الأحد 07 . 06 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
دعاء هزاع الجابري – اليمن
في شمال ” أفريقيا ” حيث تمتد الصحارى كبحار من الرمل وتختبئ خلف الأفق مدن عتيقة وذاكرة استعمارية مثقلة ، تقف ” الصحراء الغربية ” كجرح جيوسياسي لم يلتئم منذ عقود ، إنها أرض تبدو للعين البعيدة مجرد امتداد قاحل لكنها في الحقيقة عقدة تاريخية تتقاطع عندها السيادة والهوية والمصالح الدولية ، فبين المغرب والجزائر وبين حلم الاستقلال الذي ترفعه جبهة ” البوليساريو ” تتشكل واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في أفريقيا الحديثة ، فالصحراء الغربية ليست فقط رقعة جغرافية بل مرآة لصراع أعمق بين رؤيتين لمستقبل المنطقة ، واحدة ترى في الصحراء امتدادا تاريخيا للدولة المغربية ، وأخرى تراها قضية تقرير مصير لشعب يسعى إلى دولة مستقلة ، وبين هاتين الروايتين تتشكل طبقات من التوتر السياسي والمنافسة الإقليمية التي تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد الاستعمار ، فحين انسحبت ” إسبانيا ” من الصحراء الغربية عام ” 1975 م ” لم تكن المنطقة تغادر حقبة استعمارية فقط بل كانت تدخل متاهة صراع إقليمي طويل ، ففي تلك اللحظة التاريخية أطلق الملك ” الحسن الثاني ” حدثا سياسيا استثنائيا تمثل في المسيرة الخضراء التي اعتبرها المغرب إعلانا سلميا لعودة الإقليم إلى سيادته ، لكن في الجانب الآخر كانت جبهة البوليساريو قد بدأت منذ عام ” 1973م ” في مشروعها المسلح لإقامة دولة مستقلة باسم ” الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ” بدعم سياسي وعسكري من الجزائر التي تبنت خطاب “حق الشعوب في تقرير المصير”
وهكذا تحولت الصحراء إلى نقطة تماس بين مشروعين سياسيين وهما ” مشروع الدولة الوطنية المغربية ، ومشروع الدولة الصحراوية المستقلة ” ، ومنذ تلك اللحظة لم يعد النزاع مجرد قضية إقليمية بل صار اختبارا لتوازن القوى في شمال أفريقيا ، وفي العمق لا يمكن فهم أزمة الصحراء الغربية دون النظر إلى العلاقة المعقدة بين المغرب والجزائر ، حيث الدولتان اللتان خرجتا من رحم الاستعمار الفرنسي والإسباني حملتا منذ استقلالهما تنافسا خفيا حول القيادة الإقليمية
ويرى المغرب من خلال ذلك أن الجزائر تستخدم قضية الصحراء كأداة لاحتواء نفوذه في المنطقة ومنعه من التمدد نحو العمق الأفريقي ، بينما ترى الجزائر أن دعمها للبوليساريو هو موقف مبدئي ضد ما تعتبره ضما لأرض لم تحسم سيادتها دوليا ، ومع مرور العقود تحول هذا الخلاف إلى حرب باردة مغاربية في حدود مغلقة منذ التسعينيات وسباق تسلح صامت بالاضافة لتحالفات دبلوماسية متنافسة في أفريقيا وأوروبا ، فالصحراء الغربية تملك عناصر استراتيجية تجعلها محور تنافس شديد من حيث السواحل الطويلة على المحيط الأطلسي ، الى جانب اعتبارها واحدة من أكبر احتياطات الفوسفات في العالم ، مع ثروات سمكية ضخمة ، وموقع جغرافي يربط أوروبا بأفريقيا الغربية ، ولهذا السبب لم تبق القضية محلية بل جذبت اهتمام القوى الدولية ايظا ، فقد اعترفت الولايات المتحدة عام ” 2020م ” بسيادة المغرب على الصحراء ، بينما لا تزال أطراف دولية عديدة تدعم خيار الاستفتاء الذي تشرف عليه الأمم المتحدة عبر بعثة ” الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية ”
ورغم أن الصراع ظل لعقود ضمن مستوى ” التوتر البارد ” فإن احتمال الانفجار العسكري بين المغرب والجزائر يظل أحد أخطر السيناريوهات في المنطقة ، وإذا اندلعت حرب مباشرة في اي لحظة فقد تتحول سريعا إلى أكبر مواجهة عسكرية في شمال أفريقيا منذ عقود ، حيث أن ميزان القوة العسكرية يشير إلى أن الجزائر تمتلك واحدا من أكبر الجيوش في أفريقيا وترسانة ضخمة من الأسلحة الروسية ، بينما يتمتع المغرب بجيش متطور نسبيا وشراكات عسكرية قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا ، وهذا يعني أن الحرب لن تكون قصيرة أو سهلة لأي طرف ، كما أن الصراع قد لا يبقى محصورا في الصحراء الغربية ، بل قد يمتد إلى الحدود الطويلة بين البلدين وإلى المجال البحري في الأطلسي ، بل وحتى إلى المجال الجوي لشمال أفريقيا ، أما على مستوى المنطقة فإن اندلاع الحرب قد يؤدي إلى انهيار فكرة الاتحاد المغاربي بالكامل وظهور موجات لجوء جديدة نحو أوروبا ، مع اضطراب طرق التجارة والطاقة وفتح المجال لتدخلات دولية مباشرة ، لتتحول المنطقة بذلك إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا
حتى الآن ما زالت الصحراء الغربية تعيش في منطقة رمادية بين وقف إطلاق نار هش وصراع سياسي مفتوح ، فالرمال التي تبدو ساكنة تخفي تحتها توترا دائما وكأنها تنتظر الريح التي قد تحركها فجأة ، وفي هذا النزاع الطويل لا يبدو أن أحدا استطاع تحقيق نصر كامل ولا أن أحدا مستعد للتخلي عن روايته التاريخية ، فإذا اشتعلت الحرب يوما بين المغرب والجزائر فلن تكون مجرد معركة حدود بل زلزالا جيوسياسيا قد يعيد رسم خريطة شمال أفريقيا ، ليصدر الينا مشهد الصراع هذا العديد من الاسئلة وهي : هل ستتحول الصحراء الغربية إلى شرارة حرب إقليمية واسعة؟ أم أن العقل السياسي سيجد طريقا لتسوية تنهي واحدا من أطول نزاعات القارة؟ ، وهل ستبقى الرمال شاهدة على صراع الذاكرة والسيادة ، أم ستتحول يوما إلى جسر للتعاون بدل أن تكون خط تماس بين دولتين شقيقتين؟ ، أن أسئلة مثل هذه تبقى مفتوحة مثل الصحراء نفسها وواسعة وصامتة في آن واحد ، لكنها في ذات الوقت تخبئ في أعماقها تاريخا لم يكتب بعد .
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل