الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / من جان-ماري إلى مارين لوبان.. قصة تحوّل حزب “الجبهة الوطنية” اليميني المتطرف في فرنسا (3/1)
من حزب يمثل "الشيطان" إلى حزب ينافس على منصب رئيس الجمهورية الفرنسية، نقدم لكم الحلقة الأولى من قصة حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف. يظهر في الصورة من اليسار إلى اليمين، جان-ماري لوبان، ماري لوبان وفلوريان فليبيو. © أ ف ب/ استوديو غرافيك فرانس ميديا موند

من جان-ماري إلى مارين لوبان.. قصة تحوّل حزب “الجبهة الوطنية” اليميني المتطرف في فرنسا (3/1)

الأربعاء 12 . 08 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عندما تربعت مارين لوبان في عام 2011 على عرش “الجبهة الوطنية” خلفا لوالدها جان-ماري لوبان، وجدت نفسها على رأس حزب غارق في الجدالات المعادية للسامية المتكررة التي كان يطلقها مؤسسه المشارك. عندها قررت تسريع عملية نزع “الشيطنة” عن حزبها اليميني المتطرف، مع تبني خطاب أكثر اجتماعية. نروي لكم حكاية “جبهة” تغير اسمها لحزب “التجمع الوطني” تحت قيادة مارين لوبان: الحلقة الأولى.

في 16 يناير/كانون الثاني 2011 فتحت صفحة جديدة في تاريخ حزب “الجبهة الوطنية” اليميني المتطرف. فقد أفسح جان-ماري لوبان، المؤسس المشارك للحزب في عام 1972، المجال لابنته مارين لوبان، المنتخبة بأغلبية كبيرة كرئيسة للجبهة أمام برونو غولنيش، المقرب من والدها. كان من أهم أهداف تلك القيادية التي كانت تبلغ من العمر 42 عاما آنذاك، هو قيادة حزبها حتى الوصول إلى السلطة، ومن أجل تحقيق هذا الهدف قامت بتسريع وتعزيز استراتيجية نزع “الشيطنة” عن الجبهة في المجتمع الفرنسي، وهي السياسة التي كانت قائمة بالفعل قبلها منذ تأسيس الحزب.

لم تكن صورة الجبهة الوطنية في عام 2011 تختلف كثيرا عن صورتها في عام 2002 عندما تسبب وصول جان-ماري لوبان إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية أمام جاك شيراك في مظاهرات كبيرة معادية لليمين المتطرف بين جولتي الانتخابات.

“إنه حزب يعتبره الرأي العام إلى حد كبير خطرا على الديمقراطية ويعاني من نقص في المصداقية. كما أنه حزب لم يكن في وضع داخلي جيد لأن نيكولا ساركوزي ألحق به هزيمة انتخابية مدوية في الانتخابات الرئاسية لعام 2007، عندما أعاد جان-ماري لوبان إلى نسبة 10 بالمئة التي يستحقها” [10.44٪ تحديداً – ملاحظة المحرر].

إدانة مارين لوبان.. كيف استقبل أنصار حزب التجمع الوطني القرار القضائي؟

لذلك، فإن سيطرة مارين لوبان على الحزب “تم بشكل خاص على حجة ضرورة الخروج من عصر جان-ماري لوبان الذي بدا بشكل متزايد وكأنه طريق مسدود”، يبرز جان-إيف كامو، رئيس مرصد التطرف السياسي في مؤسسة جان جوريس والمتخصص في اليمين المتطرف.

كان جان-ماري لوبان قد أدين بالفعل من قبل القضاء في مناسبات متعددة بسبب تصريحاته، ولا سيما تلك التي تنكر المحرقة اليهودية والمعادية للسامية. أرادت ابنته أن تحدث قطيعة مع عهده بكل ما يحمله من مساوئ. وعلى الرغم من أنها حافظت على أسس برنامج الجبهة الوطنية مثل الأفضلية الوطنية، والسيادة، والخروج من اليورو، ومعارضة الهجرة، والخطاب الهوياتي، فإنها لم ترد أن ترتبط سمعة الحزب بمعاداة السامية.

“في الواقع، لم تتعلق عملية نزع الشيطنة إلا بمعاداة السامية. عند توزيع المنشورات في الشارع، كان العائق الوحيد الذي كنت أراه، لم يكن الهجرة، ولا الإسلام… آخرون أسوأ منا في هذه المواضيع. إنها معاداة السامية التي تمنع الناس من التصويت لنا. فقط هذا… بمجرد إزالة هذا القفل الأيديولوجي، فإنك تحرر الباقي”، يوضح في ديسمبر/كانون الأول 2013 لويس أليو، نائب رئيس الجبهة الوطنية، في مقابلة مع المؤرخة فاليري إيغونيه لكتابها “الجبهة الوطنية من 1972 إلى يومنا هذا”.

تقوم مارين لوبان بعمليات تطهير داخل الحزب. في هذه العملية “الأيادي النظيفة”، تم استبعاد العديد من الكوادر الحزبية التي كانت إما تحن إلى عهد الرايخ الثالث (الفترة التي حكم فيها هتلر ألمانيا النازية – ملاحظة المحرر) أو تلك التي لم تخف كراهيتها لليهود، مثل إيفان بنديتي، عضو اللجنة المركزية للجبهة الوطنية والذراع الأيمن لبرونو غولنيش، المتهم بالتصريح في مقابلة بأنه “معاد للصهيونية، ومعاد للسامية، ومعاد لليهود”.

طرد جان-ماري لوبان من الجبهة

أظهرت مارين لوبان بوضوح اختلافها مع أبيها جان-ماري لوبان، والذي أدين مرارا بالتحدث عن غرف الغاز على أنها “مجرد تفصيل في الحرب العالمية الثانية“. بعد أسابيع قليلة فقط من توليها قيادة الحزب، أكدت مارين في حوار مع مجلة “لوبوان” أن ما حدث في معسكرات الاعتقال النازية “كان قمة الهمجية”.

بلغت استراتيجية مارين لنزع الشيطنة عن الجبهة ذروتها بطرد أبيها جان-ماري لوبان في عام 2015، بعد تصريحات إنكارية جديدة حول المحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية. لم يكن هذا القرار سهلا عليها، وتسبب في معركة قضائية بالإضافة إلى قطيعة عائلية. لكنه سمح للقيادية بشكل خاص بتثبيت سلطتها بشكل دائم في الجبهة الوطنية.

علاوة على ذلك، عززت مارين التحول الاجتماعي الذي كانت قد بدأته قبل بضع سنوات. مع ذراعها الأيمن فلوريان فيليبو، وهو خريج المدرسة الوطنية للإدارة (أرقى مدرسة إدارية في فرنسا تخرج منها العديد من الزعماء والرؤساء وكبار موظفي الدولة – ملاحظة المحرر) وانضم إلى الجبهة الوطنية في خريف 2011 لكنه كان يقدم لها الاستشارات منذ عام 2009، وهو ما منح بعدا إداريا مؤسساتيا لبرنامج الجبهة الوطنية. وبدأت المقترحات الاجتماعية في البرنامج الرئاسي لعام 2012 تظهر مع تدابير مثل زيادة 200 يورو لجميع الرواتب التي لا تصل إلى 1.4 مرة الحد الأدنى للأجور، واستثمارات في الخدمات العامة، وزيادة الإنفاق الصحي للمواطنين الأكثر هشاشة وضعفا اقتصاديا.

“هذه هي الفترة التي استقرت فيها مارين لوبان بشكل دائم في با-دو-كاليه (Pas-de-Calais)، وهو إقليم (شمال فرنسا) تقطنه غالبية عمالية وكان ضحية للعولمة وانتقال الشركات الصناعية إلى الخارج. في هذا الإقليم كان الخطاب الاجتماعي ضروريا وحيث يمكننا القول إننا لسنا مناصرين لا لليمين ولا لليسار”، يحلل جان-إيف كامو.

وإلى الناخبين التاريخيين الذين يصوتون لليمين المتطرف في جنوب فرنسا، ذوي النزعة اليمينية اقتصاديا وهوياتيا، يضاف مع مرور الوقت ناخبون يقطنون في الشمال والشرق، ويتألفون أساسا من عمال وموظفين. يشعر هؤلاء الناخبون بأنهم منسيون ومهملون، ويجدون في مارين لوبان مرشحة تعرف كيف تخاطبهم وتحدد كبش فداء جاهزا: المهاجر، خاصة إذا كان مسلما.

“يحل مؤشر كراهية الإسلام محل مؤشر معاداة السامية. يتم إعادة سياق الرسالة ويمكن نقلها بهذه الكلمات القليلة: الخطر الإسلامي يتعارض مع القيم العلمانية التي تنادي بها بلادنا وأسس الجمهورية الفرنسية. إنها أيضا طريقة للالتفاف على تشريعات مكافحة العنصرية: التحدث عن الإسلام هو وسيلة للتحدث عن الهجرة بدون الوقوع تحت طائلة القانون”، تشرح في عام 2014 لموقع ميديا بارت الباحثة فاليري إيغونيه.

“كارثة” في مواجهة إيمانويل ماكرون

كل هذه الجهود كانت مجدية على الصعيد الانتخابي؛ فحصلت مارين لوبان على 17.90 بالمئة من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2012 وحلت ثالثة خلف فرانسوا هولاند ونيكولا ساركوزي. والأهم من ذلك، أنها حصلت على نتيجة أكبر من نتيجة والدها في عام 2002 (16.86٪) مع 1.6 مليون صوت إضافي.

وفي الانتخابات التشريعية التي تلتها حازت انتصارا بانتخاب جيلبير كولار (سياسي ومحام فرنسي – ملاحظة المحرر) وماريون مارشال-لوبان (سياسية فرنسية وحفيدة جان-ماري لوبان – ملاحظة المحرر) في الجمعية الوطنية، وهو الانتصار الأول من نوعه منذ إنشاء نظام الاقتراع بالأغلبية. ساهمت الانتخابات البلدية لعام 2014 في إعادة ترسيخ الحزب محليا بعد فوزه بتسع مدن جديدة، بينما فازت الجبهة الوطنية في الانتخابات الأوروبية بعد بضعة أسابيع، وشهدت الانتخابات المحلية لعام 2015 تقدم حزب الجبهة في الجولة الأولى في ست مناطق.

منطقيا، شكلت الانتخابات الرئاسية لعام 2017 خطوة إضافية، خاصة وأن خطاب الجبهة الوطنية المناهض للنظام يتناسب تماما مع رفض الفرنسيين للأحزاب التقليدية المتمثلة في الجمهوريين والحزب الاشتراكي. مع 21.30 بالمئة من الأصوات، وصلت مارين لوبان للمرة الأولى إلى الدور الثاني. ولكن على الرغم من تحسينها مرة أخرى إجمالي أصوات الجبهة الوطنية في الانتخابات الرئاسية، مع 7.68 مليون صوت في الجولة الأولى، خيبت مرشحة اليمين المتطرف الآمال خلال المناظرة بين الجولتين.

“كان أداؤها كارثيا. كل شيء كان خاطئا. لا الإجابات، ولا الحركات الجسدية، ولا الصمت الطويل. كانت كارثة”، يقيّم جان-إيف كامو.

على الرغم من تقدمها في الجولة الثانية في عدد الأصوات مقارنة بالجولة الأولى مع 10.64 مليون صوت (33.90٪)، انهزمت مارين لوبان أمام إيمانويل ماكرون (66.10٪)، وهو وجه جديد على الساحة السياسية الفرنسية كان قد انتهى من إنشاء حزبه السياسي، “إلى الأمام” (En Marche)، قبل عام واحد فقط.

بعد ست سنوات من الصعود، كانت الانتخابات الرئاسية لعام 2017 بمثابة فشل، بل وحتى تراجع. بعدها حان وقت التأمل وإعادة النظر في الاستراتيجية بالنسبة لمارين لوبان، التي سرعان ما اضطرت إلى إجراء تحول كبير في برنامجها السياسي.

المصدر / فرانس 24

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً