الرئيسية / مقالات / مستنقع الوحل الإيراني وورطة ترامب

مستنقع الوحل الإيراني وورطة ترامب

الجمعة 12 . 06 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

اسامة ابو ارشيد */ فلسطين

في سياق الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، تغيب الاستراتيجية ويحضر التخبّط. لا أحد يمكنه التكهّن أو التنبّؤ بكيفية انتهاء هذا الصراع الذي أشعلته تل أبيب وانساقت إليه واشنطن. جذر التخبّط في مقاربة الحرب أميركياً وإسرائيلياً يتجسّد بالدرجة الأولى في دونالد ترامب، ذلك أنّ بنيامين نتنياهو استدرجه إليها بناءً على فرضيات خاطئة حذّره منها مستشاروه السياسيون والعسكريون والاستخباريون. القصّة معروفة، كما فصَّلها تقرير لصحيفة نيويورك تايمز (7/4/2026). لم يسقط النظام الإيراني، ولم يتقوّض من داخله، ولم يتضعضع، ولم يستسلم بعد نجاح عملية “قطع رأس الأفعى” التي قضت على المرشد الأعلى علي خامنئي وعدة قيادات عسكرية إيرانية في اليوم الأوّل للعدوان (28/2/2026). ولم يخرج الإيرانيون إلى الشوارع للسيطرة على المقارّ الحكومية كما حرّضهم ترامب. ولم تتوغّل المليشيات الكردية المتمركزة عند الحدود الإيرانية – العراقية داخل البلاد. لكن الكارثة بالنسبة إلى ترامب لم تقف عند هذه الحدود، إذ أغلقت إيران مضيق هرمز مسبّبةً أزمةً اقتصادية عالمية خانقة، لم تستثنِ تداعياتها الولايات المتحدة. كما ردّ على الهجمات بضرب القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة. اللافت أنّ نتنياهو ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق ديفيد برنياع كانا قد أكّدا لترامب أنّ إيران أضعف من أن تقوم بكلا الأمرَين. ولكن، كذب الاثنان، وصدق مستشارو ترامب السياسيون والعسكريون والاستخباريون الذين لم يستمع إليهم. وهكذا علق ترامب في فخِّ تصديق مزاعم نتنياهو وأكاذيبهم أن التاريخ سيخلّده بطلاً أنهى معضلة إيرانية أعيت رؤساء أميركيين قبله 47 عاماً هي عمر نظام الثورة الإسلامية.

من قلب هذه المعضلة أو هذا الفخّ، انبثق التخبّط الأميركي في التعامل مع الحرب. لم تفلح القوّة الطاغية الأميركية – الإسرائيلية في كسر إيران أو دفع نظامها إلى الخضوع. ولم يؤدِّ تحييد خامنئي (الأب) إلى بروز نظير إيراني للفنزويلية دلسي رودريغيز التي كانت نائبة الرئيس نيكولاس مادورو (اختطفته وزوجه قوّة أميركية مطلع العام الجاري 2026)، ثمّ تحوّلت إلى رئيس بالنيابة تنفّذ الأوامر الأميركية. على العكس، تصلّب النظام الإيراني أكثر، وحلَّ محلّ علي خامنئي (86 عاماً) ابنه مجتبى (56 عاماً)، الذي تُرجّح تقارير إيرانية وغربية أنّه أكثر تشدّداً من أبيه. وكانت المفاجأة بالنسبة إلى ترامب أنّ الردود والقوّة الإيرانية تتناسب طردياً مع مضاعفة الولايات المتحدة وإسرائيل مستوى هجماتهما وحجم القوّة المستخدَمة، مع ضرورة تأكيد فارق القوّة الهائل بين الجانبَين. لكنّ فارق القوّة تجسَّر كثيراً مع قدرة إيران على احتمال الألم والصمود والمقاومة، إذ إنّ الحرب بالنسبة إليها ضرورة ووجودية، في حين أنّها بالنسبة إلى واشنطن، تحديداً، حرب خيار. حتّى تهديد ترامب بأنّ “حضارة كاملة ستموت الليلة” (7 إبريل/ نيسان الماضي)، التي فُهمت على أنّها قد تتضمّن استخدام أسلحة نووية تكتيكية ضدّ إيران، لم تدفع نظامها إلى الخنوع ورفع راية الاستسلام، فكان أن وافق ترامب في اليوم التالي على القبول بوقف إطلاق نار مع طهران، والدخول في مفاوضات معها عبر الوسيط الباكستاني.

بحسب تقرير لمحطة “سي أن أن” الأميركية، فإنّه، ومنذ 23 مارس/ آذار الماضي وحتى 9 يونيو/ حزيران الجاري، تحدّث ترامب ما لا يقلّ عن 38 مرّة عن قرب توصّل واشنطن وطهران إلى اتفاق نووي. استخدم ترامب تعابير عديدة في هذا السياق منها أنّ “الاتفاق وشيك”، وصولاً إلى أنّ قادة إيران “يتوسّلون من أجل التوصّل إلى اتفاق”. ووفقاً لتصريحات ترامب، أو تهيّؤاته، أو أكاذيبه، النظام الإيراني يائس بعد الضربات الساحقة التي تلقّاها، بما في ذلك مزاعم ترامب حول تحييد قوى النظام الجوية والبحرية والصاروخية إلى حدّ كبير. لكنّ مدّة نحو شهرَين من دخول وقف إطلاق النار بين الطرفين حيّز التنفيذ لم تسفر عن اتفاق نووي، ولم تؤدِّ إلى فتح مضيق هرمز الذي تغلقه إيران. على العكس، أصبحت إيران أكثرَ تصلّباً بعد اكتشافها قوّة ورقة مضيق هرمز في يدها. مرّة أخرى، دفع السلوك الإيراني المُعاند، ترامب الذي يشعر بجرح كرامته وكبريائه، إلى التخبّط. تارةً يهدّد بفتح المضيق بالقوّة، وتارةً يقول إنّ المضيق لا يعنيه ولا يعني الولايات المتحدة، وإنّ على الدول الأخرى التي تعتمد عليه أن تأتي لفتحه. وتارةً، يفاخر بزعم لا دليل عليه أنّ البحرية الأميركية تمكّنت من تهريب 200 سفينة عالقة في المضيق محمّلةً بمئة مليون برميل نفط. وفي خضمّ هذا التخبّط الذي لا تؤطّره استراتيجية واضحة محدّدة المعالم، يتعقّد المشهد أكثر فأكثر، سواء بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أم بالنسبة إلى إيران وكل دول المنطقة، بل بالنسبة إلى العالم الذي يئنّ تحت ارتفاع أسعار الطاقة وما يترتّب عليها من نسب تضخّم عالية. طرف واحد فقط يريد “هرمجدون” مدمِّرة: إسرائيل، ما دام غيرها يدفع ثمن المعركة الأكبر ويتحمّل جلَّ عبئها.

باختصار، يجد ترامب نفسه غارقاً في مستنقع الوحل الإيراني. تعزيز الأصول والقدرات العسكرية وتصعيد مستوى الحرب تعني استنزاف القوّة الأميركية. كذلك الأمر في حال البقاء في حالة اللاحرب واللاسلم. وهذا سيعني بالنسبة إليه انضماماً طوعياً إلى نادي “الرؤساء المغفّلين”، كما يصفهم ترامب، الذين ورّطوا الولايات المتحدة في “حروب غبية” كما في فيتنام وأفغانستان والعراق. حرب إيران قد تكون حرب ترامب “الغبيّة” التي ستخلّده “مُغفَّلاً”. في المقابل، فإنّ تمنّع إيران عن الخضوع وتوقيع اتفاق نووي معه، “أفضل” من الاتفاق الذي وقّعته مع الرئيس باراك أوباما في عام 2015 ومزّقه ترامب في عام 2018، يعني هزيمة ترامب، وستكون هذه لطخة في إرثه الرئاسي الذي يبدو أنّه يؤرّقه كثيراً. ولن تجدي محاولات ترامب المتأخّرة في محاولة إنتاج نفسه في صورة الزعيم الذي يقود نتنياهو، لا العكس. فالحقيقة الثابتة أنّ نتنياهو نجح في توريط ترامب في خدمة أوهامه، وهو لن يعنيه كثيراً ثرثرة الرئيس الأميركي أنّه صاحب القول الفصل، بعد أن علقت رجله في المصيدة.

 *كاتب وباحث فلسطيني مقيم في واشنطن

المصدر / العربي الجديد

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً