الرئيسية / مقالات / الرسالة: كتابة تنتظر جوابا

الرسالة: كتابة تنتظر جوابا

الثلاثاء 21 . 07 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي / المغرب

في كل المخرجات الأدبية الأخرى، يملك الكاتب سلطة الحسم الأخير. يضع نقطة القصيدة، يغلق الرواية على مصير شخصياتها، ينهي المقالة حين تستنفد حجتها. أما الرسالة فوحدها تفلت من هذه السلطة في اللحظة التي ترسَل فيها: يكتب صاحبها آخر كلمة، ثم يسلّم مصير نصه كاملا إلى يد غريبة عنه، قد ترد بما ينعش الرسالة أو بما يقتلها، وقد لا ترد على الإطلاق. وهذا الانتظار المعلَّق هو جوهر الرسالة، لا عارض يطرأ عليها: فالقصيدة تكتمل بذاتها، لكن الرسالة لا تعرف نفسها كاملة إلا حين يصلها صدى ما، أو حين تكفّ عن انتظار هذا الصدى وتتصالح، على مضض، مع صمت لن ينكسر.
قرأتُ، وأنا أتتبع مصائر بعض الرسائل الشهيرة في التاريخ الأدبي، عن كتّاب راهنوا على نوع بعينه من الجواب فجاءهم العكس تماما، وعن آخرين لم يطلبوا من رسائلهم أكثر من عزاء بسيط فتلقوا جوابا أثقل من كل تصوراتهم. وفي الحالتين، يبدو أن الرسالة تكشف عن نفسها بوصفها أخطر أنواع الكتابة على الإطلاق: ليست لأنها تفصح عن مكنون كاتبها، بل لأنها الجنس الأدبي الوحيد الذي يمنح شخصا آخر، غائبا تماما عن لحظة الكتابة، سلطة أن يقرر كيف ينتهي النص.

خذ مثلا ما حدث للشاعر الأندلسي ابن زيدون حين نافسه الوزير أحمد بن عبدوس على قلب الأديبة ولّادة بنت المستكفي. لم يحتمل ابن زيدون أن يُهزَم في ميدانه هو، ميدان الكلمة، فكتب رسالته المعروفة بـ „الرسالة الهزلية”، منتحلا فيها صوت ولّادة نفسها، يسخر من خلاله من منافسه بسيل من الكنايات والتلميحات المصوغة بمهارة تظهر ثقافته الواسعة. كان يريد من هذه الرسالة جوابا محددا لا غير: انكسار ابن عبدوس أمام محبوبته. لكن الجواب الذي وصله كان مختلفا تماما عمّا توقّع؛ إذ اكتشفت ولّادة أن صوتها استُعير بلا إذن في معركة لم تخترها، فردّت عليه بهجاء لاذع أنهى ما تبقى من العلاقة بينهما. الرسالة هنا لم تخنه بصمتها، بل بجوابها الذي جاء، لكن من الاتجاه الخطأ تماماً.

وعلى الجهة الأخرى من أوروبا القروسطية، بعد قرن تقريباً من زمن ابن زيدون، عاشت الراهبة إلواز تجربة مشابهة في جوهرها وإن اختلفت في تفاصيلها اختلافا كاملا. أُجبِرت إلواز على حياة الدير بعد أن انكشفت علاقتها بمعلمها الفيلسوف أبيلار وتعرّض هو لعقاب جسدي فظيع بأمر من عمها. سنوات مرّت على انفصالهما جسديا، حتى وقعت بين يديها رسالة كتبها أبيلار إلى صديق آخر يروي فيها قصة حياته المأساوية، فأدركت أنه لا يزال يتألم كما تتألم هي، فكتبت إليه رسالة يفيض فيها الشوق المكبوت طوال تلك السنوات، تطلب فيها كلمة واحدة تخفف عنها وحشة الدير. لكن أبيلار، الذي أصبح راهبا هو الآخر، أجابها برسالة باردة، مثقلة بالوعظ الديني، تحثّها على نسيان الحب الأرضي والانصراف إلى خلاصها الروحي، متهربا من كل ما بثّته إليه من مشاعر حية. توالت بينهما أربع رسائل أخرى، كل واحدة أقل اشتعالا من سابقتها، حتى خيّم الصمت من جديد ولم يُعرف عن مراسلات أخرى بينهما حتى وفاة أبيلار عام 1142. دُفنت إلواز بعده بعشرين عاما إلى جواره.
من المفارقات المؤلمة أن فلسفة أبيلار، التي كانت في زمانه مصدر شهرته الأولى، طواها النسيان تقريباً، بينما بقيت رسائله إلى إلواز، وردودها الغاضبة المحترقة عليه، هي ما أبقى اسمه حيا إلى اليوم. في كلتا الحالتين، لم تكن المشكلة أن الرسالة ذهبت أدراج الرياح بلا صدى، بل أن الصدى نفسه جاء مشوَّها عن الرغبة التي أرسلته: ابن زيدون طلب انتصارا فناله خصمه بطريقة أخرى، وإلواز طلبت حباً فنالت وعظا. وكأن الرسالة، في لحظة إرسالها، تكشف مدى سذاجة الظن بأن الكتابة قادرة على فرض إرادتها على من تخاطبه.

لكن هناك احتمالا آخر لمصير الرسالة، أشد غرابة من الخيانة: أن يبتلع الجواب السؤال كليا، حتى يُنسى من الأساس. الأديب الحلبي ابن القارح بعث إلى صديقه أبي العلاء المعري برسالة خفيفة الظل يتخيل فيها أنه دخل الجنة وحاور فيها كبارا من شعراء الجاهلية والإسلام، لم يكن يطلب أكثر من رد ودّي على تسليته الأدبية. لكن ما وصله كان „رسالة الغفران”، ذلك العمل الهائل الذي يتخيّل فيه المعري الضرير رحلة موازية إلى الآخرة، يحاور فيها الشعراء واللغويين والزنادقة، قبل أن يعود في نهايتها إلى مخاطبة صديقه مباشرة. اتسعت الإجابة حتى ابتلعت السؤال الذي استدعاها، ونسي القراء اللاحقون، وهم يتحدثون عن هذا العمل الذي قيل إن دانتي استلهم منه لاحقاً فكرة „الكوميديا الإلهية”، أنه وُلد أصلا جوابا على مزحة أدبية بين صديقين.

وفي مطلع القرن العشرين، بعيداً كل البعد عن قرطبة ومعرّة النعمان، وقع للشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه ما يشبه هذا المصير، وإن بصيغة معكوسة أشد غرابة. كتب إليه شاب نمساوي يُدعى فرانتس كسافير كابوس، وكان يومها طالبا في أكاديمية عسكرية يحلم بأن يصير شاعرا، يطلب منه رأيا في قصائده ونصيحة في مصيره المهني المتردد بين الجندية والأدب. ردّ عليه ريلكه، الذي لم يكن بعد قد بلغ شهرته الكاملة، برسالة اعتذر فيها بلطف عن الحكم على شعره، ناصحا إياه بأن يذهب إلى داخل نفسه بحثا عن الجواب الذي لا يملكه أحد غيره. توالت المراسلة بينهما متقطعة نحو ست سنوات، حتى جمع كابوس، بعد وفاة ريلكه بثلاث سنوات، عشر رسائل من صاحبه ونشرها عام 1929 تحت عنوان „رسائل إلى شاعر شاب”، فصارت من أكثر الكتب قراءة في الأدب الألماني الحديث. أما رسائل كابوس نفسه، تلك التي أثارت كل هذا الجواب الخالد، فقد ظُنّ لعقود أنها ضاعت إلى الأبد، حتى فاجأ باحث ألماني القراء عام 2019 حين عثر عليها محفوظة في أرشيف عائلة ريلكه، لينكشف بعد قرابة قرن كامل أن الحوار الذي بدا أحادي الصوت لجيل بعد جيل من القراء كان في الأصل حوارا متبادلا، فقدنا نصفه لمجرد أن الطرف الأشهر هو من احتفظ برسائله لا الطرف الآخر.

بين رسالة الغفران ورسائل ريلكه إلى الشاب المجهول تقريباً، مسافة تستحق التأمل: عند المعري، ابتلع الجواب سؤاله فنسيه القراء كليا، وعند ريلكه، غاب السؤال فعلا عن القراء تسعين عاماً، لا لأن أحداً ابتلعه، بل لأن التاريخ نفسه أهمله، قبل أن تعيده الصدفة إلى الضوء. وفي الحالتين، يبقى الجواب هو ما يصمد أمام الزمن، بينما يُترَك السؤال الأصلي، مهما كان صادقا أو بريئا، عرضة للنسيان أو الضياع أو في أفضل الأحوال، عودة متأخرة لا يشهدها كاتبه.

ولعل هذا بالضبط ما يجعل كتابة الرسالة مقامرة لا تشبهها أي مقامرة أدبية أخرى. فحين يضع الشاعر نقطة قصيدته، يعرف على الأقل ما الذي تركه خلفه. أما من يختم رسالة بتوقيعه، فلا يعرف أبدا أي مصير ينتظر كلماته على الجهة الأخرى من الصمت: هل ستُقرأ كما أراد أن تُقرأ؟ هل سيبتلعها جواب أضخم منها فينسى الجميع أنها كانت البداية؟ أم ستبقى، كما حدث مع كابوس، صامتة تسعين عاما قبل أن يعثر عليها أحد بمحض الصدفة، ليعيد إلى صوت غاب طويلا حقه في أن يُسمع أخيرا؟

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً