الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / مؤسسة المرشد.. “الهيدرا” الأسطورية التي حمت إيران بعد اغتيال خامنئي

مؤسسة المرشد.. “الهيدرا” الأسطورية التي حمت إيران بعد اغتيال خامنئي

الأثنين 08 . 06 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

كان المنطق الذي بُنيت عليه الضربة بسيطا إلى حد الإغراء، مفاده أن اقطعِ الرأس يَمُتِ الجسد. وبعد ثمانية أيام فقط، في 8 مارس/آذار، أعلن مجلس خبراء القيادة اختيار مجتبى خامنئي خلفا لأبيه، في انتقالٍ للسلطة جرى بسلاسة بدت، لمن يراقب من الخارج، أقرب إلى الخطة الجاهزة منها إلى الارتجال تحت وقع المفاجأة. وكان لافتًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه كان قد لفظ اسم مجتبى قبل أن تعلنه طهران رسميا بأيام، وكأن واشنطن تعرف سلفا نتيجة الاختيار.

انطلقت التكهنات فورًا. هل اختير الابن لأنه فعلا الأقوى في دوائر الحكم؟ أم لأنه واجهةٌ سيحكم الحرس الثوري من خلفها إيران القادمة؟ السؤالان مشروعان، لكنهما يقفان عند عتبة السؤال الأصعب والأقل طرقا: ما الذي جعل دولةً تفقد قائدها وعشرات من كبار رجالها في ليلة واحدة، تستأنف عملها كأن شيئًا لم يكن؟ بعبارة أخرى، ما طبيعة “المؤسسية” في إيران؟ ليس مَن يحكم، بل ما البنية التي تنتج سياساتٍ ثابتة يصعب أن تتغير مهما تغيّر شخص المرشد؟

المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي يتحدث خلال اجتماع في طهران، إيران، 24 أغسطس/آب 2025
المرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي يتحدث خلال اجتماع في طهران، 24 أغسطس/آب 2025 (رويترز)

هذه المؤسسة لها اسمٌ يتداوله الإيرانيون: بيت القائد، أو بالفارسية “بيت رهبري”، وهي التي حين يُنظر إليها على حقيقتها تبدو واحدة من أكثر أنظمة البقاء تطورًا ومرونةً في المشهد الجيوسياسي المعاصر. على مدى عقود تحوّلت مؤسسة المرشد، في ظلّ خامنئي الأب، إلى ما يشبه كائن الـ”هيدرا” في الأسطورة الإغريقية، وهو كائن خرافي متعدد الرؤوس، كلما قُطع له رأس نبت مكانه رأسان. ولم تكن نجاة النظام في 28 فبراير/شباط وليدة الصدفة، بل النتيجة الطبيعية لمشروع مؤسسي ضخم استغرق بناؤه أربعة عقود.

لكنّ فهم هذا الكائن يقتضي تشريحه على أربعة مستويات متداخلة تتمثل في علاقة بيت القائد بالحوزة العلمية في قم؛ ودوره في موازنة التيارات السياسية المتنافسة ومنعها من الانزلاق من التنافس إلى الصراع؛ ونموذجه في نسج اقتصاد مدني-عسكري متشابك؛ وأخيرًا الطريقة التي يدير بها العلاقات المدنية العسكرية في أعلى مستوياتها عبر مجلس الأمن القومي.

لكن قبل كل ذلك، علينا أن نعود إلى البداية، إلى العقد الذي وُلدت فيه هذه المؤسسة ولادة متعسرة، لنفهم لماذا انتُخب علي خامنئي تحديدا دون سواه.

الولادة المتعسرة (1980 – 1989)

في عقدها الأول لم تكن الثورة الإيرانية كتلةً واحدة، بل ميدان اقتتالٍ على كل شيء تقريبًا. اختلف الثوار على شكل نظام الحكم، وعلى معنى ولاية الفقيه نفسها، وعلى ما إذا كانت الثورة السياسية يجب أن تُتوَّج بثورة اجتماعية، وعلى الموقف من أمريكا والغرب، وعلى التمرد الكردي في الشمال الغربي، وهو التمرد ذاته الذي يحاول ترامب وإسرائيل اليوم إحياء جذوته. كل ذلك كان يجري تحت غلاف أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، ثم تحت ثقل حربٍ دموية مع العراق امتدت ثماني سنوات كاملة.

تكشف الوثائق الأمريكية المتاحة اليوم أن اقتحام السفارة لم يخرج من فراغ، ولم يكن مجرد اندفاعة طلابية للمساومة على تسليم الشاه، كما اختُصر أحيانا في الرواية الشائعة. كان الإيرانيون قد خرجوا لتوهم من ثورة قامت، في جزء من وجدانها السياسي، على ذكرى الانقلاب الذي أطاحت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا بحكومة محمد مصدق عام 1953 وأعادتا الشاه إلى الحكم. وحين سمحت واشنطن للشاه بدخول الولايات المتحدة للعلاج في أكتوبر/تشرين الأول 1979، قرأ كثير من الثوريين الخطوة باعتبارها تمهيدا لمحاولة إعادة إنتاج المشهد القديم.

زاد من هذا الخوف أن مهدي بازركان، رئيس الحكومة المؤقتة، التقى مستشار الأمن القومي الأمريكي زبغنيو بريجنسكي في الجزائر عشية اقتحام السفارة. لم يكن اللقاء، في ذاته، دليلا على انقلاب يُدبَّر، لكن الطلاب الذين اقتحموا المجمع الأمريكي رأوه علامة على أن رجالا داخل السلطة الجديدة مستعدون لإعادة فتح الباب أمام واشنطن. في اليوم التالي، دخلوا السفارة وهم يرفعون شعار الدفاع عن الثورة من مصير مصدق، ثم تحول اقتحام كان يُفترض أن يكون رمزيا ومؤقتا إلى أزمة رهائن امتدت 444 يوما، بعدما منحها روح الله الخميني غطاءه السياسي.

قدّمت السفارة للثوريين كذلك أرشيفا كاملا للعلاقة الأمريكية بإيران في الأشهر المضطربة التي سبقت الاقتحام. حاول موظفو السفارة إحراق الأوراق الحساسة وفرمها، لكن الطلاب حصلوا على كمية كبيرة منها، وأعادوا تجميع بعضها ونشروها تباعا بوصفها وثائق “وكر التجسس”.

كشفت الملفات، بحسب ما نشرته مجلة “تايم” لاحقا، هوية اثنين من ضباط الاستخبارات الأمريكية العاملين تحت غطاء دبلوماسي. كما أظهرت أن شخصيات من داخل النظام الثوري نفسه، بينها آية الله محمد بهشتي وعلي خامنئي، كانت لها اتصالات بالسفارة قبل سقوط الشاه وبعده. لم يكن هذا مستغربا تماما في دولة لا تزال مؤسساتها قيد التشكّل، لكنه يكشف أن العلاقة مع الأمريكيين لم تكن، حتى داخل المعسكر الإسلامي، خطا فاصلا بسيطا بين متعاونين وأعداء، بل مساحة رمادية انتهت الثورة لاحقًا إلى تجريمها.

طلابٌ إيرانيون يتسلقون جدار السفارة الأميركية في طهران، 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979. وبعد عشرين عامًا، في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1999، صار مبنى السفارة السابق يُخرّج ضباطًا من الحرس الثوري للجمهورية الإسلامية. (الفرنسية)
طلابٌ إيرانيون يتسلقون جدار السفارة الأمريكية في طهران، نوفمبر/تشرين الثاني 1979 (الفرنسية)

بعد أشهر فقط، وقعت محاولة انقلاب نوجه، في يوليو/تموز 1980، والتي منحت قوة جديدة للسردية التي تحذر من مخاطر التدخل الخارجي. فقد شاركت في الخطة وحدات من سلاح الجو وقوات برية وشخصيات مرتبطة بالمعارضة في المنفى، وكان الهدف قصف منزل الخميني ومقار الحرس والسيطرة على المطار والإذاعة والتلفزيون، قبل تسليم السلطة إلى شابور بختيار (آخر رئيس وزراء لإيران تحت حكم الشاه).

كان الدرس المستفاد من نوجه أن الدولة تستطيع النجاة من قطع رأس جهازها الأمني الرسمي ما دامت تملك “ميليشيا” لامركزية موالية قادرة على التعبئة الفورية. وهو الدرس عينه الذي يحكم اليوم ما يُعرف بنظام “الدفاع الفسيفسائي” للحرس الثوري، فحين يُدمَّر مركز القيادة في طهران، تُفعَّل إحدى وثلاثون وحدة إقليمية مستقلة، كلٌّ منها مهيّأ للتصرف كأنه جيشٌ قائم بذاته.

ثم جاء سيل الاغتيالات مع تفجير مقرّ الحزب الجمهوري الإسلامي  -أول أحزاب إيران بعد الثورة- الذي قضى على عدد من قياديي الصف الأول، وفي مقدمتهم آية الله بهشتي، المرشح الأوفر حظًّا حينها لخلافة الخميني. وفي عام 1981 نفسه، دبّرت حركة مجاهدي خلق اغتيال الرئيس محمد علي رجائي ومعه رئيس وزرائه محمد جواد باهنر. هذا الفراغ الدموي في القمة هو الذي مهّد لصعود علي خامنئي إلى رئاسة الجمهورية، ومعه مير حسين موسوي رئيسًا للوزراء. ثنائيٌّ سيفترق لاحقًا افتراقًا حادًّا، فالأول سيصبح أطول مرشد عمرا وأرسخهم مكانة، والثاني سيقود الحركة الخضراء الإصلاحية المعارِضة بعد اتهامات تزوير انتخابات عام 2009.

خبر اغتيال الرئيس محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر من صحيفة اطلاعات الإيرانية (مواقع التواصل)

في تلك السنوات كان معسكر الثورة ينحسر باطّراد، يفقد رموزه واحدًا تلو الآخر، إمّا بالموت اغتيالًا أو بالخروج انشقاقًا. أُزيحت حركة مجاهدي خلق أولًا بسبب سلسلة اغتيالاتها، ولا تزال زعيمتها مريم رجوي تطمح من منفاها للعودة إلى حكم إيران. ثم جاء دور جماعة الفرقان التي أسّسها طالبُ علومٍ دينية لم يبلغ مرتبةً معتبرة، لكنه صاغ قراءةً للإسلام رفعت شعار: “إسلام بلا آخوند، وإيران بلا نفط”، أي إسلام بلا طبقة من رجال الدين الحاكمين، ودولةٌ تتحرّر من ريع النفط الذي يصنع الاستبداد من وجهة نظره. كانت الجماعة تمزج أطروحة الإسلام الثوري التي بشّر بها علي شريعتي بنزعةٍ ماركسية صريحة، ثم تدفع بها إلى أقصاها العنفي.

كان شريعتي، عالم الاجتماع الذي درس في باريس وتشبّع بفكر فرانز فانون وبالماركسية وبنزعة التحرر لدى شعوب العالم الثالث، قد أعاد قراءة التشيّع بوصفه أيديولوجيا ثورية لا مذهبًا للطاعة والانتظار. ميّز شريعتي بين “التشيع الصفوي” الذي استكان للسلطة وتحالف معها وتحوّل إلى لطميات وطقوس تعزية فارغة من مضمونها، و”التشيع العلوي” الأحمر الذي يجعل من مشهد كربلاء فعلًا ثوريًّا متجددًا ضد الظلم، ومن استشهاد الإمام الحسين نموذجًا للتمرّد.

كما أعاد شريعتي تأويل الثنائية القرآنية بين “المستضعفين” و”المستكبرين” بلغةٍ تكاد تطابق الصراع الطبقي، وحصر أعداء الإنسان في ثالوثٍ سمّاه “الذهب والقوة والخداع”، أي الرأسمال والاستبداد والكهنوت. والأخطر أنه طرح إسلاما يقوده “المثقف المستنير” لا “الآخوند”، حتى بدا في محاضراته بحسينية الإرشاد في طهران وكأنه يدرج المؤسسة الدينية التقليدية ضمن منظومة القمع لا ضمن أدوات تحطيمها. هذه البذرة بالذات هي ما التقطته الفرقان بعد موت شريعتي عام 1977، فحوّلته من نقدٍ فكري حادّ إلى مشروع قتلٍ يستهدف رجال الدين الذين رأت فيهم خونةً ركبوا الثورة واستولوا على ثمارها.

***داخلية*** مرتضى المطهري في الوسط المصدر : مؤسسة مطالعات تاريخ معاصر إيران
مرتضى مطهري في الوسط (مؤسسة دراسات التاريخ المعاصر الإيراني)

وكان مرتضى مطهري أبرز ضحايا هذا المنطق، وهو فيلسوف وتلميذ مقرب من الخميني، ومن أبرز محرّري فكره وناشري كتبه، وأول رئيس لمجلس قيادة الثورة. وكان مطهري قد شارك شريعتي منصّة حسينية الإرشاد في بداياتها، لكنه انسحب منها بعد خلافٍ عميق، إذ رأى في طروحات شريعتي اختزالًا للدين في علم اجتماعٍ وأيديولوجيا، وتساهلًا مع النصوص، وطعنًا في طبقة العلماء التي ينتمي إليها. ولمّا انتصرت الثورة، اتخذت منه الفرقان رمزًا لـ”الكهنوت المنتصر”، فاتهمته بأنه سكن في تجريش، حيّ الأثرياء في شمال طهران، وانحاز إلى برجوازية الشاه، وخان وعد الثورة بالعدالة.

وفي الأول من مايو/أيار 1979، بعد أشهرٍ قليلة فقط من سقوط النظام القديم، أردي مطهري برصاص الجماعة في شوارع طهران. بكاه الخميني علنًا ووصفه بأنه “قطعة من بدني”، وصار يوم اغتياله “يوم المعلّم” في إيران. ولم تكتفِ الفرقان به، فقد اغتالت قبله الجنرال محمد ولي قرني وبعده الشيخ محمد مفتح، قبل أن يُلقى القبض على مؤسسها ويُعدَم عام 1980. وفي سياق هذا المدّ الدموي نفسه جاءت المحاولة الشهيرة لاغتيال علي خامنئي عام 1981، التي تركت إحدى يديه مشلولةً حتى وفاته.

أُزيح كذلك ما يمكن تسميته تيار مصدّق وحركة حرية إيران، المتقاطع مع المرجع الأكبر آية الله (محمد كاظم) شريعتمداري، وأبرز رموزه مهدي بازركان أول رئيس وزراء بعد الثورة، وصادق قطب زاده رفيق الخميني في منفى باريس وأول وزراء خارجيته، وخليفته إبراهيم يزدي، وصادق طباطبائي كبير المفاوضين في أزمة الرهائن وصهر نجل الإمام وابن أخت موسى الصدر، وآية الله طالقاني. كان شريعتمداري ومعه مراجع آخرون يرفضون ولاية الفقيه “الواحد” لصالح ولاية جماعةٍ من الفقهاء بلا رأس واحد، فيما نادى طباطبائي بما وُصف بأنه “أسلَمَة” للدستور البلجيكي. وحين تمرّد أنصار هذا التيار تصدّى لهم الحرس الثوري، وانتهى الأمر بإعدام صادق قطب زاده.

غير أن الأزمة التي كشفت، ربما أكثر من غيرها، حدود الخطاب الثوري الإيراني كانت قضية إيران-كونترا. ففي منتصف الثمانينيات، وبينما كانت الحرب مع العراق تستنزف إيران في الرجال والسلاح، دخلت طهران في قناة سرية للحصول على صواريخ وقطع غيار أمريكية المنشأ، نُقلت في مراحلها الأولى عبر إسرائيل وبموافقة أمريكية، في مقابل استخدام النفوذ الإيراني للمساعدة في الإفراج عن رهائن أمريكيين في لبنان كانت واشنطن تعتقد أن جماعات مرتبطة بحزب الله تحتجزهم.

في هذه الصورة المؤرخة في 19 مارس/آذار 1987، يضرب الرئيس رونالد ريغان على جبينه ردًّا على سؤال أحد الصحفيين خلال مؤتمر صحفي أقر فيه بتورّط إسرائيل في قضية إيران-كونترا.
في هذه الصورة المؤرخة في 19 مارس/آذار 1987، يضرب الرئيس الأمريكي رونالد ريغان على جبينه خلال مؤتمر صحفي أقر فيه بتورّط إسرائيل في قضية إيران-كونترا (أسوشيتد برس)

كانت المفارقة فاضحة. فالجمهورية التي بنت جزءا كبيرا من شرعيتها على العداء للولايات المتحدة وإسرائيل وجدت نفسها، تحت ضغط الحرب، تشتري السلاح عبر قناة تشمل العدوين نفسيهما. لم يكن هذا مجرد تناقض أخلاقي في خطاب الثورة، بل كان لحظة كاشفة عن أنه حين يصبح بقاء الدولة مهددا، تستطيع القيادة الإيرانية أن تفصل بين ما تقوله في العلن وما تفعله في السر، وأن تقدم ضرورات الحرب والواقعية السياسية على النقاء الثوري وشعاراته.

كان علي أكبر هاشمي رفسنجاني في قلب هذا التحول. فقد كان رئيس البرلمان، ورجل النظام الأكثر قدرة على التحدث بلغة الدولة حين كان آخرون لا يزالون يتحدثون بلغة الثورة. ابن عائلة من تجار الفستق، القريب من البازار ومن رجال الدين ومن الحرس في آن واحد، فهم مبكرا أن الجمهورية لا تستطيع خوض حرب طويلة اعتمادًا على الخطاب العقدي وحده. كانت الثورة الإسلامية تحتاج إلى السلاح، وإلى المال، وإلى منافذ اتصال مع خصومها حتى لو اضطرت إلى إنكارها أمام جمهورها.

لكن ما بدا لرفسنجاني ضرورة، بدا لتيار آخر خيانة للثورة. ففي الجهة المقابلة كان يقف مهدي هاشمي، المسؤول عن مكتب حركات التحرر في الحرس الثوري، وهو الجهاز الذي حمل في تلك السنوات فكرة تصدير الثورة إلى خارج إيران. لكن الأمر المقلق لقيادة الثورة أن مهدي هاشمي كان قريبا بحكم المصاهرة من آية الله حسين علي منتظري، نائب الخميني والمرشح آنذاك لخلافته.

في خريف عام 1986 خرجت القصة إلى العلن. نشرت مجلة “الشراع” اللبنانية خبر زيارة وفد أمريكي سري إلى طهران، فانفجرت الفضيحة في واشنطن قبل أن تنفجر في إيران. ارتبط اسم مهدي هاشمي منذ ذلك الحين بتسريب الصفقة. أما رفسنجاني، فلم يعد قادرا على إنكار الأمر، فخرج في اليوم التالي تقريبا ليعلن أن مبعوثين أمريكيين قدموا إلى إيران، مقدما الرواية باعتبارها انتصارا إيرانيا لا تنازلا سريا.

كانت تلك لحظة مواجهة حاسمة بين رؤيتين لمستقبل الجمهورية الإسلامية، رؤية تعتبر إيران ثورةً ينبغي أن تظل وفية لعدائها الأصلي مهما كان الثمن، ورؤية ترى أنها أصبحت دولة، وأن الدولة قد تضطر إلى شراء السلاح من خصومها كي تنجو. انتصر منطق الدولة، لكن انتصاره لم يكن بلا ثمن. فقد اعتُقل مهدي هاشمي، وحوكم بعد اعترافات متلفزة، ثم أُعدم عام 1987. ولم يكن سقوطه ضربة له وحده، بل كان بداية إضعاف المعسكر المحيط بمنتظري نفسه.

آية الله حسين منتظري يلقي كلمة يوم 5 فبراير/شباط 1989 بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة الإسلامية (الفرنسية)

ولم يتوقف أثر القضية عند إعدام هاشمي وإضعاف منتظري. ففي مواجهة خصومه داخل المعسكر الثوري، استعان رفسنجاني بالحرس الثوري والأجهزة الأمنية بوصفها أدوات لضبط السياسة الداخلية، لا لحماية الجبهات أو مواجهة أعداء الثورة. وكان ذلك أحد التحولات التي سيرثها خامنئي لاحقًا ويحوّلها إلى قاعدة دائمة في نظام الحكم.

أمّا القضية الثانية فكانت إعدامات صيف عام 1988، وهي الجرح الذي ما زال النظام يتحاشى الاقتراب منه. ففي يوليو/تموز من ذلك العام، بعد أن تجرّع الخميني ما سمّاه “كأس السمّ” وقبِل وقف إطلاق النار مع العراق، اندفعت حركة مجاهدي خلق من قواعدها في الأراضي العراقية في عملية أسمتها “الضوء الخالد”، تراهن على أن انهيار الجبهة سيفتح لها الطريق إلى طهران.

سحق الحرس الثوري ذلك التوغّل في أيام معدودة بعملية “مرصاد”، لكن ما تلا الهزيمة العسكرية كان أخطر منها، إذ صدرت فتوى سرية من الخميني بإعدام السجناء المعتقلين من الحركة. في صدارة اللجنة المنوطة بتلك المهمة، جلس مدع شاب في الثامنة والعشرين اسمه إبراهيم رئيسي (الرئيس الإيراني لاحقا)، نائبا للمدعي العام، إلى جانب القاضي الشرعي حسين علي نيري والمدّعي مرتضى إشراقي وممثّل وزارة الاستخبارات مصطفى بور محمدي، الذي سيغدو بعد عقود وزيرا للعدل في حكومة إصلاحية.

كان ثمن الاعتراض على هذه القضية باهظا، ودفعه أرفع رجل في الدولة بعد الخميني نفسه: آية الله حسين علي منتظري، وريثه المعلَن وقائم مقامه، المرجع صاحب الرتبة الفقهية العالية الذي اختاره مجلس الخبراء ليجلس مجلس الإمام من بعده. كتب منتظري إلى الخميني رسائل غاضبة يحذّره فيها من جريمةٍ تلطّخ الثورة، وقال لأعضاء اللجنة إن ما يفعلونه “أكبر جريمة ارتُكبت في الجمهورية الإسلامية، التي سيحاكمنا عليها التاريخ”.

لم تكن تلك زلّة منتظري الأولى في عين النظام؛ فقد كان قد نجا قبلها بعامٍ من العاصفة التي ضربت معسكره مع إعدام مهدي هاشمي وشقيقه هادي وزوج ابنته، وظلّ في موقعه مرشحا توافقيا يسدّ الفجوة بين اليسار الثوري واليمين البراغماتي. لكنّ موقفه من الإعدامات كان القشّة القاصمة: ففي مارس/آذار 1989، قبل أشهرٍ قليلة من وفاة الخميني، أُجبر منتظري على التنحّي عن موقع الوريث.

وقد فتح غيابه الباب لصعود خامنئي الذي افتقر إلى الرتبة المرجعية التي كان يحملها منتظري، فاستلزم الأمر تلك العملية الجراحية الدستورية التي سمحت بمرشدٍ من غير المراجع الكبار. أمّا الإقامة الجبرية فجاءت لاحقًا، عام 1997، حين تجرأ منتظري على الطعن في صلاحيات خامنئي علنًا، فعُزل اجتماعيا في منزله بقم سنواتٍ طويلة، ليموت عام 2009 أيقونة معنوية للحركة الخضراء.

ظلّ سرّ تلك الحقبة مكتومًا نحو ثلاثة عقود، حتى نشر نجله أحمد منتظري عام 2016 تسجيلا صوتيا لاجتماع والده بلجنة الإعدامات، فأعاد فتح الملف دفعةً واحدة. حُكم على أحمد بالسجن ست سنوات بتهمة “العمل ضد الأمن القومي”. وفي مذكراته يروي منتظري القصة من زاويته فيؤكد أن اعتراضه الأصلي انصبّ على سرّية المفاوضات مع الأمريكيين واستمرار الحرب، ويكشف تفاصيل لقائه برفسنجاني حول تسريب الصفقة، ويسجّل أن خامنئي نفسه دافع عن مهدي هاشمي في البداية قبل أن يتحوّل الرجل إلى “شمّاعة” تُعلَّق عليها تجاوزات الأجهزة كلها، وفق روايته.

وقد أشار رفسنجاني بأن تقرير وزارة المخابرات بحصوله على أكثر من 70٪ من الأصوات دليل على عدم اهليته للرئاسة. مواقع التواصل
هندس رفسنجاني وصول خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى (مواقع التواصل الاجتماعي)

بعد عزل منتظري بشهور، وبهندسةٍ من رفسنجاني، صعد علي خامنئي إلى موقع المرشد الأعلى. ولم يكن ذلك ليكتمل لولا الإجراء الأهم على الإطلاق: مراجعة الدستور عام 1989. فقد ألغت تلك المراجعة منصب رئيس الوزراء ووزّعت صلاحياته بين رئاسة الجمهورية -لصالح رفسنجاني- وبين موقع الولي الفقيه الذي مُنح إشرافا مطلقا على الدولة عبر بيته. لم يكن إلغاء رئاسة الوزراء قرارا تقنيا، بل وسيلة لإزاحة مير حسين موسوي تحديدًا، الذي كان يطرح باستمرار، بتأييدٍ من خامنئي الرئيس، تشريعات عدالة اجتماعية أقرب إلى الأنظمة الاشتراكية، تصطدم دومًا برفسنجاني وكتلته.

وفي الوقت نفسه حُلّ الحزب الجمهوري الذي كان ساحةً لتلك الصراعات، وانشقّ عن التيار الرئيسي جناح أكثر راديكالية سيُشكّل لاحقًا نواة التيار الإصلاحي تحت اسم “مجمع روحانيت مبارز” (مجمع علماء الدين المجاهدين). الآن اكتمل التحول من قيادة كاريزمية تحت الخميني، إلى وصاية بيروقراطية كاملة تحت خامنئي.

يبقى السؤال: لماذا خامنئي تحديدًا؟ إذا اختصرنا أزمات العقد الأول، وجدناها أربعًا متشابكة. أولاها التوتر بين الدولة والحوزة، وبين ولاية الفقيه الواحد وولاية شورى الفقهاء، وصولًا إلى تصورات أسلَمة الدساتير المدنية التي عبّر عنها تيار شريعتمداري وحركة حرية إيران. وثانيتها جدلية الثورة والدولة، أو التوتر الدائم بين الواقعية الدولتية والثورة المستمرة، وهو توتّرٌ يلازم كل ثورة، وعبّر عنه في إيران مكتب تصدير الثورة وما تفرّع عنه من عداءٍ عقائدي لأمريكا وإسرائيل في مقابل تيار اختار تعاملا أكثر براغماتية.

وثالثتها إشكالية العدالة الاجتماعية بوصفها “الثورة غير المنجَزة”، في مقابل حقيقة أن الثورة ما كانت لتنتصر لولا تحالف الرأسمالية الوطنية مع طبقة رجال الدين، وهي إشكالية تتفرّع منها مسألة عدالة التمثيل بين “الشعوب الإيرانية” من فرسٍ وتركمانٍ وأذرٍ وبلوشٍ وعربٍ وكرد. ورابعتها، وهي الأهم، تداخل العسكري والأمني بالسياسي بعد أن استدعى رفسنجاني الحرس والمخابرات إلى الحكم.

كان خامنئي، بعد عقدٍ من تفجّر هذه التناقضات، الشخص الوحيد القادر على لمّها جميعًا تحت مظلة ولاية الفقيه. فهو من عيّن مهدي هاشمي في موقعه أصلًا، وهو من اعترض على إزاحة منتظري قبل الافتراق. وفي مذكرات مطهري عن فترة حسينية الإرشاد، يظهر خامنئي بوصفه الوحيد الذي كان شريعتي يصغي إليه ويحلّ على يده الخلافات. وهو من أيّد على طول الخط مشاريع العدالة الاجتماعية التي طرحها موسوي حتى وصفه أحد رفاق سجنه بأنه “يساري بعمامة”. وهو القريب من رفسنجاني الذي عرض عليه فور انتخابه نيابة المرشد فاكتفى بالرئاسة.

وهو، أخيرًا، الأب الروحي لجيلٍ كامل من قادة الحرس الثوري. هذه الصفات بعينها هي التي جعلته نقطة التوافق، وهي المحدِّدات التي أعاد على أساسها، طوال العقود التالية، نسجَ مؤسسة بيت القائد وتطويرها لتحلّ تلك التناقضات الأربعة واحدًا واحدًا. ويقدم مشروع التاريخ الشفهي الإيراني في جامعة هارفارد، بمقابلاته مع شخصياتٍ عاصرت تلك المرحلة، من بينها مقابلة المؤرخة هما ناطق التي تتوسّع في الجذور اليسارية للمرشد الراحل وعلاقة التيارات الإسلامية بالماركسية، يقدّم خلفيةً لا غنى عنها لفهم كيف صار هذا “اليساري بالعمامة” حَكَمًا بين خصومٍ لا سبيل للتوافق بينهم.

ثلاثة تيارات تحت عباءة المرشد

ثمة خطأ شائع في قراءة السياسة الإيرانية، وهو اختزالها في ثنائية “إصلاحيين ومحافظين”. فالواقع هو وجود إطار ثلاثي المستوى، محافظ، وأصوليّ، وإصلاحي، يمنح الدولة قدرةً على التنقّل بين ضروراتها الاجتماعية والقومية والعقائدية من دون أن تفقد سلامتها الهيكلية. ومن فوق هذه التيارات الثلاثة، حَكَمًا بينها، تعمل مؤسسة بيت القائد، تُخفّض من حرارة التنافس قبل أن يتحول إلى صراع. فالمرشد لا يحكم بمرسوم، بل يدير خلافات النخبة، ويترك الفصائل تتنافس دائمًا داخل بيروقراطية بيته، ضامنًا بذلك ألا يبتلع رأسٌ واحد بقية الرؤوس، ومُبقيًا بيت القائد مساحةً دائمة لتسوية التنافسات.

التيار الأول هو القوميون، أو الأصوليون بالمعنى الواقعي، الذين دشّنهم رفسنجاني تاريخيًّا ويضمّون اليوم وجوهًا كحسن روحاني ومحمد جواد ظريف. هؤلاء الساسة يمكن اعتبارهم براغماتيين يرون إيران دولةً قومية لا مجرد وعاءٍ للثورة الإسلامية، ويعتبرون أن الثورة منحتها الاستقلال عن الهيمنة والتبعية، تمهيدًا لتحقيق مصالحها كأي دولةٍ أخرى من وحدة الأرض، والنفوذ الإقليمي، والبقاء الاقتصادي، وهي على التوالي مصالح وجودية وجوهرية ورئيسية.

وهكذا يقدّم القوميون الأمن القومي بمعناه التقليدي، ويميلون إلى انخراط تكتيكي مع الغرب لتخفيف ضغط العقوبات. وفي الهيكل المؤسسي يعملون كالعقل التكنوقراطي للدولة، يديرون مفاوضات مجلس الأمن القومي المعقدة، ويشرفون على أسطول الظلّ من ناقلات النفط الذي يضخّ العملة الصعبة في شرايين النظام، وهو الدور نفسه الذي سيتبيّن أنه عصب الصمود الاقتصادي في حرب عام 2026.

الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني (الأوروبية)

التيار الثاني هو الإصلاحيون الاجتماعيون، صمّام الأمان. ويمثله “مجمع روحانيت مبارز” الذي انشقّ عن جماعة علماء الدين المجاهدين لأنها لم تكن ثوريةً بما يكفي، فأرادوا أجندة يسارية أكثر راديكالية. أبرز رموزه السيد موسوي خوئينيها، المرجعية الحالية للتيار، ومهدي كروبي، ومير حسين موسوي رئيس الوزراء الإصلاحي الذي رافق خامنئي في سنوات الرئاسة، وحفيدة زهراء إشراقي وزوجها محمد رضا خاتمي، شقيق رئيس إيران الأسبق محمد خاتمي.

هذا التيار هو الوريث التطوري لتيار “خط الإمام” القديم، الذي ركّز في سنوات الحرب على العدالة الاجتماعية الراديكالية وسياساتٍ اقتصادية “شبه اشتراكية”، ثم تحوّل بعد المدّ العالمي نحو “المجتمع المدني ما بعد الماركسي” في التسعينيات إلى فصيل ليبرالي النزعة يركّز على المشاركة والحريات. يعمل هذا التيار كصمام أمان أساسي يجذب الشباب والطبقة الوسطى، ويُبقي على واجهةٍ من الأمل في تغيير تدريجي نحو أجندة حريات مدنية.

أما التيار الثالث، المحافظون، فهو النواة العقائدية للجمهورية، التي ترى الدولة قبل كل شيء “ثورةً إسلامية”. على هذا المستوى دعمت إيران محور المقاومة لمواجهة الاستكبار العالمي، ممثلاً في الولايات المتحدة وإسرائيل، وعدّت المواجهة عقيدةً غير قابلة للتفاوض تتجاوز الحسابات الاقتصادية البراغماتية، التزاما بالوصية السياسية للخميني. هذا التيار يمثّله اليوم سعيد جليلي، ممثل المرشد في مجلس الأمن القومي، والرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، ويعبّر عنه حزب “ثبات الثورة”.

ويمكن إدراج الأخوين لاريجاني (الراحل علي لاريجاني وشقيقه صادق لاريجاني)، ووزير الخارجية الحالي عباس عراقجي، ورئيس البرلمان باقر قاليباف، في خانة “الأصولي المحافظ”، أي الذين يطرحون تصورات الأمن القومي لإيران كدولة، لكن ضمن مبادئ الثورة. والمرجعية الفكرية لهذا التيار آية الله مصباح يزدي، المرجع الذي يُعدّ أيضًا الأب الفكري لحزب الله، والأهم، الأستاذ الفقهي والعقائدي للمرشد الجديد مجتبى خامنئي.

سعيد جليلي يتحدث خلال المحادثات حول برنامج إيران النووي في مدينة ألماتي الكازاخية، 27 فبراير/شباط 2013.
سعيد جليلي يتحدث خلال المحادثات حول برنامج إيران النووي في مدينة ألماتي الكازاخية، 27 فبراير/شباط 2013 (الفرنسية)

في دراسته “السياسات الفئوية في إيران ما بعد الخميني” الصادرة عن جامعة سيراكيوز، يوضّح الباحث مهدي مسلم كيف تشكّلت هذه الفصائل في عهد خامنئي الرئيس بين عامَي 1981 و1989 داخل الحزب الجمهوري قبل حلّه، وكيف تطورت بعد وفاة الخميني، ويؤكد أن المشهد لا يُختزل في ثنائية إصلاحي/محافظ، بل هو تفاعلٌ معقّد بين يمينٍ ويسارٍ ويمينٍ حديث ويسارٍ حديث.

ويلتقي هذا مع ما يرويه دانيال برومبرغ في كتابه “إعادة ابتكار الخميني”، من أن الصراع بين رفسنجاني ورئيس الوزراء موسوي حول الحرب والسياسة الاقتصادية والانفتاح كان أحد أهم أسباب حلّ الحزب الجمهوري، إذ كان الحزب “معقلًا للنشاط الراديكالي” الداعم لموسوي وسياساته الأقرب إلى الاشتراكية. أما يوميات رفسنجاني نفسه فتبقى المصدر الأدقّ لتتبّع تشكّل التيار الأصولي بالتوازي مع تطور الدولة في علاقتها ببيت القائد. وهنا تحديدًا، في كيفية إدارة هذه التيارات الثلاثة وفي ضبط العلاقة مع الحوزة، يبدأ المدخل الأول لفهم كيف تحوّل بيت المرجع إلى مؤسسة دولة.

جدير بالذكر أن هذه التيارات الثلاثة ليست حِكرًا على الساحة المدنية، بل موزّعة كذلك داخل الحرس الثوري نفسه، درع النظام الأصلب. وأبلغ المفارقات أن قاسم سليماني، قائد الظل وأشهر جنرالات الحرس، الذي اغتالته إدارة ترامب الأولى في العراق مطلع عام 2020، كان يحمل توجها إصلاحيا بوجه من الأوجه.

وليس هذا تكهّنًا مطلقا؛ فقد دعم علنًا مرشّح التيار الإصلاحي في محافظته كرمان خلال الانتخابات البرلمانية. ويُروى عنه أنه كان يخطّط، بعد تقاعده من الحرس، للترشّح للرئاسة على غرار الجنرال أيزنهاور في الولايات المتحدة وديغول في فرنسا. والخلاصة أن قسمة التيارات الثلاثة تسري على الأرجح داخل قيادة الحرس الثوري كما تسري في طبقة السياسيين.

من بيت مرجع إلى مؤسسة دولة

في حياة الخميني كان “بيت رهبري” لا يختلف كثيرًا عن بيت أي مرجع، مكتبٌ يستقبل الفتاوى ويتلقّى الزكاة والخمس والصدقات ويوزّعها على مصارفها الشرعية، ويشرف على التعليم الديني للتلاميذ، ويوصل المبلّغين وأئمة المساجد إلى المناطق التابعة لمرجعيته، يديره نجله أحمد. لم يكن، بيت الخميني بأي حال، مؤسسة لإدارة الدولة.

ذلك التحول من مكتب مرجعية إلى جهاز حكم هو ما أنجزه خامنئي على مدى سبعة وثلاثين عامًا، وهو ما حفظ وحدة الدولة الإيرانية طوال تلك المدة، وما زال يحفظها في خضمّ الحرب الراهنة. وفي مذكرات محمد ريشهري، أول مدير للمخابرات بعد إعادة تأسيسها ثم مدير الأمن في بيت القائد مع انتخاب خامنئي، رواية من قلب الجهاز الأمني عن كيفية تشكّل هذه المؤسسة بالتوازي مع تشكّل جهاز الاستخبارات نفسه.

لفهم هذه المؤسسة كما هي اليوم، لا بد من إدراك موقع المرشد المتداخل بين حلقاتٍ عدة. فالهيئة التي تنتخبه وتراقبه وتراجع سياساته، بل تملك سلطة عزله نظريا، هي مجلس خبراء القيادة، بأعضائه الثمانية والثمانين المنتخَبين مباشرة من الشعب، والذين عادةً ما يُختار المرشد من بينهم. ولا تعمل العملية التشريعية في إيران عبر مجلس الشورى وحده. فكل قانون يقره البرلمان يمر على مجلس صيانة الدستور، وعند تعذر التوافق بينهما يتدخل مجمع تشخيص مصلحة النظام.

فمجلس الشورى يسنّ القوانين؛ ومجلس صيانة الدستور هو الذي يراجع مدى مطابقة تلك القوانين للشريعة ويعترض على ما يخالفها، وأعضاؤه اثنا عشر، يعيّن المرشد نصفهم ويُنتخَب الباقون من البرلمان بعد ترشيح رئيس القضاء. بينما مجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي يفصل في التعارض بين المؤسستين كأنه محكمة دستورية عليا، بأعضائه الواحد والثلاثين الذين قد يبلغون خمسة وثلاثين، كلهم بتعيين المرشد عدا رؤساء السلطات الثلاث. في كل هذه الحلقات، يدُ المرشد حاضرة.

هيكلة بيت القائد (الجزيرة)

كان أول التناقضات التي عالجها هذا التصميم هو علاقة الحوزة بموقع الولي الفقيه، وهو التوتر ذاته الذي فجّره تمرّد أتباع شريعتمداري، والحل جاء داخل الحوزة نفسها، بإنشاء “جمعية مدرّسي حوزة قم”. وهي أشبه بهيئة كبار العلماء في الأزهر مثلا: أربعمئة عضو، جمعية مسجلة رسميا، لكن عضويتها تكون بالانتخاب المباشر ممن بلغوا في السلك الحوزوي مرتبة الاجتهاد أو التصدّي للتدريس.

هؤلاء هم من يختار المرشد منهم غالبية تعييناته في مجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور، إضافةً إلى مواقع كإمامة الجمعة في طهران ومشهد، مع تعيينات موازنة تُمثّل التيارات التي لم تظفر بالأغلبية. وخارج الجمعية، يعيّن المرشد نافذين مثل الراحل علي لاريجاني وأخيه صادق – العضو السابق فيها- وشخصيات مقربة كعلي شمخاني وسعيد جليلي، عادةً حين يخفقون في الانتخابات. أما الجهاز الذي ينسّق هذا كله فهو معاونية الشؤون الحوزوية والدينية في بيت القائد، التي تتولّى التنسيق مع جمعية مدرّسي قم ورؤساء الحوزات لتأمين مواقعهم في تلك المؤسسات.

“تحولت العتبة الرضوية إلى مؤسسة وقفية واقتصادية ضخمة تتقاطع فيها الرمزية الدينية مع الاستثمار والعمل الاجتماعي”

ثمة طبقة أعمق يجب استيعابها هنا، وهي الاستقلال المالي والاجتماعي للحوزات ومراجع التقليد عن الدولة. فمرجع التقليد مؤسسة اجتماعية تقوم على زكوات مقلّديه وأخماسهم وصدقاتهم، وهو -لا الدولة- من يسمي المبلّغين وأئمة المساجد ومؤدّي الشعائر. ومن هنا يكون تأثيره غير مباشر لكنه حاسم، فلا يصرّح المرجع بدعم مرشّحٍ بعينه، لكنه يستقبله ويثني على تدينه وصلاحه، فيُفهَم ذلك إيماءة لمقلديه. وفوق هذا المستوى الاجتماعي تأتي أهمّ المؤسسات: العتبة المقدسة الرضوية، أو الوقف الرضوي، التي تدير أوقاف ضريح الإمام الرضا في مشهد، وهي ربما أقدم أوقاف إيران، تعود إلى الدولة الصفوية أو أقدم.

أُعيد توسيع دورها بعد الثورة، وخصوصًا في عهد خامنئي، حتى تحولت إلى مؤسسة وقفية واقتصادية ضخمة تتقاطع فيها الرمزية الدينية مع الاستثمار والعمل الاجتماعي. يعيّن المرشد رئيسها مباشرة، لكن تحته شبكةٌ هائلة تدرّ أصولًا بمليارات الدولارات، وتغطّي جزءًا كبيرًا من العمل الخيري والأهلي بل والبحثي الأكاديمي في إيران. ومن دلالة أهمية هذه المؤسسة أن خامنئي عيّن إبراهيم رئيسي على رأسها عام 2016، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى رئاسة السلطة القضائية ثم رئاسة الجمهورية، ويصبح أحد أبرز الأسماء المطروحة لخلافة المرشد قبل مقتله في حادث تحطم طائرة. هكذا، من خلال مكتب القائد، وُجد الحلّ المؤسسي المستدام لمعضلة الدولة والحوزة.

هندسة التوازن: مجمع تشخيص مصلحة النظام

المستوى الثاني من عمل المؤسسة هو الموازنة داخل مجمع تشخيص مصلحة النظام. ويكفي تتبّع تركيبته لإدراك المنطق العميق للنظام. وتكشف تركيبة المجمع عن رجحان واضح للمعسكر المحافظ والأمني، فرئاسته لصادق لاريجاني، وأمانته لمحمد باقر ذو القدر، القائد السابق في الحرس الثوري والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي حاليا خلفا لعلي لاريجاني، كما يضم وجوهًا من وزن محسن رضائي وسعيد جليلي وعلي أكبر ولايتي وأحمد وحيدي. وفي مقابل هذا الثقل لا يظهر الإصلاحيون إلا بحضور محدود، مثل محمد رضا عارف ومجيد أنصاري.

بهذا يمكن القول إن مجمع تشخيص مصلحة النظام مصمم ليكون ثقلا وازنا دائما، في مواجهة رئاسةٍ منتخَبة وحكومةٍ قد تتغير توجهاتها. وهكذا يفعّل المرشد التوازن، وحين لا يحقّق تيارٌ أغلبيةً في الرئاسة أو البرلمان، وهو الغالب، إذ نادرًا ما تُفرز البرلمانات الإيرانية أغلبية صريحة، يُعيد المرشد ضبط الكفّة عبر التعيينات في المجمع، فيمنح الخاسرَ في صندوق الاقتراع وزنا في صندوق التعيين.

بل إن هذا التوازن قد يُقدَّم على صوت الجماهير نفسه، إذ يتحكّم مجلس صيانة الدستور، الذي يعيّن المرشد نصفه، في قبول المرشحين أو استبعادهم من السباق أصلًا. وهكذا ما وصفه الراحل مصطفى اللبّاد، في كتابه “حدائق الأحزان”، بأن حكم إيران الأول كان حكما ثنائيا بين رفسنجاني وخامنئي، أو ترويكا ثلاثية إن أُضيف الحرس الثوري.

 صادق لاريجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام منذ 2018، وأحد أبرز الوجوه المقرّبة من المرشد. (الصحافة الإيرانية)
صادق لاريجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام منذ 2018 (الصحافة الإيرانية)

أبلغُ مثالٍ على هذه الهندسة هو ما جرى مع علي لاريجاني. فالرجل كان موضع ثقة المرشد الراحل المطلقة، ومفوّضه في أعقد الملفات وأشدّها حساسية: المفاوضات النووية في إحدى مراحلها، واتفاقية التحالف الإستراتيجي مع الصين، وملفّ شديد التعقيد هو موقف إيران من سلاح حزب الله والضغوط لتفكيكه بعد الضربات الثقيلة التي تلقّاها في حرب طوفان الأقصى، بل تابع قبل ذلك مشاركة الحزب في معركة الطوفان نفسها. وتُوّجت هذه الثقة بتعيينه أمينًا عامًّا لمجلس الأمن القومي، ثم بوصية خامنئي التي جعلته، حال مقتله، المشرفَ على الدولة -أي مدير بيت القائد فعليا- ريثما يُنتخَب مرشدٌ جديد.

ومع كل هذا الرصيد، كان قرار مجلس صيانة الدستور استبعاد لاريجاني من الترشّح للرئاسة. والسبب لم يكن انعدام الثقة، بل فائضها المقلوب. ولعل ما كان خامنئي يريده هو تمهيد الطريق لفوز الإصلاحيين ومرشّحهم بزشكيان، حتى تنحلّ العقدة المستمرة معهم منذ انتخابات عام 2009، ويتجدّد ذلك التوازن السياسي الذي يحفظ إيران. هكذا يُستبعَد الأقوى لا لضعفه، بل لأن قوّته كانت ستكسر التوازن على الأرجح.

القلب الفكري: حرب المستضعفين

ربما يكون الإرث الأعمق للمرشد الراحل هو ما عُرف داخل إيران بـ”الاقتصاد المقاوم”، وهو في جوهره الشقّ الاقتصادي للحرب الدائرة اليوم. صاغ خامنئي المصطلح ردًّا على بدء العقوبات والحصار قبل أكثر من ربع قرن: فمقابل حرمان إيران من قائمةٍ طويلة من مدخلات الإنتاج والتصنيع والتصدير تشمل كل شيء تقريبًا، رُفع شعار “صُنع في إيران” في كل شيء.

يقوم النموذج على طبقاتٍ متراكبة. في الأساس وفرةٌ نفطية وغازية، وإلى جانبها وفرةٌ زراعية وغذائية في محاصيل استراتيجية كالقمح، والمفارقة أن تقنيات “الثورة الخضراء” الزراعية دخلت إيران في عهد الشاه بفضل تعاونٍ مع إسرائيل التي كانت رائدةً في هذا الحقل بالمنطقة. فوق هذه القاعدة تنهض صناعاتٌ ثقيلة كثيفة الاستهلاك للطاقة والعمالة مثل صناعات الحديد والفولاذ والإسمنت والألمنيوم والبتروكيماويات، حتى صارت إيران تكاد تغطّي حاجة بعض جيرانها في هذا القطاع.

ثم تأتي طبقة الصناعات التحويلية ذات المدخل التكنولوجي في النقل — السيارات والقطارات والسفن، مع طموحٍ لم يَخمد لدخول صناعة الطيران. وفي القمّة طبقة التقانة العالية، التي نرى ثمارها العسكرية اليوم في برنامجٍ صاروخي باليستي ودقيق التوجيه، وفي أسراب المسيّرات، وفي قدراتٍ سيبرانية مذهلة لدولةٍ متوسطة خاضت هذا الميدان بالاعتماد الذاتي والهندسة العكسية.

لكن التحول العسكري ليس إلا الوجه الظاهر، فإيران قطعت أشواطًا في تكنولوجيا الفضاء والأقمار الصناعية وهندسة الاتصالات المتزامنة مع البرنامج الصاروخي، وبدأت تخطو في الذكاء الاصطناعي (كان من آخر توجيهات المرشد الراحل الأمرُ بإنشاء وكالة قومية له) وفي إنترنت الأشياء والنانوتكنولوجي والهندسة العكسية للدواء على النموذج الهندي، حتى أنتجت نسخًا محلية من أدويةٍ احتكرها الغرب، ولقاحاتٍ للسرطان، وكانت من قلّةٍ في العالم طوّرت لقاحا خاصا لكورونا.

هنا تحديدًا يكمن، من زاويةٍ تحليلية، جوهر الصراع الراهن في بُعده الاقتصادي. فلو أن الاتفاق النووي اكتمل أيام إدارة أوباما، أو جُدِّد ورُفع الحصار كاملا، لما كان من المستبعد أن نجد أنفسنا أمام صعود اقتصادي إيراني يغزو الأسواق المحيطة مع إفراجٍ متزامن عن مليارات الأصول الإيرانية المجمّدة دوليًّا، وخصوصًا تلك المرتبطة بالكيانات الاقتصادية للحرس الثوري.

هذا وحده كان كفيلًا بتقليص الفجوة الاقتصادية بين إيران وعدوّها الإقليمي الرئيسي، إسرائيل. ومن هذه الزاوية يظهر استهداف البنية الصناعية والعسكرية الإيرانية أن الصراع يدور أيضًا حول تقويض قدرة طهران على تحويل سنوات العقوبات إلى نموذج إنتاج وصمود طويل الأمد. وهنا تكتمل المقارنة بالتجربة الناصرية، التي حقّقت قفزاتٍ صناعية لا على وفرةٍ نفطية بل على عائدات قناة السويس بعد تأميمها، وكانت تمشي الخطوات نفسها رغم تعثّرها.

معرض للصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية بما في ذلك الصواريخ والمسيّرات المستخدمة في الهجوم على إسرائيل، في مركز المعرض الدائم لحديقة الطيران والفضاء التابع للحرس الثوري بالعاصمة طهران، إيران، في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
معرض للصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية في طهران – نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (وكالة الأناضول)

لم يُترك هذا المستوى للحكومات المتعاقبة، بل أشرف عليه بيت القائد مباشرة عبر ثلاث مؤسساتٍ متفرّعة منه. أولاها العتبة الرضوية التي مرّ ذكرها. وثانيتها “مؤسسة المستضعفين” (بنياد مستضعفين)، الكيان الاقتصادي الاجتماعي الضخم التابع للمرشد، الذي تأسّس بُعيد الثورة لمعالجة تعويضات ضحايا الحرب مع العراق قبل أن يتضخّم إلى إمبراطورية تضمّ بنوكًا بمليارات الأصول، وشركاتٍ صناعية كشركة فولاد مباركة للفولاذ -التي استهدفت مصانعها خلال الحرب الراهنة- وشركاتٍ زراعية ودوائية وعقارية، إلى جانب شبكةٍ واسعة من المستشفيات والمدارس والإسكان الاجتماعي.

أما ثالثتها فهي “مؤسسة تنفيذ أمر الإمام” (ستاد اجرائي فرمان إمام)، التي نشأت أصلًا للإشراف على مصادرة ثروات عائلة الشاه وأثرياء نظامه ووضعها في خدمة الشعب على نحو يذكّر بلجان تصفية الإقطاع والتأميم في مصر الناصرية ثم تفرّعت إلى شركاتٍ في مجالات النفط والكهرباء والمياه والتجارة والنقل والمقاولات. ويمكن أن يُضاف إليها كيانٌ كـ”بنياد بركت”، الذي صار بنكُه الذراعَ الرئيسية لدعم ريادة الأعمال في إيران، من القروض متناهية الصغر إلى الاكتتاب العام، مع عوائد تعود إلى الأوجه ذاتها: الإسكان وفرص العمل والمستشفيات والفصول الدراسية، وبتركيزٍ على المناطق الريفية والمحرومة.

ثلاث ملاحظاتٍ تشدّ هذا البناء. الأولى أن هذه المؤسسات بدأت بأهدافٍ بسيطة قبل أن تتضخّم وتتفرّع. والثانية أنها مساحةٌ فوق سياسية يلتقي فيها التيارات جميعًا؛ فمن تعاقبوا على إداراتها يجمعون بين الإصلاحي محمد شريعتمداري، الذي حوّل الاقتصاد المقاوم إلى أطروحةٍ علمية ويدير اليوم شركة صناعة الكيماويات في الخليج الفارسي، والمحافظ محمد مخبر، نائب الرئيس الراحل رئيسي في آخر مناصبه. أما الملاحظة الثالثة، فهي أن الشريك المستدام في كل هذه المؤسسات كان دومًا الحرس الثوري عبر ذراعه الاقتصادي.

وهنا نعود إلى لحظة انتخاب خامنئي، فكما أدخل رفسنجاني الحرس والمخابرات إلى السياسة ضد منتظري ومهدي هاشمي، أدخلهم خامنئي إلى الاقتصاد شركاءَ دائمين، في الاتصالات والنفط والكهرباء والصناعات الثقيلة -وأشهر تجلّيات ذلك مثلا بيع 51% من شركة الاتصالات الإيرانية عام 2009 لمجموعة شركاتٍ تابعة لمؤسسة تنفيذ أمر الإمام وبنياد التعاون التابع للحرس. ومن خلال هذا التزاوج اقترن تقدّم الاقتصاد عالي التقانة بشقّه التصنيعي العسكري بنظيره المدني.

بيت المرشد – الملف الاقتصادي (الجزيرة)

وهنا تظهر إحدى مفارقات الحرب الحالية. ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث، أواخر مايو/أيار ومطلع يونيو/حزيران، عن إمكان التوصل إلى اتفاق مع طهران، كانت الحرب تكشف أن أوراق القوة لا يملكها فقط من يملك الصاروخ الأدق، بل من يستطيع إنتاج مزيد منه، ومن يستطيع تحمّل كلفة اعتراضه، ومن تنفد مخازنه أولا.

لا تحتاج إيران إلى أن تتفوق تكنولوجيا على الولايات المتحدة أو إسرائيل كي تفرض هذه المعضلة. يكفي أن تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والمسيّرات، وأن تطلقها بوتيرة تدفع خصومها إلى استهلاك اعتراضات أكثر كلفة وأبطأ تعويضًا. فصواريخ باتريوت وثاد ومنظومات الاعتراض الأخرى ليست بلا حدود، ولا تُنتج بالسرعة نفسها التي يمكن بها تصنيع مسيّرات هجومية منخفضة الكلفة أو إعادة إطلاق رشقات صاروخية متتابعة. وقد كشفت الحرب بالفعل أن الدفاع الجوي الأمريكي والإسرائيلي قادر على اعتراض جانب كبير من الهجمات الإيرانية، لكن ذلك النجاح نفسه يأتي بثمن مالي وصناعي يتراكم كلما طال أمد المواجهة.

“شبكة التصنيع العسكري والاقتصاد الموازي التي راكمتها إيران تحت العقوبات لم تكن هامشا في بقاء النظام، بل جزءا من قدرته على إطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها على خصومه”

ويمكن فهم جانب من هذه المعادلة من خلال فكرة استخدمها إيلون ماسك في “سبيس إكس”، وأطلق عليها “مؤشر الغباء”، وهي أن تقارن كلفة المكوّن المصنع بكلفة مادته الخام، ثم تسأل أين تتراكم التعقيدات والنفقات التي يمكن الاستغناء عنها. لم تبنِ إيران برنامجها الصاروخي على نموذج ماسك، ولم تخرج من البيئة نفسها التي خرجت منها شركة فضاء أمريكية خاصة. لكن العقوبات دفعتها، على مدى عقود، إلى منطق قريب في نتيجته: تقليص الاعتماد على سلاسل توريد خارجية، وتطوير بدائل محلية، وبناء أسلحة يمكن إنتاجها واستخدامها بأعداد كبيرة، حتى إن كانت أقل تطورا من نظيراتها الغربية.

ولعل أكثر الصور دلالة على انقلاب المعادلة أن الولايات المتحدة نفسها لجأت إلى تقليد أحد أنجح الأسلحة الإيرانية منخفضة الكلفة. فقد نشرت مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه تحمل اسم “لوكاس”، صُممت بعد دراسة المسيّرة الإيرانية “شاهد-136”، وتبلغ كلفة الواحدة منها نحو خمسة وثلاثين ألف دولار.

غير أن هذه الميزة الإيرانية لا تعني أن طهران تستطيع مواصلة الحرب بلا حدود، ولا أن الولايات المتحدة وإسرائيل على وشك نفاد سلاحهما. فقد تراجعت كثافة الهجمات الإيرانية بعد الأيام الأولى من الحرب، كما تراجعت معها كلفة الاعتراض اليومية. لكن ما ظهر بوضوح هو أن شبكة التصنيع العسكري والاقتصاد الموازي التي راكمتها إيران تحت العقوبات لم تكن هامشا في بقاء النظام، بل جزءا من قدرته على إطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها على خصومه.

مجتبى خامنئي
المرشد الإيراني مجتبى خامنئي (الصحافة الإيرانية)

إيران لا تسمّي ذلك “اقتصاد الأغبياء”، بل “حرب المستضعفين”، والتصميم الذي أشرف عليه بيت القائد سبعة وثلاثين عاما ربما هو ما يعتمد عليه المرشد الجديد للخروج من هذه الحرب. وثمة دراساتٌ عديدة تقارب الكفاءة الاقتصادية للبرنامج الصاروخي الإيراني واستدامة اقتصاد حربه؛ بل إن تحليلًا روسيًّا وصف النظام كله بأنه “بوليديكتاتورية”، أي نظام متعدد القوى تحت سقف مؤسسة المرشد، ثم استعاد، في وصف ارتباط مؤسسة المستضعفين بالحرس الثوري، صورة وحش الهيدرا الذي تنبت رؤوسه مضاعفةً كلما قُطع له رأس.

لكن لهذا النموذج حدّه الآخر القاطع. فلأنه نشأ ردًّا على الحصار، كان لا بد أن يكون الحرس الثوري شريكَه الدائم، لأنه وحده يملك القدرة على بناء أسطول ظل هائل وشبكات بالغة التعقيد للتهريب والهندسة العكسية لتجاوز العقوبات. غير أن شبكات بهذا الحجم عادة ما تبتلع الاقتصاد الرسمي؛ فلا يصمد أمامها مهما تشدّدت آليات الرقابة. ومع تعاقب السنين، يتحوّل أسطول الظلّ من آلية استخبارات اقتصادية لمجابهة العقوبات  إلى إرث للقائمين عليه أنفسهم، فلا يسمحون بتفكيكه.

حين يتقاسم العسكريون والمدنيون السلطة

يأخذنا ذلك إلى مسألة تنظيم العلاقات المدنية-العسكرية في صناعة القرار الأعلى عبر مجلس الأمن القومي الإيراني، وهو بدوره من مستحدثات المرشد الراحل. تركيبته معقّدة: يضمّ الرئاسة والمخابرات العامة والحرس الثوري وقيادة الجيش ووزارة الخارجية والسلطة القضائية ومجمع تشخيص مصلحة النظام، ويتبع مكتب القائد الذي يحضره مباشرةً أو عبر ممثّله سعيد جليلي، فيما تولّى أمانته العامة علي لاريجاني (والآن خليفته باقر ذو القدر).

بخلاف تركيبة المجلس، يتداخل معه (أو يشرف عليه) نسيجٌ من المعاونين والمستشارين تختلط فيه الخطوط الأمنية بالعسكرية: فممثّل القائد العسكري هو علي عبد اللهي، قائد مقرّ خاتم الأنبياء الذي يُعدّ هيئة الأركان الخاصة بالمرشد بمعزل عن هيئة الأركان العامة، بينما مستشاره العسكري هو محسن رضائي قائد الحرس الأسبق، ومستشاره الأمني كان علي شمخاني الذي سبق لاريجاني في الأمانة العام للمجلس، قبل أن ينتقل لرئاسة مجلس الدفاع.

سرّ هذه التركيبة الفريدة أن المجلس يعالج ملفاته ضمن ما يُعرف بـ”الكراسي”. فالملف الواحد -فلسطين مثلًا، أو المفاوضات النووية- يتداخل فيه عددٌ من الجهات: الخارجية والحرس والمخابرات والرئاسة والجهات الاقتصادية، فتتشكّل لجنةٌ تشرف عليه، ويُختار لها رئيسٌ بتوافق أعضائها أو بأمر المرشد، يُسمّى مسؤول “كرسي” ذلك الملف.

وكان معروفًا أن مسؤول كرسي سوريا مثلا لم يكن قائد الحرس هناك، رضا زاهدي الذي اغتيل في الضربة الإسرائيلية على السفارة الإيرانية بدمشق، بل كان قاسم سليماني نفسه، قائد فيلق القدس. فطبيعة الملف السوري الشديدة التعقيد جعلته واسطة العقد في سلاسل الميليشيات التي نسجها سليماني عبر عشرين عامًا حول إسرائيل “حلقة النار” وما يرتبط بها من تبعات الحرب ضد تنظيم الدولة وملف حزب الله، فاقتضت أن يكون مسؤولها قائد الفيلق لا قائد الحرس في سوريا ولا حتى وزير الخارجية.

أما كرسي إسرائيل فيُرجَّح أنه بيد وزير المخابرات الحالي إسماعيل خطيب – وهو نفسه تدرّج من بيت القائد، إذ كان “كبير المراقبين” فيه، في موقعٍ يجمع الإشراف الاستخباري على البيت بالمراقبة المالية لمؤسساته الاقتصادية – لأن التعامل مع إسرائيل يحتاج إلى هيمنة الجانب الاستخباري المحض. وكرسي النووي على الأرجح بيد وزير الخارجية عراقجي.

ولم يخلُ ذلك من تنازع على الصلاحيات، كالذي دب بين سليماني ومسؤول ملف فلسطين في الحرس، سعيد إيزادي الذي عرفه الفلسطينيون باسمه الحركي “الحاج رمضان”، في المساحات المتشابكة بين الساحتين اللبنانية والسورية. هكذا، عبر توزيع الكراسي، استوعب بيت القائد تدخّل الحرس في السياسة، ذلك التدخّل الذي استُجلب أصلًا، كما في مفتتح هذه القصة، ليكبح الجيش لا لكي يحكم.

علي لاريجاني @ من حسابه على اكس - @alilarijani_ir
علي لاريجاني (حسابه على إكس)

وهنا تعود مفارقة لاريجاني إلى الواجهة الذي كان مدنيا اختير أمينًا لمجلسٍ يشرف على العسكر، يعاونه مدني آخر هو جليلي ممثلًا للمرشد ومستشارًا للأمن القومي. وهي معادلةٌ يجب تتبّع مصيرها مع المرشد الجديد والقيادة الإيرانية التي صعدت في ظل الحرب. لكن فوق هذه الطبقة طبقةٌ أعلى يمثلها المجلس الإستراتيجي الأعلى للعلاقات الخارجية، والذي كان يرأسه كمال خرازي حتى اغتياله.

فإذا كان مجلس الأمن القومي يعالج التحديات الراهنة، فإن الإستراتيجي يضع “إستراتيجية لعبة الأمم” تحت إشراف المرشد، في التعامل مع واشنطن وأوروبا والصين وروسيا والهند، بخططٍ طويلة الأمد، يحوّلها مجلس الأمن القومي بعدئذٍ إلى سياساتٍ مرحلية تنفّذ كل دائرةٍ نصيبها منها. وكان آخر ما استحدثه المرشد على هذا الصعيد مجلسُ الدفاع الأعلى، الجامع للمستويين، الذي عهد برئاسته إلى علي شمخاني بعد حرب الاثني عشر يومًا، والذي قُتل في مطلع الحرب الحالية. والمجلس ليس جديدًا بالكلية، فقد وُجد إبّان الحرب مع العراق، لكن المرشد أعاد إحياءه ليكون الجهة العليا المشرفة على هذه الحرب وجولاتها، جامعا تلك البنية التي وصفها وزير الخارجية عراقجي بـ”الفسيفساء”.

لكن الحرب لم تترك هذه المعادلة على حالها. فبعد اغتيال علي لاريجاني في 17 مارس/آذار، اختارت طهران محمد باقر ذو القدر، القائد السابق في الحرس الثوري وأمين مجمع تشخيص المصلحة، خلفًا له في مجلس الأمن القومي. بدا الاختيار كأنه يكشف ميل المؤسسة، تحت ضغط الحرب، إلى تقليص مساحة الوسيط المدني لمصلحة الرجل الأمني القادم من قلب الجهاز الصلب.

تلك البنية العنقودية هي بالضبط ما يضمن لإيران الصمود في هذه المرحلة. فهي تعالج ضعفها في تكنولوجيا المراقبة والاستطلاع والحرب الإلكترونية أمام أمريكا وإسرائيل، وهشاشتها أمام الاختراق الاستخباري، بأن تجعل وحداتها قادرةً على العمل كجزرٍ منعزلة حين تقع الاغتيالات والضربات، ومتصلةً في الوقت نفسه بالقرار الأعلى عبر مجلس الدفاع، تغذّيه بالمعلومة الراجعة وتتلقّى منه التوجيه. فحتى حين يُقطع رأسٌ في طهران، تبقى “الفسيفساء” قادرةً على التشغيل، وتعيد تشكيل القمة من جديد.

الفسيفساء في انتظار سيّدها الجديد

عاد بنا هذا التشريح إلى حيث بدأنا، إلى ليلة 28 فبراير/شباط، وإلى الأسبوع الذي فصل بين مقتل المرشد وجلوس ابنه في موقعه. ما يبدو من الخارج معجزةً في البقاء، ليس في الداخل سوى آخر اختبارٍ لآلةٍ صُمّمت طوال سبعة وثلاثين عاما لهذه اللحظة بالتحديد. ليكون أهم أدوارها أن توزّع السلطة على رؤوسٍ كثيرة حتى لا يقتل سقوطُ أحدها الجسد، وتربط اقتصاد المستضعفين بصواريخ المستضعفين برباط واحد يصعب فكّه.

غير أن المؤسسة التي تنجح في حفظ الثابت لا تُجيب بالضرورة عن سؤال المتغيّر. فمجتبى خامنئي يرث الفسيفساء كاملةً، يرث جمعية مدرّسي قم والعتبة الرضوية وبنياد المستضعفين وأسطول الظل ومجلس الدفاع وكراسي الملفات؛ لكنه لا يرث بالضرورة شبكة العلاقات الشخصية التي نسجها أبوه خيطًا خيطًا، ولا قدرة الأب على أن يكون في آنٍ واحد “يساريا بعمامة” وأبًا روحيًّا للحرس. أستاذه الفقهي مصباح يزدي يضعه في قلب التيار المحافظ، لا فوق التيارات حَكَمًا بينها كما كان أبوه.

فهل تكفي المؤسسةُ وحدها، حين يغيب الرجل الذي صمّمها على مقاس تناقضاتها؟ وأيّ موقعٍ يبقى للمدني فوق عسكريين خرجوا من الحرب أكثر قوةً وثقةً بأنفسهم؟

هذه أسئلةٌ لا نملك ساعة كتابة هذه السطور إجاباتها. ما نعرفه أن الهيدرا نبتت لها رأس جديدة بالسرعة التي تنبت بها رؤوسها دائمًا. وما لا نعرفه هو ما إذا كان الرأس الجديد سيحكم الجسد، أم أن الجسد، بعد كل هذه العقود من التمرّس على البقاء، صار يحكم نفسه.

المصدر: الجزيرة

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً