الرئيسية / مقالات / الصمت الذي تكتبه اللغة

الصمت الذي تكتبه اللغة

الخميس 16 . 07 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

في كل نص، مهما بلغ اكتماله، يوجد هامش لا تصله الكلمات. ليس عجزا عابرا يمكن تلافيه بمرادف أدق أو جملة أطول، بل حدّا بنيويا في اللغة نفسها: هناك ما يقال، وهناك ما تدور الكتابة حوله دون أن تلمسه أبدا، كمن يرسم دائرة حول فراغ ليمنحه شكلا دون أن يملأه: نحن نعرف هذا الهامش حين نحاول وصف حزن عميق مثلا، فتخوننا العبارة، أو حين نروي حلما فنكتشف أن الكلمات تُفرغه من ذلك الشيء الذي صيره حلما بالأساس. اللغة لا تعجز هنا عن أداء وظيفتها، بل تكشف عن حدودها الطبيعية: إنها أداة صنعت لتشير إلى الأشياء، لا لتكون الأشياء نفسها.
الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين ختم كتابه “رسالة منطقية فلسفية” بجملة يعدها البعض من أشهر ما كُتب في فلسفة اللغة: أن ما لا يمكن الحديث عنه بوضوح منطقي، يجب أن يُترك للصمت. لم تكن هذه دعوة إلى الاستسلام أو التقاعس، بل استنتاجا صارما لمشروع فكري طويل حاول فيه أن يرسم الحدود الدقيقة لما تستطيع الجملة أن تصفه بمعنى.
الكثير من الأسئلة الفلسفية التقليدية عنده عن معنى الحياة أو طبيعة الأخلاق أو وجود الذات، ليست أسئلة خاطئة بالضرورة، لكنها أسئلة تتجاوز ما يمكن أن تحمله بنية اللغة المنطقية من معنى قابل للتحقق. والمفارقة أن فيتغنشتاين نفسه أمضى الكتاب كله يتحدث بوضوح فلسفي دقيق عن هذا الحد بالذات، وكأن الكتابة عن حدود اللغة تتطلب لغة تقف على الحافة وتشير إلى الهاوية دون أن تسقط فيها.
قبل فيتغنشتاين بألف عام تقريبا، وصل الصوفي العراقي النفّري، في كتابه “المواقف والمخاطبات”، إلى استنتاج مشابه من طريق مختلف تماماً. جملته التي تقول إن العبارة تضيق كلما اتسعت الرؤية، أي أن أعمق التجارب الروحية هي بالضبط تلك التي تستعصي على الصياغة اللغوية. فالنفّري، الذي رفض تدوين كلامه بنفسه وتركه لمريديه يكتبونه من بعده، لم يكن يكتب ليشرح تجربته الصوفية، بل ليضع القارئ أمام حافة اللغة نفسها، حيث تتوقف الجملة العادية عن أداء وظيفتها المعتادة لتبدأ في الإشارة إلى ما هو أبعد منها. نصوصه القصيرة المكثفة، بجملها المتقطعة التي تبدو أحيانا بلا رابط منطقي واضح، ليست ضعفا في الصياغة، بقدر ما هي محاولة متعمدة لجعل اللغة نفسها تقف أمام موضوعها على شيء يتجاوزها فتشير إليه.
ثمة نوع آخر من الصمت لا ينشأ من تعالي التجربة على اللغة، بل من فظاعتها. الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو قال في مقال كتبه عام 1949 إن كتابة الشعر بعد معسكرات الإبادة النازية فعل يقترب من البربرية، مشيرا إلى أن هول ما حدث يجعل أي محاولة لتحويله إلى جمال لغوي نوعا من الخيانة لضحاياه. أثارت هذه العبارة جدلا طويلا حول تفسيرها الدقيق، لكن جوهرها يلامس السؤال نفسه الذي يشغلنا هنا: هل هناك تجارب تفسدها الكتابة بمجرد أن تحاول التعبير عنها؟ المفارقة هنا، أن الشاعر بول تسيلان، الذي فقد أبويه في المحرقة، لم يتوقف عن كتابة الشعر بعدها، بل طوّر لغة شعرية مكسورة متعثرة، مليئة بالكلمات المخترَعة والتراكيب المتقطعة، وكأنه كان يوافق أدورنو على أن اللغة العادية عاجزة عن حمل هذا الرعب، لكنه بدل أن يصمت، اخترع لغة جديدة تحمل عجزها في صميم بنيتها. قصائد تسيلان لا تروي الفاجعة كما تُروى الأحداث، بل تجعل القارئ يشعر بمقاومة اللغة نفسها وهي تحاول الاقتراب من شيء يكاد يحرقها.

هذه التجارب المتباعدة أدركت أن الكتابة حين تواجه ما يتجاوزها، لا تملك سوى خيارين: أن تصمت تماما، أو أن تكتب حول الصمت بدل أن تدّعي ملأه. فيتغنشتاين اختار الحد الواضح والصمت المعلن بعده. النفّري اختار لغة مكثفة تشير إلى ما وراءها. تسيلان اختار أن يكسر اللغة نفسها ليجعل عجزها مرئياً. وفي الحالات الثلاث، لم تكن الكتابة محاولة فاشلة لالتقاط شيء أفلت منها، بل اعترافا واعيا بأن بعض التجارب لا تُكتب، وأن أصدق ما يمكن أن تفعله الجملة أحيانا هو أن ترسم حدود جهلها بدقة، بدل أن تتظاهر بمعرفة لا تملكها. ولعل هذا ما يفسر لماذا تبقى بعض أعظم النصوص، الدينية والصوفية والشعرية على حد سواء، غامضة عصيّة على التفسير الكامل مهما أُعيدت قراءتها: لأنها لم تُكتب لتُفهم بمعنى الفهم الكامل، بل لتُستشعر عبر الفجوة التي تتركها بين الكلمة والمعنى.
نكتب أحيانا لا لنقول شيئا، بل لنُشعِر القارئ بوجود شيء لا يمكن أن يُقال، ونترك له وحده مهمة الوقوف عند تلك الحافة التي لا تصل إليها الكلمات مهما بلغت دقتها.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً