الأحد 26 . 07 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي / المغرب
ثمة فارق جوهري بين الكتابة التي تتوجه إلى قارئ، والكتابة التي لا تتوجه إلى أحد على الإطلاق. الأولى تهذب نفسها قبل أن تكتب، تختار كلماتها مع اعتبار عين خارجية ستقع عليها يوما. أما الثانية، الكراس الخاص في صورته الخالصة، فتفلت من هذا الحساب كله، وتصير أقرب إلى مكان يعيد ترتيب الفوضى الداخلية بلا شاهد، بلا حكم مسبق على ما يستحق أن يقال وما لا يستحق. وهذا بالضبط ما يمنحها صدقا ناذرا لا تملكه الكتابة الموجهة، لكنه صدق يحمل ثمنه: فمتى وقع القارئ لاحقا على هذه الصفحات، سيجد نفسه يقتحم زمنا لم يكن مُعَدا لاستقباله، ويطرح على نفسه سؤالا لا مفر منه: ماذا كانت الكتابة تفعل بصاحبها قبل أن يعرف أحد أنها ستُقرأ يوما؟
في بغداد القرن السادس الهجري، وهي يومها في أوج ازدهارها العلمي والفكري، جلس الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، الحافظ الموسوعي الذي عرف بخطبه المؤثرة حتى لقب بخطيب بغداد، إلى نوع من الكتابة مختلف عن مؤلفاته الفقهية والتاريخية الضخمة. ففي كتابه “صيد الخاطر”، الذي جمع فيه أكثر من ثلاثمئة فصل متفرق كتبت على مدى سنوات طويلة، لم يكن ابن الجوزي يخطب في جمهور ولا يفسر نصا ولا يروي حديثا، بل كان يلتقط، كما يوحي عنوان الكتاب نفسه، خواطر عابرة قبل أن تتبدد في زحمة أيامه المثقلة بالانشغال العلمي والاجتماعي. يعترف في أحد فصوله بضعف يعتريه أمام إغراء الدنيا، ويلوم نفسه في فصل آخر على تقصير يشعر أنه اقترفه في حق علمه أو في حق ربه، وينتقل بلا سابق إنذار من التأمل في طبيعة النفس البشرية إلى ملاحظة عابرة عن حال أهل زمانه، وكأن الكتاب كله محاولة مستمرة لمصارعة النسيان، نسيان تلك اللحظات الداخلية الدقيقة التي تمر في وعي الإنسان ثم تغرق إلى الأبد إن لم يمسك بها أحد وهي لا تزال طرية. المفارقة أن هذا العالم الجليل، الذي أحاط نفسه طوال حياته بهيبة المنبر وسلطة الفتوى، يظهر في “صيد الخاطر” هشّا مضطربا، يعترف بشكوكه وتقلباته أكثر بكثير مما يجرؤ عليه في أي من مصنفاته الرسمية. هذا التناقض بين صورة ابن الجوزي العلنية وصورته في دفتره الخاص ليس عيبا في شخصيته، بل هو بالضبط ما تفعله الكتابة غير الموجهة بصاحبها: تخلع عنه عباءة المنصب والسلطة الرمزية، وتترك المجال لصوت أكثر ترددا وأقل يقينا مما اعتاد الناس أن يسمعوه منه على المنبر.
بعد ابن الجوزي بثمانية قرون تقريباً، وعلى بعد جغرافي شاسع، جلس المربي والأديب المقدسي خليل السكاكيني إلى نوع مختلف من الكراريس، لكنه ينتمي إلى الروح ذاتها. بدأ تدوين يومياته عام 1907، حين سافر من يافا إلى نيويورك بحثا عن عمل يمكّنه من الزواج بحبيبته سلطانة عبده، واستمر في الكتابة دون انقطاع يذكر حتى قارب الموت منتصف القرن العشرين. لم يكن السكاكيني يكتب عن حياته الخاصة فحسب، بل عن فلسطين التي عاشها وهي تتحول أمام عينيه من ولاية عثمانية هادئة إلى ساحة صراع سياسي متصاعد؛ اعتُقل في القدس أثناء الحرب العالمية الأولى وسجن في دمشق قبل أن يتمكن من الفرار والالتحاق بالثورة العربية، وشهد النكبة عام 1948 وسجّل تفاصيلها اليومية بقلمه وهو يراقب انهيار العالم الذي عرفه. لم تنشر هذه اليوميات كاملة إلا بعد نحو قرن من بدء تدوينها، بعد أن جمعت ابنته هالة مختارات منها أولا تحت عنوان “كذا أنا يا دنيا”، قبل أن تتولى مؤسسة الدراسات الفلسطينية لاحقا نشرها الكامل على عدة أجزاء، كاشفة عما وصفه باحثون بأنه أحد أهم الشواهد الأدبية على النهضة الفلسطينية الحديثة، لسبب بسيط: أن السكاكيني كان يدوّن وقائع بلاده وهو يعيشها للتو، لا يستعيدها بذاكرة متأخرة قد تخونه أو تجمّلها.
بين هذين الدفترين، دفتر ابن الجوزي المنكفئ على أعماق النفس الفردية، ودفتر السكاكيني المنفتح على مصير أمة بأكملها، تتضح طبيعة مزدوجة لهذا الجنس من الكتابة الذي يبدو للوهلة الأولى أضيق الأجناس الأدبية أفقا لأنه لا يخاطب أحدا سوى صاحبه. فابن الجوزي كان يكتب ليمسك بذاته المتقلبة قبل أن تفلت منه، مستخدما الكراس مرآة داخلية صرفة لا تعكس شيئا من العالم الخارجي إلا بقدر ما يمس اضطرابه الشخصي. أما السكاكيني فكان يكتب ليمسك بالتاريخ نفسه وهو يتشكل أمامه، مستخدماً الدفتر عدسة موجهة إلى الخارج أكثر مما هي مرآة للداخل، وإن ظل حضوره الشخصي، بحبه وخوفه وحيرته، حاضرا في كل سطر. ومع ذلك فإن كليهما كان يشترك في الدافع الأعمق نفسه: أن يمنح لحظة عابرة، لا تدوم إلا بقدر ما تكتب، فرصة أن تنجو من الزمن الذي سيبتلعها لا محالة لو تركت للذاكرة وحدها، تلك الذاكرة التي تُعيد صياغة كل شيء بأثر رجعي، وتُطعّم الماضي بما نعرفه اليوم ولم نكن نعرفه حين عشناه أول مرة.
لست بحاجة إلى العودة قرونا إلى الوراء، أو إلى عبور حدود بلد، لأفهم ثقل هذه التجربة في معناها الأخص. يكفي أن أتذكر ذلك المساء الذي مدّ فيه صديق وأخ عزيز يده نحوي بكراسين ضخمين جلدهما متهالك من كثرة الفتح والإغلاق، وقال بصوت أقرب إلى الاعتذار منه إلى العرض: “اقرأ إن شئت، لم يقرأهما أحد من قبلك”، لم أفهم في تلك اللحظة، ثقل ما كان يمنحني إياه. أخذت الكراسين إلى زاوية هادئة، وفتحت على غير هدى، فوجدت نفسي أنتقل، بلا سابق إنذار ولا فهرس يرشدني، من خاطرة أدبية مصقولة الصياغة عن معنى الغياب والحضور، إلى قصيدة متعثرة في سلمها الموسيقي قاتلة في رسم الجراح، إلى رسالة عشق لم ترسل قط، مكتوبة بحبر يرتجف، موجهة إلى اسم لم أكن أعرف أنه مرّ يوما في حياته، ثم إلى صفحة أخرى يهاجم فيها موقفا سياسيا بحدة لم أعهدها في نقاشاتنا المعتادة، وكأن الصفحة وحدها تمنحه جرأة يخفيها عادة خلف ابتسامته الهادئة أمام الناس. لم يكن هناك ترتيب واضح يفصل بين هذه الأصوات المتعددة: خاطرة تتلوها رسالة حب ممنوعة كتبت في ليلة ندم، يليها رأي سياسي حاد، ثم عودة مفاجئة إلى حب آخر، هذه المرة معلَن لا يخجل من نفسه، وكأن الكراس مسرح تتبادل عليه شخصيات متعددة الأدوار، كلها تحمل اسم صاحبي، لكن لا واحدة منها تشبه تماما الرجل الذي أعرفه في جلساتنا العابرة على المقهى وسهراتنا المطولة.
خرجت من تلك القراءة، بعد ساعات طويلة لم أشعر بمرورها، بإحساس غريب يصحبه فضول يصعب وصفه: أنني عرفت للتو شخصا لم ألتق به من قبل، رغم أنني أعرفه منذ سنوات طويلة. لم يكن ذلك الغريب كذبا يخفيه عني، ولا وجها مزيفا يستعرضه أمام الناس، كان ببساطة الجزء منه الذي لا يظهر إلا حين لا يكون هناك أحد لينظر، ذلك الطيف من الذات الذي تحرسه الكتابة وحدها من أن يذوب كليا في صورة اجتماعية واحدة مبسّطة، مهذبة، متسقة مع ما يعرفه الآخرون عنه. أدركت وأنا أعيد له الكراسين بيدين مرتجفتين قليلا، أن ما مُنحته لم يكن مجرد إذن بالقراءة، بل ثقة استثنائية بأن أحمل هذا التعدد الداخلي دون أن أختزله لاحقا في حكم واحد بسيط عليه، ودون أن أفقد، وأنا أعرف كل هذه الأوجه المتناقضة فيه، القدرة على أن أحبه كما هو، لا كما بدا لي طوال سنوات صداقتنا السابقة. ولعل هذا هو السبب في أن قراءة الدفتر الخاص، بعد أن يفقد صاحبه القدرة على حمايته من أعين الغرباء، تبقى تجربة مختلفة جذريا عن قراءة أي كتاب ألف بقصد النشر. فنحن، حين نقرأ “صيد الخاطر” أو يوميات السكاكيني اليوم، لا نقرأ حكمة مكتملة يقدّمها كاتب واثق من نفسه إلى جمهوره، بل نقرأ أثرا لعملية بحث مستمرة عن الذات، لم يكن صاحبها يعرف، وهو يخطها، أنها ستصمد قرونا أو عقودا، وأن غرباء عنه تماما سيقفون يوما أمام أسراره الصغيرة، محاولين أن يفهموا، من تلك الخواطر المتناثرة التي كتبها في عزلته، كيف كان يبدو العالم من الداخل، من زاوية إنسان واحد لم يكن يظن أن أحداً سيهتم يوما بما يعبر في خاطره.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل