الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / السيّد… أربعة عقود في قلب التحوّلات..القسم الأول | من حارة في البازورية إلى بداية الحكاية

السيّد… أربعة عقود في قلب التحوّلات..القسم الأول | من حارة في البازورية إلى بداية الحكاية

الثلاثاء 22 . 09 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

الشاب الذي خرج من البازورية لم يكن قد وصل بعد إلى المنصة التي سيعرفه العالم منها…كان لا يزال يصعد، وكان لبنان، معه، يصعد نحو مرحلة أخرى.

أمل شبيب

لم يبدأ السيّد حسن نصرالله من موقع يشبه الموقع الذي انتهى إليه.

قبل أن يصبح اسماً تختصر به مرحلة كاملة من تاريخ لبنان والمنطقة، وقبل أن يصبح صوته واحداً من أكثر الأصوات حضوراً في المشهد السياسي والإعلامي العربي والعالمي، كان فتى لبنانياً نشأ في عائلة متواضعة، وفي زمن كان لبنان فيه يتجه شيئاً فشيئاً نحو واحدة من أكثر مراحله اضطراباً.

ولد الطفل حسن عبد الكريم نصرالله في 31 آب/أغسطس 1960، هو من بلدة البازورية جنوب لبنان، نشأ في أحياء بيروت الفقيرة قبل أن تدفع الحرب الأهلية العائلة إلى العودة إلى البلدة الجنوبية التي تنحدر عائلته منها. كان السيد حسن الابن الأكبر بين تسعة أبناء.

لم تكن تلك التفاصيل مجرد خلفية عائلية عابرة. ففي لبنان الستينيات والسبعينيات، كانت الجغرافيا نفسها تحمل دلالات اجتماعية وسياسية عميقة. بيروت كانت المدينة التي تتقاطع فيها الطوائف والتيارات والأفكار، بينما كان الجنوب يعيش على تماس مباشر مع واقع الاحتلال والحدود والحرمان. وبين المدينـة والبلدة، وبين حياة العائلة البسيطة والواقع اللبناني المضطرب، تشكلت السنوات الأولى لشاب سيجد نفسه بعد وقت قصير أمام أسئلة أكبر بكثير من عمره.

في البيت الذي نشأ فيه، لم يكن الدين منفصلاً عن تفاصيل الحياة، بل كان حاضراً في التربية والذاكرة والبيئة التي تكوّن فيها منذ طفولته. لذلك، أخذ اهتمامه بالدين يتزايد في سنوات مراهقته، متأثراً بالبيئة الدينية والاجتماعية التي شكّلها الإمام موسى الصدر، الذي كان في تلك المرحلة شخصية مركزية في الحياة السياسية والاجتماعية للشيعة في لبنان، وأسس حركة المحرومين، فيما ارتبطت به لاحقاً حركة أمل التي أصبح نصرالله عضواً فيها في شبابه المبكر.

ثم جاءت سنة 1975

لم تكن الحرب الأهلية اللبنانية مجرد تاريخ في كتاب بالنسبة إلى السيد حسن نصرالله، كانت حدثاً اقتحم الحياة اليومية للبنانيين، وأعاد رسم خرائطهم، وأجبر عائلات على ترك مناطقها والعودة إلى قراها، وحوّل جيلاً كاملاً من الشباب إلى شهود مبكرين على العنف والانقسام.

كان السيّد يومها في الخامسة عشرة من عمره

وفي ذلك العمر تحديداً، بدأ مسار آخر في حياته. انتقل مع عائلته إلى البازورية، وهناك اقترب أكثر من العمل السياسي والديني، وانضم إلى حركة أمل، وبرز في محيطها المحلي في سن مبكرة، ليخوض تجربته الأولى في العمل التنظيمي في البازورية، وتكون تلك السنوات المبكرة بداية طريق سرعان ما اتسعت ملامحه،  قبل أن يغادر لبنان بعد عام واحد تقريباً متجهاً إلى النجف في العراق لمتابعة الدراسة الدينية.

هنا تبدأ واحدة من أهم حلقات التكوين في حياته

النجف… حين اتسعت الحكاية

في النجف، لم يكن الشاب القادم من جنوب لبنان يدخل مجرد مدرسة دينية.

كان يدخل عالماً فكرياً وسياسياً واسعاً، في واحدة من أهم الحواضر العلمية الشيعية في العالم.

وصل السيد حسن نصرالله إلى النجف عام 1976، وكان في السادسة عشرة تقريباً. وهناك اتسعت أمامه دائرة العلم والفكر، فدرس في حوزتها، وتعرّف إلى أفكار السيد محمد باقر الصدر، والتقى السيد عباس الموسوي، الذي أصبح لاحقاً رفيقاً في الطريق ومرجعاً أساسياً في مسيرته الدينية والتنظيمية والسياسية.

في النجف، لم يكن السيد محمد باقر الصدر مجرد اسم يمرّ في حلقات العلم، كان حضوراً فكرياً لافتاً في البيئة التي عاش فيها نصرالله، وفي تلك السنوات المبكرة بدأت تتشكل لديه رؤى سترافقه طويلاً في فهمه للدين والسياسة والصراع.

كان السيد عباس الموسوي أكبر من السيد الشاب سناً، وأكثر تقدماً في الدراسة الدينية، لكنه أصبح بالنسبة إليه معلماً ورفيق طريق، وامتدت العلاقة بين الرجلين سنوات طويلة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى واحدة من أكثر العلاقات تأثيراً في تاريخ حزب الله نفسه.

وفي النجف أيضاً، كانت المنطقة المحيطة بالحوزة تعيش تحولات فكرية وسياسية عميقة. الثورة الإسلامية في إيران كانت تقترب، وحركة الإمام الخميني (قده) كانت حاضرة في المجال الفكري والسياسي، بينما كان السيد محمد باقر الصدر يطرح مشروعاً فكرياً وسياسياً إسلامياً في مواجهة التيارات القومية واليسارية والعلمانية.

كان السيد نصرالله شاباً في مقتبل العمر، لكنه كان يتعلم في بيئة لا تفصل بسهولة بين العلم الديني والأسئلة السياسية الكبرى.

ثم جاء عام 1978

اشتد قمع نظام صدام حسين للحركات الدينية الشيعية في العراق، وتعرض طلاب ورجال دين للملاحقة، واضطر عدد من الطلاب اللبنانيين إلى مغادرة العراق. عاد السيد نصرالله إلى لبنان، ليجد نفسه مرة أخرى في بلد لا يزال يعيش الحرب، لكنّه لم يعد الشاب نفسه الذي غادره قبل عامين.

كان قد حمل معه من النجف تجربة علمية وفكرية، وعلاقات سترافقه لسنوات، ونظرة أوسع إلى ما يجري حول لبنان.

عاد إلى البقاع، واستمر في الدراسة والتعليم، وارتبط أكثر بحركة أمل وبالسيد عباس الموسوي، الذي كان قد أصبح شخصية دينية وتنظيمية بارزة. ومع اتساع حضوره داخل الحركة، تدرّج السيد نصرالله في مواقعها التنظيمية والسياسية، فتولّى تمثيلها في منطقة البقاع، ثم أصبح عضواً في مكتبها السياسي المركزي، في مرحلة كانت ملامح دوره القيادي تتشكل بصورة متسارعة.

لكن لبنان كان يتجه إلى منعطف جديد

 حين تغيّر لبنان مرة أخرى

في حزيران/يونيو 1982، اجتاح جيش العدو الإسرائيلي لبنان ووصل إلى بيروت.

كانت تلك الحرب نقطة فاصلة في تاريخ البلاد، ونقطة فاصلة أيضاً في مسار مجموعة من الشبان الذين كانوا يرون أن الاحتلال يفرض سؤالاً جديداً على الساحة اللبنانية: ماذا يعني أن تكون في بلد يحتل جزءاً من أرضه جيش إسرائيلي؟

في تلك المرحلة، بدأت أفكار حزب الله تتبلور تدريجياً في بيئة لبنانية تغيّرت بصورة جذرية بعد الاجتياح الإسرائيلي. كان الاحتلال قد نقل المواجهة إلى مستوى جديد، وبدأت تتشكل في الجنوب والبقاع وبيروت بيئة سياسية ودينية وميدانية تتجه نحو صيغة جديدة للمقاومة.

وفي قلب هذه التحولات، كان السيد نصرالله يتحرك بين العمل الديني والتنظيمي والسياسي، فيما كانت مجموعة من العلماء والقيادات والشباب الإسلاميين تقترب أكثر من فكرة تأسيس حركة مقاومة ذات مشروع إسلامي واضح. ومع مرور الوقت، بدأت الملامح الأولى لحزب الله تتجمع، في ظل تلاقي هذه الطاقات والقيادات، وبالتوازي مع الدعم الذي قدمته الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد ثورة 1979.

لم يولد حزب الله في يوم واحد، ولم يكن نتيجة قرار فردي أو اجتماع منفرد، بل تبلور تدريجياً في سنوات الحرب والاحتلال، حتى أخذ اسمه وبنيته التنظيمية وموقعه السياسي والميداني في لبنان.

وفي قلب هذا التكوين كان السيد عباس الموسوي

أما السيد حسن نصرالله، فكان في أوائل العشرينيات من عمره، يتقدم داخل التنظيم الجديد، ويخطو بثبات في مسار سيقوده بعد سنوات قليلة إلى موقع لم يكن أحد يتوقعه لشاب بدأ حياته في أحياء بيروت الفقيرة.

لم يكن بعد “السيد” الذي يعرفه الملايين، ولم تكن صوره تملأ الشاشات.

كان لا يزال شاباً في بداية العشرينيات، يحمل تجربة البازورية والنجف والبقاع، فيما كانت أمامه مرحلة جديدة ستضعه في قلب واحدة من أكثر التجارب السياسية والعسكرية تأثيراً في لبنان.

لم يكن يعرف أحد يومها أن هذا الشاب سيصبح بعد سنوات قليلة أميناً عاماً لحزب الله، وأن اسمه سيرتبط بمحطات كبرى ستعيد تشكيل صورة لبنان والمنطقة.

كان لا يزال في بداية الطريق، لكن الطريق نفسه كان قد بدأ يأخذ اتجاهاً جديداً.

من البازورية إلى قلب المشهد

قبل أن يصل السيد حسن نصرالله إلى قيادة حزب الله عام 1992، كانت سنوات طويلة قد سبقت تلك اللحظة، سنوات صنعت الرجل، وراكمت تجربته، ونقلته من فتى البازورية إلى واحد من أبرز الوجوه التي ستدخل لاحقاً قلب التحولات في لبنان والمنطقة.

القصة بدأت قبل ذلك بكثير 

بدأت من عائلة عاشت حياة متواضعة، ومن فتى شاهد بلداً يتفكك أمامه وهو في الخامسة عشرة. بدأت من الجنوب الذي عاد إليه مع عائلته، ومن مسجد ومدرسة وحركة سياسية، ثم من النجف التي فتحت أمامه عالماً فكرياً يتجاوز حدود لبنان.

وبدأت أيضاً من علاقة مبكرة مع شخصيات دينية وسياسية تركت أثرها في تكوينه: السيد موسى الصدر، والسيد محمد باقر الصدر، والسيد عباس الموسوي، ثم الإمام الخميني الذي أصبحت أفكاره جزءاً من البيئة الفكرية التي تشكل فيها التيار الذي انضم إليه لاحقاً.

كل محطة كانت تضيف طبقة جديدة 

البازورية أعطته المكان، الحرب أعطته السؤال، حركة أمل أعطته التجربة التنظيمية الأولى، النجف وسّعت عالمه الفكري، والسيد عباس الموسوي فتح أمامه طريقاً جديداً.

ثم جاء الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 ليضع كل ذلك أمام امتحان مختلف.

بعدها لن يعود السيد حسن نصرالله مجرد شاب درس في النجف وعاد إلى لبنان، بل سيصبح جزءاً من تنظيم يتشكل وسط الحرب.

وسيمضي عقد الثمانينيات في بناء موقعه داخل التنظيم، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة تماماً في عام 1992، حين اغتيل السيد عباس الموسوي في غارة إسرائيلية في 16 شباط/فبراير من ذلك العام، وتولى السيد نصرالله، وكان يومها في الحادية والثلاثين، منصب الأمين العام لحزب الله.

لأن الشاب الذي خرج من البازورية لم يكن قد وصل بعد إلى المنصة التي سيعرفه العالم منها.

كان لا يزال يصعد.

وكان لبنان، معه، يصعد نحو مرحلة أخرى.

يتبع…

المصدر / تسنيم

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً