السبت 11 . 07 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي/ المغرب
يظن كثيرون أن القراءة نشاط استهلاكي بامتياز: كاتب ينتج، وقارئ يستهلك. الأول يعطي، والثاني يأخذ. لكن هذا التوزيع للأدوار، على بساطته المغرية، يخون طبيعة ما يحدث فعلاً حين نفتح كتاباً. فالنص لا يصل إلينا كاملاً كما غادر يد كاتبه؛ إنه يصل حروفاً ميتة، رموزاً ساكنة على الورق، لا تستعيد حياتها إلا حين يبعثها فينا فعل القراءة. بهذا المعنى، القارئ ليس متلقياً سلبياً، بل شريك خفي في كتابة النص من جديد، كل مرة يُقرأ فيها.
خورخي لويس بورخيس، ذلك الأعمى الذي أدار أعظم مكتبة تخيّلها الأدب، كان يكرر فكرة تبدو للوهلة الأولى متواضعة، لكنها في جوهرها ثورية: أنه يفتخر بما قرأه أكثر مما يفتخر بما كتبه. لم يكن هذا تواضعاً زائفاً من رجل كتب بعضاً من أعقد النصوص في القرن العشرين، بل إقراراً بأن القراءة عنده لم تكن استعداداً للكتابة أو وسيلة إليها، بل غاية فكرية قائمة بذاتها، لا تقل خصوبة عن الكتابة نفسها. في قصته “مكتبة بابل”، تخيّل بورخيس كوناً بأكمله على هيئة مكتبة لا نهائية، تحوي كل كتاب ممكن، بما في ذلك ملايين الكتب التي لا معنى لها البتة. والدرس الخفي في هذه القصة أن الكتاب وحده، مهما كان، لا يعني شيئاً؛ المعنى يولد فقط حين يلتقي نص بقارئ قادر على انتزاع نظام من الفوضى، على أن يقرأ كوناً من الحروف العشوائية ويجد فيه جملة واحدة تستحق أن تُقرأ.
حين يفكر القارئ بعقل غير عقله
الناقد الأمريكي هارولد بلوم كتب كتاباً كاملاً بعنوان “كيف نقرأ ولماذا”، وكان جوابه، في جوهره، بعيداً عن أي منفعة عملية أو أخلاقية مباشرة: نقرأ لنوسّع الذات، لا لنستفيد معلومة أو نتعلم درساً. عند بلوم، النص العظيم لا يعلّمنا كيف نعيش، بل يمنحنا تجربة أن نكون، للحظة، شخصاً آخر غيرنا، أن نرى العالم من زاوية عين لم تكن لنا من قبل. هذا بالضبط ما يجعل القراءة فعلاً وجودياً لا معرفياً فقط: حين نغرق في رواية عظيمة، نحن لا نضيف معلومة إلى مخزوننا، بل نمدّد حدود ما يمكن أن “نكونه” مؤقتاً، ونعود من الكتاب وقد اتسعت طبقة من إدراكنا لم تكن موجودة قبل أن نقرأ.
وابن النديم، صاحب “الفهرست”، ذلك المؤلَّف الذي حاول في القرن العاشر أن يحصي كل ما كُتب في زمانه من كتب، لم يكن يقوم بعمل أرشيفي محايد كما قد يبدو للوهلة الأولى. فالفهرسة نفسها فعل قراءة وتأويل: أي كتاب يستحق أن يُذكر، وأي كتاب يُهمَل، وكيف تُصنَّف المعارف وتُرتَّب بعضها إلى جوار بعض؛ كل هذا قرار فكري لا حياد فيه. حين نقرأ “الفهرست” اليوم، نحن لا نقرأ قائمة جافة بعناوين، بل نقرأ خريطة لعقل قارئ عاش قبل ألف عام، وقرر كيف يُنظَّم العالم المكتوب من حوله.
القراءة بوصفها إعادة كتابة صامتة
الصوفية العرب، وفي مقدمتهم ابن عربي، طوّروا فكرة قد تبدو غريبة عن القراءة الحديثة: أن النص الواحد يتبدّل بتبدّل من يقرأه، وأن للآية الواحدة من القرآن معاني لا حصر لها بحسب استعداد القارئ وحاله ومقامه الروحي. هذا التصور، وإن نشأ في سياق ديني وتأويلي خاص، يكشف حدساً عميقاً ظلت النظرية الأدبية الحديثة تعيد اكتشافه قروناً بعد ذلك: أن النص ليس وعاءً لمعنى واحد ثابت ننتظر فقط من يستخرجه، بل بنية مفتوحة تتفاعل مع كل قارئ بطريقة مختلفة. رولان بارت، حين أعلن “موت المؤلف” في القرن العشرين، لم يكن يقصد أن الكاتب لا قيمة له، بل أن سلطته على معنى النص تنتهي عند آخر كلمة يكتبها؛ ما يحدث بعدها، في عين القارئ وذهنه، فعل مستقل له سلطته الخاصة.
حين نقرأ حباً لم يكن موجّهاً إلينا
هناك ضرب من القراءة أشد التباساً من غيره: أن نقرأ رسائل لم تُكتب لنا أصلاً، بل لعين واحدة بعينها، ثم نجد أنفسنا نحن أيضاً معنيين بها بطريقة ما. جبران خليل جبران ومي زيادة تراسلا نحو عشرين عاماً دون أن يلتقيا مرة واحدة، هو في أمريكا وهي في القاهرة، وظلت الكلمة المكتوبة هي الوسيط الوحيد بين قلبين لم يجتمعا إلا في الورق. حين نقرأ اليوم رسائل “الشعلة الزرقاء” التي جمعت مراسلات جبران إليها، نقرأ نصاً لم يُكتب أصلاً ليُقرأ على هذا النحو الجماعي، بل ليصل إلى شخص واحد، في لحظة واحدة، بثقل عاطفي لا يحتمل قارئاً ثالثاً. ومع ذلك فإن نشر هذه الرسائل بعد رحيل الطرفين حوّلها إلى نص عام، وحوّلنا نحن، القراء اللاحقين، إلى شهود على حميمية لم تكن مُعَدّة لنا أصلاً. وهنا تكمن مفارقة خاصة بقراءة المراسلات: نحن لا نقرأ رسالة الحب كما نقرأ رواية، لأن الرواية تعرف منذ سطرها الأول أن لها قارئاً عاماً، بينما الرسالة كُتبت وهي تتوهم أنها ستبقى بين اثنين فقط. حين يقع القارئ الغريب على هذا النوع من النصوص، يشعر بشيء أقرب إلى التلصص المبارك: هو يعرف أنه ليس المخاطَب الأصلي، ومع ذلك تنجح الكلمات في مخاطبته هو أيضاً، لأن لغة الشوق حين تبلغ صدقاً كافياً تتجاوز مناسبتها الأولى وتصير ملكاً لكل من يعرف معنى أن ينتظر رسالة لا تصل بالسرعة التي يريدها القلب. بهذا المعنى، قراءة رسائل العشاق تجربة مضاعفة: نقرأ قصة حب بين شخصين محددين، وفي الوقت نفسه نقرأ، عبرها، صدى لكل انتظار عشناه نحن أنفسنا يوماً.
لماذا نعود إلى الكتاب نفسه مرات عديدة!!!
من أغرب ما يميّز علاقتنا بالكتب أننا نعيد قراءة بعضها، رغم معرفتنا التامة بأحداثها ونهاياتها. هذا وحده دليل كافٍ على أن القراءة ليست بحثاً عن معلومة مجهولة، وإلا لانتفت الحاجة إلى القراءة الثانية. حين نعيد قراءة رواية أحببناها في سن العشرين، ثم في سن الأربعين، نكتشف أننا لا نقرأ الكتاب نفسه، لأن القارئ الذي عاد إليه لم يعد الشخص نفسه. الكتاب ثابت على الرف، لكن العين التي تمر على سطوره تحمل معها كل ما تغيّر فينا منذ آخر مرة، وهذا بالضبط ما يجعل كل قراءة ثانية اكتشافاً جديداً، لا تكراراً لما سبق.
نقرأ إذن لا لنملأ فراغاً في المعرفة فحسب، بل لأن القراءة، مثلها مثل الكتابة تماماً، فعل يصوغنا، ولا يكتفي بنقل ما هو موجود سلفاً في الكتاب إلى رؤوسنا. وبين يد تكتب وعين تقرأ، تكتمل دائرة واحدة: كلتاهما لا تنقل فكراً جاهزاً، بل تولّد فكراً لم يكن له وجود قبل لحظة اللقاء بين الحرف والوعي.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل