الرئيسية / مقالات / الهيمنة الأمريكية في المنطقة: بين هندسة التبعية ومحاربة الإرادة المستقلة

الهيمنة الأمريكية في المنطقة: بين هندسة التبعية ومحاربة الإرادة المستقلة

الجمعة  17 . 04 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

لم تعد السياسة الأمريكية في المنطقة مجرد تفاعل مع وقائع جيوسياسية أو موازين قوى متغيرة، بل كانت ولا تزال مشروع هيمنة متكامل يهدف إلى إعادة إنتاج الفضاء الإقليمي وفق معادلة ثابتة: لا سيادة إلا بترخيص، ولا قرار إلا ضمن الحدود المرسومة مسبقا. الولايات المتحدة لا تتعامل مع الشعوب كذوات تاريخية فاعلة، ولا مع الحضارات كمنابع هوية مستقلة، بل كوحدات قابلة للإدارة أو تهديدات يجب تحييدها أو موارد يجب استخراجها. وما يعرض بلغة النظام الدولي القائم على القواعد أو الشراكات الاستراتيجية، فلا يعدو كونه غطاء لهندسة تبعية دائمة، حيث يستبدل حق الشعوب في تقرير مصيرها باستقرار يصنع في واشنطن، ويفرض بالسلاح والعقوبة والسردية. والسؤال الجوهري لم يعد ما الذي تريده أمريكا من المنطقة؟ بل: لماذا لا تستطيع المنطقة أن تريد نفسها إن صح التعبير خارج إطارها؟

في منطقتنا العربية الإسلامية، لا تعمل واشنطن كأحد الأطراف المتنافسة فحسب، بل كمهندس للمشهد برمته. سياستها ليست رد فعل على الأحداث، بل مشروع استباقي يقوم على ثلاث ركائز متشابكة: تفكيك تماسك الأقاليم، ربط النخب الحاكمة بشروط الولاء الخارجي، وتحويل كل محاولة للاستقلال إلى حالة (أزمة) تعالج بالتدخل أو العزل. العقوبات ليست أداة اقتصادية فحسب، بل هي عقاب على الوجود المستقل. أما الحوارات الدبلوماسية فليست قنوات تفاوض بين ندين، بل مسارات لإدارة الاستسلام التدريجي. حتى تحالفاتها، حين تعلن بصخب إعلامي، ليست شراكات تقوم على المصالح المتبادلة، بل شبكات ولاء تكافئ الطاعة وتعاقب الانحراف عن الخط المرسوم. الهيمنة هنا ليست حضورا عسكريا فقط، بل بنية معرفية وسياسية تجعل من الخضوع يبدو وكأنه الخيار الوحيد والعقلاني.

ينطوي الموقف الأمريكي من المنطقة على رؤية حضارية تقوم على تفوق معلن أو ضمني، ترى في التراث الإقليمي إما إرثا يجب تحديثه قسريا، أو عبئا يجب تجاوزه، وفي كثير من الحالات مصدر تهديد يجب احتواؤه. فالشعوب هنا ليست فاعلة في التاريخ، بل جمهورا يدار وحشدا يستنزف، أو كتلة ديموغرافية تعاد هندستها لتتوافق مع معادلات الأمن الأمريكي. الحضارة العربية الإسلامية، بما تحمل من عمق روحي واجتماعي وتاريخي، في العرف الأمريكي، لا تقرأ كمصدر إلهام أو بديل معرفي، بل كفضاء يجب تفكيكه إلى هويات فرعية متصارعة، تسهل السيطرة عليها وتصعب اتحادها. الاستقلال في القرار ليس مجرد خيار سياسي في هذه الرؤية، بل (انحراف) عن المسار الطبيعي الذي رسمته واشنطن للعالم، وبالتالي يجب تصحيحه بأي ثمن. وأي نظام أو حركة أو دولة ترفض الخضوع لمعادلة الهيمنة هاته تتحول فورا إلى (تهديد استراتيجي)، بغض النظر عن حجمها أو طبيعة مشروعها أو شرعيتها الشعبية. الوصفة الأمريكية ثابتة عبر العقود: العزل السياسي والخنق الاقتصادي والتشويه الإعلامي، ثم التمهيد للتدخل المباشر أو غير المباشر. لكن الهدف الأعمق ليس فقط تغيير النظام، بل تجريد الفعل المستقل من شرعيته الأخلاقية والتاريخية. فيصور الرفض على أنه انتحار جماعي والاستقلال على أنه عزلة قاتلة والمقاومة على أنها إرهاب ممنهج، كما أن الحرب هنا ليست على الأرض فقط، بل على العقل والذاكرة، فحين يقنع الشعب بأن وجوده المستقل (غير منطقي) أو (مكلف جدا)، تصبح الهيمنة طبيعية والخضوع عقلانيا. إن أخطر ما تملكه واشنطن ليس حاملات الطائرات، بل قدرتها على إنتاج واقع بديل حيث تصبح التبعية مرادفا آخر للحكمة.

لا يمكن فهم السياسات الأمريكية في المنطقة بمعزل عن التحالف العضوي مع المشروع الصهيوني. هذا المحور ليس تحالفا عابرا للمصالح أو صفقة مؤقتة، بل بنية استراتيجية وحضارية متقاطعة الجذور، تتغذى من نفس المنطق القائم على الإقصاء وإعادة كتابة التاريخ مع تطبيع السيطرة كـ (حق أو ضرورة أمنية).

الولايات المتحدة لا تدعم الكيان الصهيوني فقط كحليف عسكري أو قاعدة لوجستية، بل كحاضنة إيديولوجية لمشروع يقوم على محو الوجود الأصلي، وهندسة الديموغرافيا، وتوظيف الدين والهوية كأدوات تقسيم دائم. بالمقابل، يوفر المشروع الصهيوني لواشنطن مختبرا ميدانيا لاختبار أدوات الهيمنة، من القمع المنظم إلى الرقابة على السردية التاريخية، وإلى تحويل الاحتلال إلى أمر واقع يدار بدلا من أن يحل. فهما معا، يشكلان نظاما مغلقا يرفض أي وجود خارج إطاره، ويعيد إنتاج منطق (من ليس معنا فهو ضدنا)، حيث تصنف الاستقلالية تهديدا والرفض إرهابا والذاكرة عدوا يجب محوه أو ترويضه.

إن ما يخشاه هذا المحور ليس الخسارة العسكرية المؤقتة، بل بقاء نموذج بديل يثبت أن الاستقلال ممكن، وأن الرفض مشروع، وأن الشعوب ليست أرقاما في معادلة قوة غربية. المقاومة، في هذا السياق، ليست رد فعل عسكري فحسب، بل فعل وجودي يرفض تحويل التاريخ إلى أرشيف تابع. فحين تصمد دولة أو حركة تحت الحصار وتبني صناعتها الذاتية وتحافظ على سرديتها التاريخية، فإنها لا تكسر العزلة فحسب، بل تكسر الأسطورة التي تقول إن الهيمنة قدر لا مفر منه. وهذا بالضبط ما يجعل المعركة اليوم معركة وعي قبل أن تكون معركة ساحات. الهيمنة لا تنكسر بالسلاح وحده، بل تنكسر حين تفقد قدرتها على إنتاج المعنى، وحين تدرك أن الشعوب التي تملك ذاكرتها وإرادتها لا يمكن شراؤها ولا يمكن إخافتها إلى الأبد.

إن منطقتنا العربية والإسلامية لا تواجه فقط سياسات خارجية، بل تواجه مشروعا يريد أن يجعل من الخضوع قانونا طبيعيا، ومن الاستقلال استثناء خطيرا. لكن التاريخ لم يكتب يوما بقرارات تصدر من بعيد، ولا بهيمنة تبقى إلى الأبد. الولايات المتحدة والمحور الإمبريالي الذي تقوده قد يملكان أدوات الضغط، وقد يمتلكان لغات التبرير، لكنهما لا يملكان سلطة المعنى. والشعوب التي تختار أن تبقى وتقاوم وتبني وتحفظ ذاكرتها، هي وحدها القادرة على تحويل الهيمنة إلى مرحلة عابرة، والاستقلال إلى واقع دائم. في النهاية، لا تنتصر القوة التي تملك السلاح الأحدث، بل التي تملك الإرادة الأعمق. ومن يرفض أن يمحى من التاريخ، هو من يكتبه.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً