الرئيسية / مقالات / بين غيث نيسان وجفاف السياسة

بين غيث نيسان وجفاف السياسة

فيينا / السبت   11 . 04 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

حين تُحيي الأمطار الأرض،  وتبقى الشعوب تترقّب غيثًا يعيد التوازن إلى عالمٍ أنهكته الأزمات.
مطرُ نيسان ليس حدثًا عابرًا في الذاكرة، بل طقسٌ من طقوس البدايات حين ينهمر، لا يروي الأرض فحسب، بل يوقظ فيها سرّ الحياة؛ يلين القاسي، ويُنبت في الصامت حكاية خضراء. كأنّ السماء، بعد طول خصام، قرّرت أن تعتذر للأرض، وأن تعيد ترتيب الفصول كما ينبغي.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، يقف العالم مثقلاً بما عصفت به الأوضاع؛ رياحُ التوتر لم تُبقِ بيتًا إلا وطرقته، ولا قلبًا إلا وأثقلت عليه. مدنٌ أنهكها الانتظار، وشعوبٌ تعلّقت بوعود المباحثات كما تتعلّق الأرض بغمامةٍ عابرة. طاولات التفاوض ممتدة، والكلمات تتزاحم، لكن اليقين لا يزال مؤجّلًا.
نحن، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى مطرٍ من نوعٍ آخر؛ مطرٍ يغسل لغة الصراع، ويخفّف من حدّة الانقسام، ويعيد ترتيب المشهد الذي اختلطت فيه الأوراق. كما تفعل قطرات نيسان حين تُسقط الغبار عن الوجوه، وتُعيد للأشياء ألوانها الأولى، نحتاج إلى قراراتٍ صادقة تنهمر بهدوء، فتُحيي ما كاد أن يذبل في ضمير العالم.
مطر نيسان يهمس لنا بأنّ الفوضى ليست قدرًا دائمًا، وأنّ بعد كل اضطرابٍ سكينة، وبعد كل غيمٍ مطر. وبين انهمار القطرات وترقّب النتائج، يبقى الأمل معقودًا: أن تعود الأرض أكثر خضرة، وأن يعود الإنسان أكثر إنسانية.
وهكذا هي حال الدنيا؛ تتقلب بين صراعٍ وسلام، بين جفافٍ وغيث، بين ضيقٍ وفرج. لا يستقرّ حال، ولا تدوم مرحلة، فالتغيّر هو الثابت الوحيد في حركة الحياة، وما بين النقيضين تتشكّل التجارب، وتُصقل إرادة الإنسان.
غير أنّ ما يمنح هذا التقلّب معناه، ليس تبدّل الأحوال بحدّ ذاته، بل قدرتنا على التعامل معه بحكمة. فالحكمة ليست موقفًا عابرًا، بل منهجٌ في الرؤية، وضبطٌ للانفعال، واختيارٌ واعٍ في اللحظات التي تختلط فيها الاتجاهات. بها نحفظ توازننا، ونمنع الانزلاق نحو الفوضى، ونُبقي الباب مفتوحًا أمام الأمل.
لذلك، فإنّ مسؤوليتنا في كل الفصول—حين يشتدّ الجفاف أو يهطل الغيث—أن نكون أكثر بصيرة، وأعمق إدراكًا، وأهدأ قرارًا. فكما تحتاج الأرض إلى المطر لتستعيد حياتها، يحتاج العالم إلى عقولٍ حكيمة وقلوبٍ راجحة، تعيد ترتيب المشهد، وتكتب فصلًا أقل قسوة وأكثر إنصافًا.
ولعلّ أولَ الغيثِ قطرةٌ تُبشّر بانفراجٍ طال انتظاره؛ في المنطقة بشكل عام بالحراك والمفاوضات الجارية بين الجمهورية الاسلامية من جهة وامريكا من جهة اخرى والعالم كله يشهدها بترقب واما بالشان الخاص العراقي السياسي، اذ تبدأ باختيار رئيسٍ للجمهورية، فتُفكّ أولى عُقَد الجفاف السياسي، وتنفتح الأبواب أمام استعادة التوازن وبناء الثقة. فكما لا تُزهر الأرض دفعةً واحدة، لا تُحلّ الأزمات بقرارٍ منفرد، لكنها تحتاج إلى بدايةٍ صادقة، تُمهّد الطريق لغيثٍ أوسع يعمّ البلاد.
فإذا كانت السماء قد جادت بمطرها، فإنّ الأوطان أحوج ما تكون إلى غيث الحكمة، وإرادةٍ تُعيد ترتيب الأولويات، وتُنهي مواسم الانتظار. حينها فقط، يمكن أن يتحوّل الأمل من رجاءٍ معلّق، إلى واقعٍ يُكتب، وتاريخٍ جديدٍ يبدأ

*سكرتير التحرير 
بغداد /11.  04. 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً