الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / احلام اليقظة الترامبية : هل حفرت أمريكا “ممرا سريا” في هرمز؟ وثائق وبيانات تفنّد الرواية المتداولة
صورة أقمار اصطناعية تُظهر الممر الملاحي في الجانب العماني من مضيق هرمز (حساب "مورس ريبورت" على إكس)

احلام اليقظة الترامبية : هل حفرت أمريكا “ممرا سريا” في هرمز؟ وثائق وبيانات تفنّد الرواية المتداولة

الأحد 30 . 08 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

تداولت حسابات على منصات التواصل ومواقع إخبارية خلال الأيام الماضية ادعاء مفاده أن الجيش الأمريكي نفذ سرا أعمال تجريف لفتح ممر ملاحي جديد في الجانب العماني من مضيق هرمز، يسمح للسفن بالتحرك خلف جزيرة مسندم بعيدا عن المراقبة الإيرانية.

ولم يقدّم ناشرو الادعاء دليلا يوثق تنفيذ هذه الأعمال، كما لم تعلن السلطات الأمريكية أو العمانية عن عملية تجريف من هذا النوع.

لكن مراجعة أجرتها وحدة المصادر المفتوحة لوثائق ملاحية بريطانية وأمريكية، إلى جانب بيانات تتبع السفن وصور أقمار صناعية، تكشف أن الفتحة البحرية المشار إليها ليست ممرا مستحدثا، وإنما مضيق طبيعي معروف باسم “فك الأسد” أو “باب مسندم”، وثقته المصادر الملاحية منذ أكثر من قرن، وذكرت صراحة استخدام السفن له.

كما رصدت الوحدة استمرار حركة سفن متنوعة عبره قبل الحرب الحالية وبعدها، في حين لم تُظهر صور الأقمار الصناعية التي راجعتها آثارا بصرية تشير إلى توسيع الممر أو تنفيذ أعمال تجريف واسعة خلال الفترة الأخيرة.

عبور مستمر

وللتحقق من استمرار الاستخدام عمليا، راجعت وحدة المصادر المفتوحة بيانات حركة السفن على منصة “مارين ترافيك” خلال الفترة الممتدة من ديسمبر/كانون الأول 2025 حتى وقت إعداد المادة، واختبرت وجود حركة عبر “باب مسندم” في الأشهر السابقة للحرب واللاحقة لها.

بيانات المسارات التاريخية على مارين ترافيك تظهر حركة سفن عبر باب مسندم
بيانات المسارات البحرية التاريخية تُظهر حركة سفن عبر باب مسندم (مارين ترافيك)

ولم يكن الهدف من الرصد إجراء إحصاء شامل لكل السفن التي عبرت الممر، وإنما اختبار الادعاء بأنه مسار جديد لم تبدأ السفن باستخدامه إلا مؤخرا. وأظهر الرصد مرور سفن متنوعة عبر الفتحة خلال الفترة التي راجعتها الوحدة، شملت سفن شحن وسفن خدمات بحرية وقوارب عالية السرعة ويخوتا وقوارب أخرى.

وتدعم صور الأقمار الصناعية القديمة هذه النتيجة أيضا؛ إذ تُظهر في مشاهد من عامي 2021 و2022 سفنا داخل الممر أو عند مدخله مع آثار حركتها في المياه، أي قبل سنوات من الادعاء الحالي وقبل اندلاع الحرب.

لا أثر للتجريف

وراجعت الوحدة كذلك صورا ملتقطة بواسطة أقمار “سنتنيل-2” الأوروبية للمنطقة في أعوام 2021 و2022 و2026، وقارنت شكل الممر وخطوط اليابسة على جانبيه قبل التطورات الحالية وبعدها.

مقارنة صور أقمار صناعية للممر بين 2021 و2026 لا تظهر تغيرا واضحا في شكل الفتحة أو اتساعها(سنتينال-2)
مقارنة صور أقمار صناعية للممر بين 2021 و2026 لا تُظهر تغيرا واضحا في شكل الفتحة أو اتساعها (سنتينال-2)

ولم تُظهر الصور التي جرت مراجعتها تغيرا جوهريا في شكل فتحة “باب مسندم” أو قطعا في الكتل الصخرية المحيطة بها أو توسعا واضحا لخط الممر مقارنة بالصور القديمة. كما لم تبرز في المشاهد المتاحة آثار بصرية يمكن ربطها بعملية تجريف واسعة، مثل وجود معدات وأعمال بحرية كبيرة بصورة مستمرة أو تغير واضح في خط الساحل والفتحة البحرية.

وتكتسب المقارنة أهميتها بصورة خاصة لأن الهيئة العامة للممر وشكله بين الصور القديمة والحديثة ظلا متقاربين، وهو ما لا يتسق مع تصوير المنطقة على أنها قناة جديدة جرى إنشاؤها حديثا.

لكن صور “سنتنيل-2” لا تكفي وحدها لحسم إن كانت جرت أعمال لتعميق قاع الممر، إذ يمكنها رصد التغيرات الظاهرة على السطح والسواحل، لكنها لا تكشف بدقة ما يحدث تحت المياه في ممر عميق.

ورغم ذلك، فإن أعمال التجريف أو تعميق القاع التي تجري تحت سطح المياه يتطلب تنفيذها عادة معدات وسفنا تعمل فوق السطح، وقد تصاحبها تغيرات ظاهرة في المياه نتيجة تحريك الرواسب من القاع. ولم ترصد الوحدة في الصور التي راجعتها وجودا مستمرا لمثل هذه المعدات داخل الممر، أو مؤشرات سطحية واضحة يمكن ربطها بعملية تجريف واسعة خلال الفترة محل المراجعة.

موثق منذ 1908

ويعود أحد أقدم التوصيفات التفصيلية التي عثرت عليها الوحدة للممر إلى عام 1908، أي قبل 118 عاما. ففي المجلد الجغرافي والإحصائي من “دليل الخليج” لجون غوردون لوريمر، المحفوظ ضمن سجلات المكتبة البريطانية، وُصفت جزيرة مسندم بأنها تفصلها عن اليابسة فتحة بحرية ضيقة تسمى Fakk-al-Asad أو Bab.

"دليل الخليج" عام 1908 يوثق "فك الأسد/باب مسندم" ممرا طبيعيا عميقا تعبره السفن البخارية
“دليل الخليج” عام 1908 يوثق “فك الأسد/باب مسندم” ممرا طبيعيا عميقا تعبره السفن البخارية (مواقع التواصل الاجتماعي)

وحدد الدليل عرض المضيق بنحو 600 ياردة (زهاء 549 مترا) وعمقه بـ24 قامة بحرية (نحو 44 مترا)، ووصفه بأنه خالٍ من العوائق ويمكن للسفن البخارية اجتيازه بسهولة عند المحافظة على سرعة مناسبة، مع التحذير من التيارات القوية والرياح المتقلبة.

وهذه الأرقام مهمة عند مقارنتها بالرواية المتداولة حاليا، التي تقدّم فتحة بعرض نحو 488 مترا وعمق طبيعي يقارب 28 مترا بوصفها أساس “ممر جديد”. فالوثيقة البريطانية تصف في الموقع نفسه قبل أكثر من قرن ممرا طبيعيا بعرض يقع في النطاق ذاته، وبعمق وصل وفق القياسات المسجلة حينئذ إلى نحو 44 مترا.

وظل التوصيف قائما بعد ذلك بعقود. ففي النسخة الثامنة من “دليل الخليج الملاحي” التي نشرتها إدارة الهيدروغرافيا التابعة للأميرالية البريطانية عام 1932، يظهر “فك الأسد” مرة أخرى مضيقا طبيعيا خاليا من المخاطر الملاحية، ويذكر الدليل أنه كان يُستخدم بصورة متكررة بواسطة السفن البخارية، مع توصية السفن بالبقاء قرب منتصف القناة بسبب قوة التيارات.

دليل أمريكي

ولا يقتصر توثيق الممر على المصادر البريطانية التاريخية. فدليل الملاحة الأمريكي الحالي Sailing Directions Pub. 172 الصادر عن وكالة الاستخبارات الجغرافية المكانية الوطنية الأمريكية (NGA) يذكر “Fakk al Asad (Bab Musandam)” بالاسم، ويصفه بأنه “مضيق عميق المياه” خالٍ من المخاطر الملاحية المعروفة.

ويضيف الدليل أن السفن الآلية التي يمتلك طاقمها معرفة محلية بالممر تعبر من خلاله، مع تنبيه إلى تأثير التيارات على الجانب الغربي. كما يظهر الوصف نفسه في نسخة من الدليل الأمريكي منشورة منذ عام 2021، أي قبل سنوات من الحرب الحالية، بما ينفي أن معرفة الولايات المتحدة بهذا المسار أو استخدام السفن له أمر ظهر خلال الأشهر الأخيرة.

وبذلك تتقاطع ثلاثة مستويات من الأدلة الملاحية، تعود إلى 1908 و1917 و1932، مع الإرشادات الأمريكية الحديثة، على وجود فتحة طبيعية عميقة في الموضع نفسه واستخدام السفن لها، وهو ما يناقض الجزء الأساسي من الرواية المتداولة الذي يصفها بأنها “ممر لم يُستخدم من قبل” جرى فتحه حديثا.

ما الذي تغيّر؟

ويبدو أن جزءا من الالتباس يرتبط باستخدام كلمة “ممر” خلال العمليات العسكرية الأخيرة بمعنى مختلف عن حفر قناة بحرية جديدة.

ففي 11 أبريل/نيسان الماضي، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية بدء عمليات لتهيئة الظروف لإزالة الألغام من مضيق هرمز، وقال قائدها الأدميرال براد كوبر إن القوات بدأت عملية “إنشاء ممر جديد” ستشارك مساره الآمن لاحقا مع قطاع الشحن.

لكن البيان نفسه يضع العبارة بوضوح في سياق تطهير الألغام وإنشاء مسار آمن للملاحة، ويذكر مشاركة مدمرات ومركبات مسيّرة تحت الماء في المهمة، من دون أي إشارة إلى تجريف أو حفر قناة عند جزيرة مسندم.

وفي 19 أغسطس/آب الجاري، نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤولين أمريكيين أن الولايات المتحدة تدير بهدوء ممرا للشحن عبر القناة الجنوبية بمحاذاة ساحل عمان، تمر عبره السفن وفق قوائم ومواعيد وتوجيهات عسكرية أمريكية وتحت غطاء جوي. ولم يذكر التقرير تنفيذ أعمال حفر أو تجريف، بل أرجع تراجع قدرة إيران على مراقبة الحركة في ذلك المسار إلى إضعاف راداراتها وأنظمة المراقبة البحرية خلال العمليات العسكرية الأمريكية.

مسارات العبور البحرية في هرمز من الأعلى(الإيراني، المسار القديم، المسار العماني (الجزيرة-إيزري)
مسارات العبور البحرية في هرمز من الأعلى “الإيراني، المسار القديم، المسار العماني” (الجزيرة-إيزري)

وبعد ذلك، أعلنت عمان وإيران في بيان مشترك يوم 25 أغسطس/آب مناقشة إنشاء “ممر ملاحي مؤقت” ومشروع مشترك لتطهير المضيق من الألغام، إلى جانب مفاوضات بشأن ممر دائم وإدارة حركة الملاحة والخدمات الأمنية والملاحية. والبيان -بدوره- يتحدث عن ترتيبات ملاحية وأمنية وإزالة ألغام، ولا يشير إلى حفر قناة جديدة في “باب مسندم”.

وبناء على الوثائق التاريخية والإرشادات الملاحية وبيانات حركة السفن، لا يصح وصف “فك الأسد/باب مسندم” بأنه ممر استحدثته الولايات المتحدة مؤخرا أو بأنه طريق لم تستخدمه السفن من قبل؛ إذ توثق مصادر رسمية وجوده وعبور السفن منه منذ أكثر من قرن، بينما تُظهر

وفي الوقت نفسه، لم تقدّم الصور المتداولة دليلا بصريا يثبت تنفيذ أعمال تجريف حديثة، أو مؤشرات على توسيع الممر أو إنشاء فتحة جديدة.

المصدر: الجزيرة

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً