الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

الثلاثاء 19 . 05 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

في الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة، يبدو العالم وكأنه يدخل في هدنة روحية هادئة، تهدأ فيها ضوضاء الحياة قليلاً، لتعلو أصوات الدعاء والتسبيح والابتهال. أيام لا تشبه سواها، تحمل في تفاصيلها نفحات إيمانية قادرة على أن تعيد للإنسان توازنه الداخلي، وكأنها فرصة سماوية سنوية لإعادة ترتيب الروح بعد عامٍ طويل أثقلته الضغوط والتعب والانشغالات.
ومع دخول هذه الأيام المباركة، يشعر كثيرون بأن القلوب تصبح أكثر ليونة، وأن النفس تميل بصورة تلقائية نحو الطمأنينة والسكينة، فالأجواء العامة الممتلئة بذكر الله، وصوت التكبيرات، وحالة التوجّه الجماعي نحو العبادة، تخلق طاقة روحية استثنائية يصعب وصفها بالكلمات. إنها طاقة الجماعة حين تتوحّد القلوب على الدعاء، وحين يشعر الإنسان بأنه جزء من مشهد إيماني واسع، يذكّره بأن الخير ما زال حاضرًا في هذا العالم.
وتأتي هذه الأيام وكأنها مرحلة تهيئة عميقة ليوم عرفة، ذلك اليوم الذي لا يُشبه أي يوم آخر، والذي ينظر إليه المؤمنون بوصفه محطة كبرى لتنقية النفس وغسلها من أعباء عامٍ كامل. ففي يوم عرفة، لا يقتصر الأمر على الدعاء والصيام فحسب، بل يتعداه إلى مراجعة الذات، وإعادة برمجة الروح بطريقة أكثر صفاءً وإيجابية، وكأن الإنسان يمنح قلبه فرصة جديدة للبداية من جديد.
وفي زحام الحياة اليومية، قد ينسى الإنسان حاجته الحقيقية للهدوء الداخلي، لكن العشر من ذي الحجة تأتي لتعيد التذكير بأن الروح أيضًا تحتاج إلى عناية، وأن القلوب تُرهق كما تُرهق الأجساد، وأن لحظات القرب من الله قادرة على ترميم ما أفسدته قسوة الأيام.
ولعل أجمل ما في هذه المناسبة، أنها لا ترتبط بمكان أو عمر أو ظرف معيّن، بل تفتح أبوابها للجميع، ليقف كل إنسان أمام نفسه للحظة صدق خالصة، يراجع فيها ما مضى، ويتمسّك بالأمل فيما هو آتٍ. فبين تكبيرة تُقال من القلب، ودعوة تُرفع في جوف السماء، قد تتغيّر أشياء كثيرة داخل الإنسان دون أن يشعر، وتلك هي المعجزة الهادئة التي تحملها هذه الأيام المباركة.
وفي الختام وقبل السلام ندرك كم نحن بحاجة، وسط هذا الركض السريع خلف الحياة ومشاغلها وملهياتها، إلى أن نتوقف قليلًا، وأن نهرب إلى ركنٍ رشيد نختلي فيه مع أنفسنا، وقفة صادقة وجادة، نراجع خلالها أفعالنا، ونقوّم أخطاءنا، ونتأمل ما مضى من أعمارنا بعيدًا عن صخب الأيام وضجيجها. فليست كل المراجعات تُكتب على الورق، فبعضها يحدث بصمتٍ عميق داخل القلب، حين يدرك الإنسان أن الروح أيضًا تحتاج إلى لحظة هدوء، وإلى مساحة نقية تعيد لها اتزانها، وتمنحها القدرة على مواصلة الحياة بسلامٍ أكبر ونفسٍ أكثر صفاءً

*سكرتير التحرير 
بغداد /19.  05. 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً