الرئيسية / مقالات / آيات الفساد في القرآن الكريم (ح 4)

آيات الفساد في القرآن الكريم (ح 4)

الأثنين 22 . 06 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

د. فاضل حسن شريف*
 
ان الحرام لا يقابل بالحلال وبالعكس في امور الدين بل حتى الضمير الانساني لا يقبل ذلك التصرف. أما القرآن الكريم فيعتبر ذلك نفاقا أي عقوبته اشد من مقابلة الحرام بالحرام فهي مكشوفة واضحة. فهل يمكن فتح شركة مشروبات كحولية “إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ” (المائدة 91) او تعليب لحم خنزير”إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ” (البقرة 173) لتصرف ارباحها في عمل خيري كفتح مسجد او مساعدة الفقراء. والآية (البقرة 91) توضح أن الخمر ضد الصلاة حيث تنشأ المساجد لاقامة الصلاة.  وبالمثل سرقة مال الشعب وهو نوع من الفساد مقابل إعطاء الشعب الحرية وهي من الأمور الحسنة الواجب على الحكومة اصلا ان توفرها لمواطنيها.
ومن المعوقات التي يتعرض لها المستثمر هو الفساد وخاصة الفساد الحكومي بحجة الاصلاح “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ” (البقرة 11-12) الذي يبتز المستثمر مما يجعله يتراجع عن خططه الاستثمارية، والحقيقة ان الدولة وشعبها هي الخاسرة “وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” (البقرة 27) و”إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ” (يونس 81). فقد أثبتت الدراسات أن الفساد يضعف الاستثمار الخارجي وحتى يلغيه مما يؤدي الى تراجع التنمية والبنية التحتية.
هنالك نوعان من الصوت مادي ومعنوي. وصوت الاصلاح هو من الأصوات المعنوية حيث الاصلاح ارقى المعاني فبالاصلاح يستقيم المجتمع. ومكافحة الفساد أحد معاني الإصلاح “وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ” (البقرة 220). على الصوت المهتم بالقضاء على الفساد أن يبين النتائج السلبية للفساد التي تشمل جوانب مختلفة منها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية. ففي الجانب الاجتماعي صعود أقلية غير كفوءة لإدارة الأكثرية. والفساد الاقتصادي توزيع الدخول بشكل غير متكافئ. وفي الجانب السياسي حصول توتر من قبل الطبقة المسحوقة ضد الطبقة الحاكمة الفاسدة. والفساد القانوني وهو الجانب الأسوأ ان تكون الدائرة القضائية هي الفاسدة. واحيانا الدول المتقدمة تقوم بابتزاز الدول النامية وهو نوع من الفساد الدولي. كل هذه الجوانب تنطبق عليها الآية الكريمة “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم 41) حتى لا يحصل الفساد”تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ”  (القصص 83). وعلماء الاجتماع لهم مفهوم عن الفساد بأنه انتهاك قواعد السلوك الاجتماعي وعلاقة ذلك بالمصلحة العامة. بينما رجال القانون يعتبرون الفساد انحرافا في القوانين والتزاماتها. ومن تطبيقات الفساد في القطاع الهندسي اخذ رشوة او ابتزاز لانجاز مشروع أو مناقصة.
ولو يعلم الفاسد ان الله يراقبه لعله يرتدع وهذا على صاحب الصوت المكافح للفساد توضيحه”وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا” (الإسراء 13) حيث أعمال الإنسان الفاسدة تسجل وتعرض عليه يوم القيامة. وعدم الركض وراء هوى النفس هي من ركائز مكافحة الفساد “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ” (ص 26) والاية دعوة ورسالة داوود عليه السلام إلى قومه بعدم اتباع الهوى عن سبيل الله وهو سبيل الأمانة وليس اتباع الهوى الذي يؤدي إلى الفساد.
ومن خطوات مكافحة الفساد التي على الصوت الكاشف لبلاء الفساد توضيحها هي معاقبة كبار الفاسدين، الكفاءة في التعيين، تشديد المراقبة والنزاهة، مساهمة المواطن في الكشف عن الفساد ومكافأة هكذا مواطن، تشكيل دائرة أمن خاصة بملاحقة الفاسدين وكشفها قبل حصول الفساد. وهذه الخطوات تقع ضمن مفهوم الاية المباركة “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (المائدة 33). ومعاملات المواطنين في الدوائر يتطلب تسهيلها وتقليل الروتين والشكوك ضد المراجع. وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والتموينية الاساسية العامة وبالجودة المطلوبة يؤدي الى تقليل الفساد.
يقسم الخبراء الفساد الى قسمين رئيسيين الفساد الأكبر وهو فساد الحكام ورؤساء الدوائر، والفساد الاصغر وهو فساد الموظفين الصغار وعادة يكون على شكل رشوة. وهنالك فساد القطاع العام وفساد القطاع الخاص. ويوجد نوعان رئيسيان من الفساد هما الفساد الدولي بين الدول وشركاتها، والفساد المحلي لموظفي الدولة الأصغر شئنا. وردت كلمة الفساد نحو 49 مرة في القرآن الكريم. والفساد مرافق للتكبر والطغيان “تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ” (القصص 83). والفساد في حقيقته مجابهة وحرب مع الله تعالى “الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا” (المائدة 33) فإذا سعيت للفساد كانك تحارب الله. والقيادة الفاسدة يعني البلاء والهلاك”وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ” (النمل 48-49). والعقوبة ضد الفاسد لا تطبق إلا بعد توفير الدولة مستلزمات الحياة للمواطن، فمثلا السارق لا يمكن معاقبته والدولة لا توفر له قوت يومه البسيط. وبعد توفير مستلزمات العيش الأساسية للمواطن فيجب عدم ترك المجرم الفاسد يسرح ويمرح بدون عقاب “والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (المائدة 38).

 * كاتب من كتاب جريدة السيمر الاخبارية

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً