الرئيسية / تجارة واقتصاد / نفط فنزويلا يدخل قلب الصراع الأمريكي الصيني
ناقلة النفط "نيفي فوتون" حاملة نفط خام من فنزويلا ترسو بميناء فريبورت في تكساس (رويترز)

نفط فنزويلا يدخل قلب الصراع الأمريكي الصيني

السبت 05 . 09 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

في خطوة تضع قطاع النفط الفنزويلي في صلب التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، أعلنت كاراكاس وواشنطن يوم 28 أغسطس/آب التوصل إلى اتفاق واسع للتعاون النفطي.

وبينما تقدم الإدارة الأميركية الاتفاق بوصفه مكسبا للإمدادات المحلية وأسعار الوقود، تقرؤه تقارير ومعلقون صينيون باعتباره تحولا يمنح الولايات المتحدة نفوذا أكبر في سوق النفط العالمي، ويضيف ضغطا جديدا على مصادر الخام المخفض التي تعتمد عليها المصافي الصينية.

وبحسب ما نشرته صحيفة الاقتصاد الصينية، قالت الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز إن الاتفاق يسمح بمشاركة القطاع الخاص في تطوير 17 حقلا نفطيا إستراتيجيا، باستثمارات تتجاوز 100 مليار دولار، وتوقعت أن يدر ذلك على الدولة الفنزويلية أكثر من 209 مليارات دولار من الإيرادات الضريبية.

وفي المقابل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن بلاده ستحصل على “سيطرة الأغلبية” على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية الفنزويلية المؤكدة، من دون كلفة على دافعي الضرائب الأميركيين، وفق قوله.

رهان أميركي على الإمدادات والنفوذ

يضع الاتفاق النفط الفنزويلي في حسابات أميركية تتجاوز زيادة الاحتياطي المعلن، ففنزويلا، رغم امتلاكها احتياطيات ضخمة، تعاني من قطاع نفطي تراجع بشدة نتيجة خروج شركات الطاقة الغربية ونقص التمويل وضعف الإدارة والاستثمار في البنية التحتية.

وتشير الأرقام التي أوردتها صحيفة الاقتصاد الصينية إلى أن متوسط الإنتاج اليومي لفنزويلا بلغ 1.16 مليون برميل في يوليو/تموز، وهو أقل من نصف مستوى الإنتاج قبل عقد من الزمان.

ويعني ذلك أن الاتفاق لا يضمن تدفق كميات كبيرة من النفط فورا، بل يفتح مسارا طويل الأجل لإعادة تأهيل الحقول وزيادة القدرة الإنتاجية.

كما تظل العملية عرضة لمخاطر قانونية وسياسية في فنزويلا والولايات المتحدة، فضلا عن صعوبة إقناع كبريات شركات النفط بتحويل رؤوس أموالها وموظفيها إلى بيئة تعتبرها شديدة التعقيد والمخاطر الاستثمارية، وفق ما نقلته الصحيفة عن الخبير إدوارد هيرس من جامعة هيوستن.

وتكتسب الصفقة أهمية إضافية في ظل ضغوط سوق الوقود الأميركية، فقد بلغت مخزونات الوقود المقطر في الولايات المتحدة، وفي مقدمته الديزل، 103.4 ملايين برميل في 21 أغسطس/آب، وهو أدنى مستوى موسمي منذ بدء السجلات أوائل الثمانينيات، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية التي أوردتها الصحيفة.

ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وتأثيرها في نقل الخام، إلى جانب الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، تتعقد أزمة إمدادات الديزل العالمية، وهو ما يفسر الاهتمام الأميركي بتوسيع قاعدة الإمداد.

تضييق هامش الصين

يرى موقع “آسيا تايمز” أن الاتفاق الأميركي الفنزويلي يهدد بفصل المصافي الصينية تدريجيا عن مصدر مهم للنفط الخام الثقيل منخفض السعر.

وبحسب التفاصيل التي عرضها “آسيا تايمز” من المتوقع أن تسيطر شراكة خاصة مدعومة من الولايات المتحدة على 55% من الإنتاج في الحقول المستهدفة، مع حقوق تطوير تمتد إلى 100 عام، مما يمنح واشنطن دورا مؤثرا في الإنتاج والتسويق وتوجيه الشحنات.

وينقل التقرير عن كاتب من مقاطعة شانشي (غرب الصين) قوله إن الولايات المتحدة بالفعل أكبر منتج للنفط في العالم، وإن إضافة السيطرة على 65 مليار برميل ستجعل قدرتها على التأثير في أسعار النفط العالمية “غير مسبوقة”.

ومن وجهة نظره، تمنح الصفقة واشنطن ورقة ضغط جديدة ضد الصين، بصفتها مستوردا كبيرا للطاقة، عبر قدرة أكبر على التأثير في مستويات العرض والأسعار عند الحاجة.

ويتزامن هذا التطور مع تشديد العقوبات الأميركية على إيران، بعد أن أطلقت واشنطن في 24 أغسطس/آب حملة “المنبوذ الاقتصادي” وهي عقوبات أعلنها وزير الخزانة سكوت بيسنت بهدف قطع مصادر الدخل المتبقية للحكومة الإيرانية.

ويشير التقرير إلى أن الحملة زادت صعوبة وصول الصين إلى النفط الإيراني المخفض، فتراجعت الواردات الصينية من الخام الإيراني من 823 ألف برميل يوميا في يوليو/تموز إلى 534 ألفا في أغسطس/آب.

BEIJING, CHINA - SEPTEMBER 1: Chinese President Xi Jinping meets with Venezuela's President Nicolas Maduro at the Great Hall of the People September 1, 2015 in Beijing, China. Maduro is visiting China seeking financial assistance as Venezuela has been hit hard by recession. (Photo by Parker Song-Pool/Getty Images)
الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في قاعة الشعب الكبرى (غيتي)

بدائل أعلى كلفة

تتوقع القراءة الصينية أن يدفع تضييق الإمدادات الفنزويلية والإيرانية المصافي الصينية إلى البحث عن مصادر بديلة، خصوصا النفط الثقيل الكندي.

وينقل تقرير آسيا تايمز عن كاتب آخر من مقاطعة يوِن نان أن الخام الكندي أغلى بما بين 8 و9 دولارات للبرميل مقارنة بالخام الفنزويلي، مما يرفع تكلفة الإمدادات الصينية.

لكن الكاتب نفسه لا يعتبر هذا التحول خسارة خالصة، لأن خام الرمال النفطية الكندية قريب في خصائصه من الخام الفنزويلي مما يعني أن المصافي الصينية لن تحتاج إلى تعديلات واسعة في عمليات التكرير، كما أن قصر مسافة الشحن يتيح سرعة أكبر في دوران رأس المال وانتظاما أعلى في التسليم، وهو ما قد يخفف جانبا من أثر ارتفاع سعر البرميل.

VIENNA, AUSTRIA - APRIL 28: Exterior views of OPEC (Organization of the Petroleum Exporting Countries) headquarters on April 28, 2026 in Vienna, Austria. Earlier today, the United Arab Emirates announced that it is leaving the cartel of oil producers from May 1, saying the decision "reflects the UAE's long-term strategic and economic vision and evolving energy profile." (Photo by Christian Bruna/Getty Images)
احتمالات انسحاب فنزويلا من أوبك قد يحررها من قيود الإنتاج المفروضة داخل المنظمة (غيتي)

أوبك والديون الصينية

تضيف احتمالات انسحاب فنزويلا من منظمة أوبك بعدا آخر إلى المشهد. ووفق “آسيا تايمز” تدرس كاراكاس هذه الخطوة في سياق تقاربها المتزايد مع واشنطن، مما قد يحررها من قيود الإنتاج المفروضة داخل المنظمة في وقت تسعى فيه إلى زيادة الضخ، إلا أن القرار لم يتخذ بصورة نهائية.

ويرى جنغ تشينغ أن خروج فنزويلا من أوبك قد يعيد ترتيب سوق الطاقة من 3 زوايا:

  • تعزيز نظام البترودولار من خلال تحسين موقع الدولار كعملة رئيسية لتسوية مبيعات النفط الفنزويلي
  • تسهيل عملية التحكم في عوائد سندات الخزانة الأمريكية ورفع احتمالات استقرار الأسعار بفضل زيادة الإمدادات الخاضعة للنفوذ الأميركي.
  • إضعاف تماسك “أوبك+” إذا رفعت كاراكاس إنتاجها خارج نظام الحصص

وفي المقابل، لا تتجاهل التقارير الصينية حجم المصالح المالية لبكين في فنزويلا، فبحسب كاتب من مقاطعة خنان نقل عنه التقرير، قدمت الصين إلى فنزويلا قروضا تتراوح بين 50 و60 مليار دولار عبر آليات من بينها الصندوق الصيني الفنزويلي المشترك، ووجهت بصورة رئيسية إلى السكك الحديدية ومحطات الكهرباء والإسكان وتحديث الحقول النفطية، ويقدّر الكاتب الديون المستحقة حاليا بنحو 10 إلى 20 مليار دولار.

ومن هذا المنطلق، قد يحمل التوسع في صادرات فنزويلا مفارقة بالنسبة إلى الصين، فهو قد يقلص قدرتها المباشرة على الحصول على النفط الفنزويلي بشروط تفضيلية، لكنه قد يحسن أيضا الوضع المالي لكاراكاس ويرفع قدرتها على سداد مستحقات بكين.

صراع على قواعد السوق

تخلص التقارير الصينية إلى أن القضية لا تتعلق بمصدر نفطي إضافي للولايات المتحدة فحسب، بل بمعركة على قواعد السوق والنفوذ، وفي من يحدد حجم الإنتاج، ومن يوجه الشحنات، ومن يملك هامش التأثير في الأسعار والعملات والديون.

وتبدو الصفقة، وفق هذا المنظور، جزءا من ضغط متدرج على الصين يجمع بين تقليص وصولها إلى النفط الإيراني المخفض، وإعادة ترتيب قطاع النفط الفنزويلي تحت مظلة النفوذ الأميركي.

ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يبقى مرهونا بقدرة واشنطن على تحويل الوعود الاستثمارية إلى إنتاج فعلي، وبمدى استقرار الوضع السياسي والقانوني في فنزويلا، وبكيفية تفاعل الصين وروسيا مع خسارة جزء من نفوذهما الاقتصادي في الدولة الواقعة في قلب أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم.

المصدر: الجزيرة + الصحافة الصينية

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً