الأربعاء 22 . 07 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي / المغرب
يملك كل كاتب، ولو نظريا، حرية اختيار مكانه وأداته ووقته. هذا كله ينتزع من السجين الكاتب دفعة واحدة: لا ورقة مضمونة، ولا قلم مأذون به دائما، ولا خصوصية تحمي المسودة من سطوة السجّان. ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك تحديدا، أنتج السجن العربي الحديث بعضا من أكثر النصوص إلحاحا في المكتبة العربية المعاصرة، وكأن الكتابة، حين تصادَر أدواتها الطبيعية كلها، تصير أشد تشبثا بذاتها، وأكثر إصرارا على أن توجد رغم كل ما يقف في طريقها.
السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذا الإلحاح هو: متى تُكتب هذه النصوص بالضبط؟ في لحظة الحبس نفسها، أم بعدها؟ وبأي أدوات، وبأي غطاء من السلطة أو رغما عنها؟ فحين اعتُقل الروائي المصري صنع الله إبراهيم عام 1959 وهو في الثانية والعشرين من عمره، ضمن حملة واسعة شنّها نظام جمال عبد الناصر ضد الشيوعيين، وقضى خمس سنوات متنقلا بين سجن القلعة وأبو زعبل ومعتقل الواحات سيئ السمعة، حيث شهد بأم عينه رفيقه شهدي عطية الشافعي يلفظ أنفاسه تحت التعذيب، لم يكتب روايته “تلك الرائحة” داخل الزنزانة، بل بعد خروجه منها عام 1964 مباشرة، مستعيدا من الذاكرة القريبة رائحة الاعتقال بلغة جافة عارية من أي زخرفة. صدرت الرواية عام 1966 فصودرت، وظلت ممنوعة بنسختها الكاملة عشرين عاما حتى نُشرت كما كتبها صاحبها عام 1986. الكتابة هنا جاءت بعد التحرر الجسدي مباشرة في محاولة لتفريغ أثر السجن قبل أن يذوب في الذاكرة ويفقد حديته.
في المقابل لم ينتظر الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم هذا القدر من التحرر. اعتُقل هو الآخر عام 1959، بتهمة تزوير استمارات حكومية، وقضى ثلاث سنوات في سجن قره ميدان (سجن القلعة) هناك في زنزانته، كتب الشعر للمرة الأولى في حياته متأثرا بمعتقلين شيوعيين شاركوه العنبر. وفي سنته الأخيرة خلف القضبان، فاز بمسابقة شعرية نظمتها إدارة السجن بمناسبة عيد الأم، ثم شجعته الإدارة نفسها على المشاركة في مسابقة أدبية خارجية، فصدر له، وهو لا يزال سجينا، ديوانه الأول “صور من الحياة والسجن” بمقدمة كتبتها سهير القلماوي. مفارقة أن يُشهَر شاعر بديوانه الأول بمباركة الجهة التي سجنته، تكشف عن وجه معقد لعلاقة السلطة بالكتابة داخل السجن: أحيانا تسمح المؤسسة بمساحة تعبير محدودة ظنا منها أنها تُلهي المعتقل، دون أن تدرك أنها تمنحه أداة ستتحول لاحقا، حين يلتقي نجم بالشيخ إمام، إلى سلاح نقدي سيُعاد اعتقاله بسببه مرات عديدة أخرى.
ومن المفارقات أن الزنزانة التي دخلها نجم في شبابه لم تكن آخر عهد أسرته بالسجن. فبعد سنوات، حين تزوج من الكاتبة والناقدة المسرحية صافيناز كاظم في 24 أغسطس 1972، وجدت هي نفسها، بحكم مواقفها السياسية والفكرية المستقلة لا بحكم القرابة وحدها، تدخل التجربة ذاتها من بابها الخاص: اعتُقلت ثلاث مرات متفرقة، الأولى عام 1973، والثانية عام 1975، ثم مرة ثالثة ضمن حملة الاعتقالات الواسعة التي شنّها الرئيس أنور السادات في سبتمبر 1981 وطالت عددا كبيرا من المثقفين والمعارضين. ومن هذه التجارب المتكررة، لا من اعتقال واحد عابر، صاغت كاظم لاحقا كتابها “عن السجن والحرية”، الذي لم يكتف بسرد وقائع الاحتجاز، بل حوّل التجربة إلى تأمل مستمر في العلاقة الملتبسة بين القيد والحرية الداخلية، وكأن السجن عندها لم يكن حادثة استثنائية طارئة بقدر ما كان امتحانا متكررا لموقف فكري اختارته بإرادتها قبل أن تفرَض عليها عواقبه.
المفارقة الدقيقة هنا أن نجم وكاظم، الزوجين اللذين انفصلا لاحقاً عام 1976، شهدا كل منهما تجربة السجن من موقع مختلف عن الآخر ودون أن تكون إحدى التجربتين استجابة للأخرى أو صدى لها: هو دخل السجن شابا مجهولا فخرج منه شاعرا، وهي دخلته ناقدة وصحفية معروفة بالفعل، فخرجت منه، مرة بعد مرة، أكثر تمسكا بموقفها الفكري لا أقل. وكأن السجن، في بيت واحد، لم يكن قدرا مشتركا بقدر ما كان طريقاً موازيا يسلكه كل فرد بمفرده، وفق شروط اعتقاله الخاصة به وحده.
وهناك من حوّل تجربة الاعتقال المتكرر، لا العابر فحسب، إلى مشروع يمتد عقودا كاملة من العمر لا سنوات معدودة. الكاتب الفلسطيني وليد دقة، الذي اعتُقل عام 1986 وحُكم عليه بالسجن المؤبد بعد إدانته من محكمة المحتل العسكرية بالضلوع في مقتل الجندي موشيه تمام، وأمضى في سجون الإحتلال نحو ثمانية وثلاثين عاما متصلة حتى وفاته في السابع من أبريل 2024 إثر مضاعفات سرطان في نخاعه الشوكي. وعلى مدى هذه العقود، لم يكتف دقة بالكتابة العابرة، بل أنتج مشروعا فكريا متصلا يوازي مدة سجنه نفسها: دراسة “صهر الوعي”، التي أعاد فيها تعريف مفهوم التعذيب انطلاقا من تجربته الشخصية، ومسرحية “الزمن الموازي” التي حملت اسم مفهومه عن الزمن البديل الذي يبنيه الأسير لنفسه، وثلاثية لليافعين نال جزؤها الأول جائزة أدبية عربية عام 2018. وكتب في أحد نصوصه أن الحب هو انتصاره الوحيد المتواضع على سجّانه؛ جملة تلخص كيف تحولت الكتابة عنده من استجابة لحادثة اعتقال محدودة إلى مشروع حياة كامل، يعيد فيه الأسير بناء زمنه الخاص رغم أن جسده وحده هو ما بقي أسيرا فعليا.
ثمة حالة خامسة تخرج عن كل هذا الطيف، لأن ما وُلد فيها من الحبس لم يكن شهادة شخصية ولا مقاومة رمزية، بل مشروع فكري شامل تجاوز أثره سيرة صاحبه إلى حد بعيد. اعتُقل المفكر المصري سيد قطب عام 1954 في أعقاب حادثة المنشية، وحكم عليه بالسجن خمس عشرة سنة قضى منها نحو عشر سنوات متصلة حتى عام 1964. وخلال هذه السنوات، أكمل ونقّح تفسيره الموسوعي “في ظلال القرآن” الذي كان قد بدأه قبل اعتقاله، وألّف كتابه الأكثر تداولا “معالم في الطريق”. أُعيد اعتقاله عام 1965 وأعدم في التاسع والعشرين من أغسطس 1966. لقي كتابه “في ظلال القرآن” انتشارا واسعا بوصفه عملا تفسيريا وأدبيا، بينما اعتبر باحثون عديدون أن “معالم في الطريق” وضع بعض الأسس الفكرية التي استندت إليها لاحقا تيارات إسلامية مسلحة متشددة، وهو ما جعل إرث قطب موضع خلاف عميق بين من يراه مفكرا أعدمته السلطة ظلما، ومن يحمّل بعض أفكاره مسؤولية أخلاقية عن عنف لاحق ارتُكب باسمها. وأيا كان الموقف من هذا الجدل، فإن حالته تضيف بعدا لا تحمله النماذج الأخرى: أن يتحول الحبس الانفرادي، بدل أن يكون مادة للشهادة أو المقاومة، إلى مساحة تُصاغ فيها رؤية للعالم تطبع عقودا كاملة من التاريخ اللاحق.
خمس تجارب إذن، لا تلتقي عند إجابة واحدة عن سؤال “لماذا يكتب المسجون”، بل تتوزع على كل الإجابات الممكنة: التفريغ المتأخر بعد الخروج، والتسامح المؤسسي القصير الأمد داخل الزنزانة، والاعتقال المتكرر الذي يتحول إلى امتحان متجدد لموقف فكري واحد، والمشروع الممتد عمرا كاملا، والرؤية الشاملة التي تتجاوز صاحبها. وما يجمعها، رغم هذا التباين الحاد، هو أن الكتابة، حين تولد في أضيق الظروف الممكنة، لا تفقد قيمتها بل تكتسب ثقلا لا تملكه كتابة الحرية المطلقة، لأنها تشهد، بمجرد وجودها، على أن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بصوته حتى حين يُصادَر كل شيء آخر حوله؛ وإن كان هذا الصوت نفسه قد يتحول أحيانا، كما في حالة قطب، إلى موضع خلاف عميق حول أثره في العالم يفوق أثر السجن الذي وُلد فيه.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل