الجمعة 17 . 07 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي / المغرب
هناك لحظة غريبة يعرفها كل من كتب نصاً وأحبه ثم كرهه بعد حين: أن يمسك بما كتبه بيده، ويتردد بين الاحتفاظ به والتخلص منه، وكأن الورقة نفسها أصبحت خصما له لا عملا أنجزه. هذا التردد ليس أزمة عابرة، بل يكشف عن علاقة أعمق وأكثر تعقيداً مما نتخيل بين الكاتب ونصه: فالنص فور اكتماله، يتحول إلى كائن شبه مستقل، له وجود خاص به يمكن أن يزعج من ولّده أكثر مما يسرّه. وحين يقرر كاتب أن يمزّق ما كتبه أو يحرقه، فإنه لا يفعل ذلك استخفافا بالكتابة، بل لأنه يأخذها على محمل الجد، إلى درجة يشعر معها أن وجود النص في العالم خطأ لا يحتمل السكوت عنه.
ترك فرانتس كافكا قبل رحيله بأشهر قليلة، وصية لصديقه المقرّب ماكس برود طلب فيها منه أن يحرق كل ما يعثر عليه من مخطوطاته ورسائله ومذكراته دون أن يقرأها، كانت الوصية واضحة لا تحتمل التأويل. ومع ذلك، وبعد أيام قليلة من وفاته عام 1924، بدأ برود بالاتصال بدور النشر بدل إشعال عود الثقاب، فصدرت روايات مثل “المحاكمة” و”القلعة” و”أمريكا” تباعاً، وهي بالضبط الأعمال التي جعلت اسم كافكا يتحول من كاتب مغمور توفي في الأربعين من عمره بلا شهرة تُذكر، إلى واحد من أعظم الأسماء في تاريخ الأدب الحديث.
هذه ليست حكاية عن خيانة صديق فحسب، بل عن سؤال أعمق: هل كان كافكا يريد فعلا أن تحرق أعماله، أم أن جزءا منه كان يعرف أن برود، تحديدا لأنه يحبه، لن يفعل ذلك؟ لن نعرف الجواب اليقيني أبدا، لكن المفارقة تبقى قائمة، فأحيانا تكون رغبة الكاتب في محو نصه جزءا من طقس الكتابة نفسها وإعلانا أخيرا عن اللاثقة بما أنجزه، بينما يترك في الوقت نفسه مسؤولية القرار النهائي لشخص آخر، وكأنه يريد أن يُنقَذ من قراره هو بالذات.
لم يكن كافكا أول من طلب إعدام عمله الأدبي بعد موته. الشاعر الروماني فيرجيل، الذي أمضى السنوات العشر الأخيرة من حياته يكتب ملحمته “الإنيادة”، توفي عام 19 قبل الميلاد قبل أن يتمكن من مراجعتها وتنقيحها بالشكل الذي كان يطمح إليه، فترك وصية بإحراق المخطوطة كاملة لأنه اعتبرها غير جاهزة للتداول بصورتها تلك. لكن الإمبراطور أغسطس، الذي كان يدرك القيمة السياسية والأدبية الهائلة للعمل، أمر وصيّي فيرجيل الأدبيين بتجاهل الوصية ونشر الملحمة بأقل تعديل ممكن. وهكذا وصلتنا “الإنيادة”، أحد أعمدة الأدب الغربي، عبر عصيان صريح لرغبة صاحبها الأخيرة.
الفارق بين حالتي فيرجيل وكافكا أن الأول كان قلقا بشأن الإتقان الفني، بينما بدا الثاني أقرب إلى رفض وجودي شامل لكل ما كتبه. لكن في الحالتين، لم يكن القرار بالإحراق قرارا نهائيا بقدر ما كان اختبارا تُرك تنفيذه لآخرين، وكأن الكاتب، في لحظاته الأخيرة، يفوّض للعالم مهمة الفصل فيما عجز هو عن الفصل فيه: هل يستحق هذا النص أن يبقى؟
في حالة أكثر غرابة، أحرق الروائي الروسي ميخائيل بولغاكوف بنفسه مخطوطة روايته “المعلم ومارغريتا” في وقت مبكر من عمله عليها، ضيقا بالرقابة السوفياتية القاسية التي كانت تهدد كل كاتب ينحرف عن الخط الرسمي. لكنه، بدل أن يتقبّل هذا المحو نهائيا، أعاد كتابة الرواية بأكملها من الذاكرة في السنوات التالية، معتمدا على ما بقي محفورا في ذهنه من فصولها الأولى. لم تُنشر الرواية إلا بعد رحيله بربع قرن تقريبا، لتصبح واحدة من أعظم الروايات الروسية في القرن العشرين، ويصبح مشهد إحراقها ثم إعادة كتابتها من الذاكرة أشبه بتجسيد حرفي لجملة قالها أحد شخوصها لاحقاً: إن المخطوطات لا تحترق. هذه الحادثة تقلب الصورة السابقة رأسا على عقب، هنا لم ينج النص لأن صديقا خان وصية، ولا لأن سلطة سياسية تدخلت، بل لأن الكاتب نفسه رفض أن يقبل بقرار الحرق الذي اتخذه هو شخصيا، فاستعاد نصه من مكان لا تصل إليه النيران، إنها الذاكرة.
ثمة نوع من المحو لا يحتاج لا صديقاً يخون وصية، ولا عود ثقاب، ولا حتى ورقة أصلا: أن يمحو الحب نفسه رسالة العتاب بمجرد أن يعود الصفاء بين طرفين تخاصما. كل من أحب يعرف تلك الرسالة التي تُكتب في ذروة الغضب، بحبر ثقيل مشحون بكل ما تراكم من زعل صغير وشعور بالإهمال، ثم لا تُرسل أبدا، أو تُرسَل وتُنسى بعد الصلح كأنها لم تكن. الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن كان معروفا بعادة كتابة ما أسماه المقربون منه “الرسائل الساخنة”، رسائل غاضبة لاذعة يكتبها في أوج انفعاله من موقف أزعجه، ثم يضعها في درجه دون أن يرسلها أبداً، مكتفياً بأن الكتابة نفسها أفرغت شحنة الغضب التي لم تعد بحاجة لمخاطَب حقيقي. وقد لا تكون رسائل العشاق الغاضبة مختلفة كثيراً عن هذه العادة: فعل كتابة يحتاجه الغضب لينفّس عن نفسه، أكثر مما يحتاجه المتلقي ليقرأه فعلاً.
لكن الفارق الجوهري بين رسائل لينكولن السياسية ورسائل العتاب بين العشاق هو ما يحدث لها بعد الغضب: رسالة السياسي تبقى في الدرج وثيقة تاريخية تُقرأ لاحقا لتشرح لحظة توتر عابرة، أما رسالة العاشق الغاضبة، حين يعقبها صفاء حقيقي، فمصيرها غالبا أن تُمحى تماما من الذاكرة المشتركة بين الطرفين، لا لأنها فُقدت مادياً بالضرورة، بل لأن الحب نفسه يرفض أن يمنحها استمرارية. يعود الحبيبان إلى بعضهما، ويصبح الحديث عن رسالة الأمس المشحونة بالعتاب أشبه بالحديث عن شخص غريب لم يعد أحدهما، وكأن المصالحة تفعل بالكلمات الغاضبة ما تفعله النار بالورق تماما، لكن دون أن تترك رمادا يُرى، ودون أن يحتاج أحد لأن يمزّق شيئا بيده. هذا المعنى هو الأعمق لهذا النوع من المحو، فهو لا يمحو الحدث الذي أثار الغضب، بل يمحو الحاجة إلى أن يبقى الغضب موثقا. الكلمات القاسية التي كُتبت في لحظة انكسار تفقد سلطتها فور أن يعيد الحب ترتيب العلاقة من جديد، وتصبح مجرد أثر عابر لحالة نفسية انتهت صلاحيتها، لا شهادة دائمة على طبيعة العلاقة نفسها. بهذا المعنى، فإن أرحم أنواع الكتابة أحيانا هي تلك التي تُكتب لتُنسى عمدا، لا لتُحفظ، رسالة تؤدي وظيفتها الكاملة في اللحظة التي تُكتب فيها، ثم يتكفل الود والشوق بحرقها معنويا، دون أن يطلب أحد ذلك صراحة، ودون أن يحتاج الأمر إلى وصية أو نار حقيقية.
حين ننظر إلى هذه الحكايا معاً، لا نجد فيها ضعفا واحدا يتكرر بالطريقة نفسها، بل وجوها متعددة لعلاقة الكاتب، أو العاشق، المضطربة بنصه بعد اكتماله. فأحيانا يكون طلب الإتلاف اختبارا غير معلن لثقة الآخرين بالعمل، وأحياناً أخرى يتحول الحريق نفسه إلى مرحلة عابرة في حياة نص أقوى من أن يُمحى بالنار وحدها، وأحياناً، كما في رسائل العتاب بين العشاق، لا يكون هناك نص يُحرق أصلا، بل شعور يُسحب اعتباره بمجرد أن يعود الصفاء. وفي كل هذه الحالات، يبقى الفعل نفسه، الرغبة في التمزيق أو الحرق، دليلا غير مباشر على مدى الجدية التي يأخذ بها الكاتب علاقته بما كتب. لا أحد يحرق نصا لا يعنيه بشيء. المحو، حين يصدر عن صاحب النص نفسه، ليس نقيضا للكتابة، بل امتدادا أخيرا ومتوترا لها، وكأن الكاتب يكتب مرة أخيرة، بالنار بدل الحبر، يكتب فصلا حاسما يقرر فيه مصير كل ما سبقه.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل