السبت 12 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
حين نؤجل الحياة
كثيرون منا ’ينغِصون حياتهم بأيديهم، لا لأن الحياة قاسية إلى هذا الحد، بل لأنهم لا يعرفون كيف يعيشونها.
نقضي وقتًا طويلًا في القلق مما سيأتي، ونستنزف حاضرنا في التفكير بالمستقبل، ثم نعود لنجرّ خلفنا أخطاء الماضي، نعيد تفاصيلها، ونراجع مواقفها، ونسأل أنفسنا: ماذا لو قلنا غير هذا؟ ماذا لو فعلنا غير هذا؟ ماذا لو اخترنا طريقًا آخر غير هذا؟
وبين «ماذا لو» و«ماذا سيحدث»، تضيع اللحظة الوحيدة التي نملكها فعلًا… الآن.
هؤلاء مساكين حقًا؛ لأنهم لا يعرفون فن الاستمتاع بالحياة. لا يعرفون أن بعض الأخطاء لا تحتاج إلى أكثر من أن نتعلم منها ثم نتركها تمضي، وأن بعض المنغصات لا تستحق أن ندفع من أعصابنا وأيامنا ثمنًا لها، وأن السعادة لا تأتي دائمًا حين تتغير الحياة، بل حين تتغير طريقتنا في النظر إليها.
والأغرب أننا نحن من نضع للسعادة مواقيت محددة.
هذا يقول: سأكون سعيدًا حين أعيش قصة حب.
وذاك يقول: سأفرح حين أخسر وزني.
وآخر يؤجل فرحته حتى يحصل على وظيفة أحلامه، أو يشتري بيتًا، أو يسافر، أو يحقق إنجازًا معينًا، أو يصل إلى المكان الذي رسمه في مخيلته.
فنظل نركض خلف «حين»… وحين تأتي «حين» نكتشف أن هناك «احياناً» أخرى تنتظرنا.
وهكذا تتحول الحياة إلى غرفة انتظار كبيرة، نؤجل فيها سعادتنا إلى موعد غير معلوم.
لكن الحقيقة أن السعادة لا تحتاج دائمًا إلى إضافة شيء جديد إلى حياتنا، بقدر ما تحتاج إلى أن نتعلم كيف نشعر بما هو موجود فيها أصلًا.
أن تستيقظ صباحًا وتدرك نعمة العافية.
أن تجلس مع من تحب دون أن تنشغل بهاتفك أو بما ينتظرك غدًا.
أن تستمتع بفنجان قهوة، بحديث عابر، بضحكة صادقة، بمطر يطرق النافذة، بطريق تعرفه، أو حتى بساعة هادئة لا يحدث فيها شيء استثنائي.
فليس مطلوبًا من الحياة أن تقدم لنا حدثًا عظيمًا كل يوم حتى نشعر أننا نعيش.
أحيانًا تكون الحياة في أبسط تفاصيلها، ونحن الذين لا ننتبه.
أن نعيش اللحظة لا يعني أن نهمل المستقبل، ولا أن ننسى الماضي، وإنما يعني ألا نسمح لمستقبل لم يأتِ بعد أن يسرق حاضرنا، ولا لماضٍ انتهى أن يستمر في استنزافنا.
فالماضي درس، وليس منزلًا نسكن فيه، والمستقبل احتمال، وليس موعدًا مضمونًا.
أما هذه اللحظة… فهي الشيء الوحيد الذي وصل إلينا فعلًا.
لذلك ربما علينا أن نتوقف قليلًا عن مطاردة الحياة، وأن نلتفت إليها وهي تحدث أمامنا.
أن نتعلم تجاوز ما يعكر صفونا، وأن نتمسك بالسعادة حين تأتي، حتى لو كانت صغيرة، وألا نشترط على أنفسنا ظروفًا مثالية كي نفرح.
فالحياة، في شكلها الحقيقي، ليست أن نحصل على كل ما نريد، وإنما أن نعرف كيف نستمتع بما لدينا، وأن نرى النعمة قبل أن تتحول إلى ذكرى.
لا تؤجل فرحتك إلى أن تصبح حياتك كما تتمنى تمامًا…
وفي الختام وقبل السلام نؤكد ان الحياة هبه عشها الآن، بما فيها من نقص، وما فيها من جمال، وما فيها من أشياء لم تكتمل بعد.
فربما أجمل ما في الحياة أنها لا تنتظر أن تصبح مثالية حتى تبدأ…
إنها بدأت أصلًا.
*سكرتير التحرير
بغداد. 2026/9/12
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل