الأحد 07 . 06 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
إعادة تعيين باراك في منصبه، تعني عمليًّا تحويل المسار السوريّ إلى ملفّ “تجاري – أمني” يُدار من مكتب السفير في أنقرة، بعيدًا عن أروقة مجلس الأمن أو تعقيدات جنيف ، وبواسطة تاجر سياسي فاشل .
ما تزال دوامة الأحداث مستمرة بقوة في الداخل السوري، إذ لا يكاد يمرّ أسبوع واحد من دون حدث كبير في دلالاته، يضع الدولة والمجتمع على المحك. ويرفع من وتيرة الأخطار التي تزيد من استعار النار تحت رماد “السلم الأهلي”.
وقد برزت هذا الأسبوع قضية الطبيبة رانيا العباسي وعائلتها، وذلك بعد أن أصدرت “الهيئة العامة للعدالة الانتقالية” بيانًا أعلنت فيه أنّ أطفال العائلة الستة قد تمّ قتلهم على يد عنصر الأمن في زمن النظام السابق، أمجد يوسف (المتّهم بتنفيذ مجزرة حيّ التضامن أيضًا).
لتعود مأساة تلك العائلة إلى صدارة المشهد، وتعود معها حملات الجدل والشحن والتحريض الطائفي، والتي بلغت لدى البعض حدّ المطالبة بمقاطعة أبناء مكوّن سوري كامل ونبذهم وعدم التعامل معهم بأي شكل من الأشكال، في ما يشبه الدعوة إلى عقوبات اجتماعية جماعية، شبّهها تقرير نُشر في موقع “إذاعة مونتي كارلو” الفرنسي، بدعوات مقاطعة اليهود في ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية.
بيد أنّ شرائح من المجتمع السوري قد تنبّهت إلى خطورة هذا الأمر، وخرجت بدعوات إلى الوحدة بين مكونات الشعب السوري، ونبذ الأصوات الطائفية والإقصائية. وقد شهدت مدينة “إدلب” هذا الأسبوع بالفعل، تظاهرة شعبية رفع القائمون عليها لافتات تدعو إلى التمسك بوحدة المجتمع السوري، والتحذير من توجيه الاتهامات إلى شرائح ومكونات اجتماعية لا ذنب لأبنائها في ما فعلته السلطة السابقة التي كانت تحوي قيادات ومسؤولين من جميع المكونات، ما قد يزيد من اتساع الشرخ بين أبناء المجتمع الذي تعاني مختلف شرائحه، من ضائقة اقتصادية ومعيشية خانقة، وسط انسداد أفق سياسي واقتصادي واضح، جعل الكثير من السوريين يفقدون الأمل بتحسّن الحال على جميع الصعد في وقت قريب.
ووسط كل هذا، وبعد مقاربات وتحليلات سورية راهنت على تغيّر السياسة الأميركية حيال الإدارة السورية الحالية، برز ملفّ المبعوث الرئاسي الأميركي، توم براك، ليعيد رسم مشهد السياسة الأميركية في سوريا والمنطقة. حيث كان العديد من المراقبين السوريين المناوئين لسلطة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، قد رأوا أنّ جميع المعطيات تشير باتجاه أنْ يخرج براك من سوريا من دون رجعة، كإعلان أميركي صريح عن فشل طرق إدارته للملف السوري، وعن انتهاء كل المهل التي مُنحت للحكومة السورية لإجراء تغييرات سياسية واقتصادية في البلاد، وإيذان ببدء مرحلة جديدة من التعاطي الأميركي مع دمشق.
وبالفعل، أعلن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، عن انتهاء مهام المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا، وعبّر عن شكره له وتقديره للجهود التي بذلها خلال أكثر من عام ونصف. لكن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لم ينتظر طويلًا لكي “يُصحّح” الأمر على طريقته، فقد أعلن سريعًا عن تعيين براك مبعوثًا رئاسيًّا خاصًّا إلى سوريا والعراق معًا.
الأمر الذي أحبط شريحة واسعة من السوريين الذين يرون في براك “رجل صفقات” جشعاً وقاسياً قد يجد في المذابح نفسها فرصة للربح. ومن جهة أخرى، كشف هذا الإجراء بالنسبة إلى هؤلاء السوريين، عن وجود صراع غير معلن بين المؤسسة الدبلوماسية التقليدية في الخارجية الأميركية، وبين نهج البيت الأبيض الذي يسعى إلى مركَزَة الملفين السوري والعراقي في يد شخصية واحدة مرتبطة بالرئيس ترامب مباشرةً، وتحظى بثقته الكبيرة، وقادرة على تطبيق “رؤى الفريق الترامبي” (الرئيس ومستشارَيه جاريد كوشنير وستيف ويتكوف) في المنطقة.
فباراك بحكم عمله المتزامن سفيراً لدى تركيا، بات يُمثّل “المهندس الإقليمي” الذي يربط بين سوريا والعراق ككتلة سياسية – جغرافية واحدة، قافزًا فوق الحدود والخرائط الدولية المتعارف عليها، وفق ما صرّح به هو نفسه سابقًا، ضمن جملة تصريحات غريبة له، تناول فيها مسألة انتهاء زمن خرائط “سايكس – بيكو”، وعدم أهلية سكان المنطقة أو استحقاقهم لأنظمة حكم ديمقراطية أو إدارات حديثة وشفافة.
وقد حرص باراك دائمًا أن يعكس رؤية ترامب القائمة على “إدارة الأزمات عبر الفاعلين”، وسعى إلى تقليد سياساته من خلال الاعتماد على المقايضات الاقتصادية والواقعية السياسية الفجّة.
وبحكم خلفية باراك كملياردير ومستثمر عقاري، وأيضًا كمتّهم خرج بأعلى كفالة مالية سُجّلت في تاريخ القضاء الأميركي، وشخص ذُكِر اسمه في “ملفات إبستين”، فإنّ كل هذا في نظر العديد من المراقبين والناشطين السياسيين السوريين، يؤكّد أن الرجل لا ينظر إلى الملف السوري من زوايا حقوق الإنسان أو العدالة الانتقالية أو مصالح شعوب المنطقة عمومًا، بل من زاوية المصالح المتبادلة والصفقات الرنانة، التي لا مشكلة في أنْ تأتي على حساب كل الشعارات والمبادئ التي لطالما تغنّت بها الدوائر الأميركية، أو تطلّع إليها الشعب السوري.
فباراك هذا، هو من بدأ في رسم وصياغة مسار يعتمد على “تخفيف العقوبات مقابل انفتاح سياسي”، وهو مسار هدف إلى دفع دمشق نحو صفقات تتضمن تفاهمات أمنية مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لضمان استقرار حقول الطاقة والنفط في الشرق السوري، تلاه مباشرةً توقيع اتفاقية مع شركة “شيفرون” الأميركية. كما سعى بقوة إلى الدفع باتّجاه إقرار “اتفاق أمني” بين السوريين والإسرائيليين، يُعطي لـ”إسرائيل” الحق في السيطرة على جبل الشيخ ومناطق إضافية من الجنوب السوري، تحت عناوين اقتصادية واستثمارية يجري تقديمها باعتبارها ستجلب فائدة اقتصادية كبرى للسوريين.
وخلال ذلك كلّه، أطلق براك العديد من التصريحات التي تتحدث عن “عظمة وأهمية” الرئيس السوري الانتقالي، الأمر الذي كرّس صورة هذا المبعوث الأميركي كـ “وسيط نفوذ ومصالح” أكثر منه دبلوماسيًّا محايدًا. وهي صورة تساعد العديد من المعارضين السوريين للنظام الحالي، في تأكيد اتهاماتهم الكثيرة المتعلقة بالرجل، خصوصًا ما جرى تناوله من قِبل العديد منهم مؤخّرًا، حول دفع رجال أعمال سوريين مقيمين في إحدى دول الخليج، عدة ملايين من الدولارات (يشير بعض المراقبين إلى رقم /5/ مليون دولار) لتثبيت باراك في منصبه، ثم تأمين اتصال بين الرئيس السوري والرئيس الأميركي، وهو ما حصل بالفعل بعد إعادة باراك إلى منصبه بأيام قليلة.
ويرى هؤلاء، أن إعادة تعيين باراك في منصبه، تعني عمليًّا تحويل المسار السوريّ إلى ملفّ “تجاري – أمني” يُدار من مكتب السفير في أنقرة، بعيدًا عن أروقة مجلس الأمن أو تعقيدات جنيف. وهذا التوجّه يضع الأطراف المحلية السورية (الحكومة والمعارضة على السواء) في موقع المترقّب لِمَا سيُمليه “الوسيط” القادم من واشنطن، الأمر الذي يُفرّغ أي حوار وطني سوري من مضمونه، ويحوّله إلى مجرد استجابة لضغوط باراك السياسية والاقتصادية.
وبذلك، تصبح السياسة الأميركية حيال سوريا، رهينة لطموحات الرجل الشخصية المتمثلة في السعي لتحقيق “نجاح سريع” يُحسب للرئيس ترامب. وهو ما سوف يؤدي إلى تفاقم الانقسامات الداخلية، وتكريس صورة باراك لدى أوساط سورية وإقليمية واسعة باعتباره “مُيسِّر صفقات مشبوهة” تأتي على حساب استقرار المجتمع السوري وأمنه وتطلعاته.
وربطًا بكل ذلك، فقد احتفت وسائل الإعلام الرسمية بالاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، هذا الأسبوع، وجرى تقديم الأمر باعتباره دليلًا على مدى الدعم الأميركي للإدارة السورية.
ولأن هذه الإدارة تدرك مدى الكارثة الاقتصادية والمعيشية التي تختبرها البلاد وأهلها، فقد حرص بيان الرئاسة السورية على التأكيد أن ملف الاقتصاد كان رئيسيًّا خلال المحادثة. وذلك لإعطاء دلالة واضحة على المحاولات الحثيثة التي تبذلها الرئاسة والحكومة لتدارك الواقع المعيشي الذي بات بالغ الصعوبة وشديد الوطأة على المجتمع السوري، للدرجة التي دفعت بالعديد من القوى المدنية إلى رفع الصوت من جديد خلال الأيام الفائتة، داعية إلى اعتصامات ووقفات احتجاجية في العاصمة وباقي المحافظات.
والواقع أن القدرة الشرائية للمواطن السوري قد تآكلت تمامًا، في الوقت الذي ارتفع سعر صرف الليرة السورية ليتجاوز ال /14000/ ليرة للدولار الواحد. ومع غياب الفاكهة عن موائد السوريين وتحولها إلى “رفاهية غائبة”، بات متوسط تكاليف الأسرة الواحدة بحسب تقارير صحفية نشرتها عدة مواقع سورية مختصة، يتراوح بين /7,7/ مليون ليرة للعيش عند “حدّ الكفاف”، و /11/ مليونًا للعيش “بكرامة وستر”. ما أعاد للأذهان مشهدًا اختبره المواطن السوري في الفترة التي سبقت سقوط النظام السابق.
وفي سعي السلطة لجذب الاستثمارات وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فقد اختتمت في دمشق مطلع هذا الشهر أعمال “المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص”، الذي نظمته وزارة الاقتصاد والصناعة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشراكة يابانية. وهو المؤتمر الذي يُعقد لأول مرة داخل البلاد، بعد سبع نسخ منه عُقدت في الخارج. وقد هدف المؤتمر إلى إشراك القطاع الخاص في تحديد أولويات التعافي الاقتصادي.
وعلى الرغم من الوعود باعفاءات ضريبية وتسهيلات تمويلية بضمانات سيادية، إلا أن تلك الوعود قوبلت بشكوك شعبية واسعة، وذلك في ظل غياب أي تشريعات أو قوانين جديدة، ناهيك بالواقع الأمني الهش جدًّا. بالإضافة إلى أن تلك الطروحات تفتقر إلى إصلاحات هيكلية ضرورية تتزامن معها، مثل إعادة الثقة بالعملة الوطنية وربط الكتلة النقدية بإنتاج حقيقي.
مقابل واقع يؤكّد ويكرّس الاعتماد على “اقتصاد الظل” و”دولرة الخدمات” التي تبتلع أجور الموظفين خلال أيام معدودة أول كل شهر. وما زاد المشهد ضبابية أكثر هنا، هو قرار “مصرف سوريا المركزي” القاضي بتمديد مهلة استبدال العملة السورية القديمة حتى نهاية شهر يوليو هذا العام.
المصدر / الميادين
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل