسلام، وينعش الذاكرة الجمعية للأمة، ويعيدها إلى ينابيع الرسالة المحمدية السمحة بعد أن أثقلتها صراعات السياسة ومغريات الدنيا وضجيج العصر.
ويأتي محرم في كل عام ليطرح السؤال ذاته بصيغة جديدة: لماذا استشهد الحسين؟ وما الذي أراد أن يبقى حياً بعده؟ وما الذي ينبغي لنا أن نحمله من تلك الرسالة ونحن نعيش في زمن مختلف الأدوات لكنه لا يختلف كثيراً في امتحاناته الأخلاقية والإنسانية؟
إن عاشوراء ليست مناسبة للبكاء فحسب، بل وقفة استدراك ومراجعة لكل ما نقوم به، ولكل ما نؤمن به، ولكل ما يجري حولنا، وسؤال صريح عن دور الإنسان في الحياة، وعن موقعه من الحق والعدل والكرامة والإنصاف.
لقد نجح العالم الحديث في إغراق الإنسان في دائرة الماديات الضيقة، حتى أصبح محاصراً بالمواعيد والأرقام والأقساط والفواتير والسباقات اليومية التي لا تنتهي، منهكاً في مطاردة احتياجات لا تنتهي ورغبات تتجدد باستمرار، حتى كاد ينسى المهمة الأساسية لوجوده، بل كاد ينسى إنسانيته نفسها.
وأصبح الإنسان المعاصر، في كثير من الأحيان، يشبه كائناً يحصي أيامه ويعد ساعات عمره ويقيس نجاحه بما يملك لا بما يحمل من قيم، وبما يجمع لا بما يمنح، وبما يربح لا بما يترك من أثر.
هنا تحديداً تتجلى عظمة الحزن الحسيني؛ فهو لا يدعو الإنسان إلى الهروب من الحياة، بل إلى استعادتها، ولا يدفعه إلى الانغلاق على الألم، بل إلى تحويل الألم إلى وعي، والذكرى إلى موقف، والعاطفة إلى مسؤولية.
ولهذا بقيت حرارة الحسين متقدة عبر القرون، لأنها لم تكن حزناً على الماضي بقدر ما كانت دفاعاً دائماً عن الإنسان، ورفضاً مستمراً للظلم، وتذكيراً سنوياً بأن الحياة التي تفقد قيمها تتحول إلى أيام متشابهة تُعد وتُستهلك وتمضي، أما الحياة التي تحمل رسالة فإنها تبقى حية حتى وإن مر عليها ألف عام.

سكرتير التحرير 
بغداد /27.  06. 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً