الأربعاء 29 . 07 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
أثار الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في الحروب، تساؤلات جديدة حول المسؤولية القانونية للدول والقادة وشركات التكنولوجيا تجاه انتهاكات القانون الدولي.
وكالة مهر للأنباء– مرتضى عبدي، رئيس الشؤون الدولية في مركز نقابة المحامين للسلطة القضائية الإيرانية: لقد غيرت التطورات التكنولوجية في العقد الأخير وجه الحرب. فإذا كانت القوة العسكرية في الماضي تُقاس بعدد الدبابات والمقاتلات والصواريخ، فإن التفوق في ساحة المعركة اليوم يعتمد، أكثر من أي شيء آخر، على القدرة على معالجة البيانات، وتحليل المعلومات، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي. فالحروب الحديثة، قبل أن تبدأ في السماء أو على الأرض، تتشكل في مراكز البيانات، والخوادم السحابية، وخوارزميات التعلم الآلي.
في غضون ذلك، لم تعد شركات التكنولوجيا الخاصة مجرد منتجة للمعدات أو مقدمة للخدمات الفنية؛ بل تحولت إلى فاعلين مؤثرين في دورة صنع القرار العسكري. فشركات مثل “بالانتير تكنولوجيز”، و”أندوريل إندستريز”، و”شيلد إيه آي”، وغيرها من المتعاقدين الدفاعيين، لعبت دوراً متزايداً في تشكيل ما يسميه العسكريون “سلسلة الاستهداف” (Kill Chain)، من خلال تطوير أنظمة تحليل البيانات الضخمة، ودمج المعلومات، والذكاء الاصطناعي.
في هذا الهيكل، يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل البيانات الواردة من الأقمار الاصطناعية، والطائرات المسيرة، وأنظمة التنصت، وأجهزة الاستشعار الإلكترونية، والمصادر البشرية، وقواعد البيانات، في وقت قصير جداً، ويقوم بترتيب أولويات الأهداف المحتملة للقادة. ورغم أن القرار النهائي بشن الهجوم، وفقاً للموقف الرسمي للعديد من الشركات، بما في ذلك بالانتير، يجب أن يتخذه الإنسان، إلا أنه لا يمكن إنكار أن جودة واتجاه القرار البشري يتأثران إلى حد كبير بمخرجات هذه الخوارزميات.
ومن هذه النقطة، ينبثق أحد أهم الأسئلة في القانون الدولي المعاصر: إذا كان للخوارزمية دور حاسم في اختيار الهدف أو تحديد أولوياته، وأدى ذلك إلى انتهاك القانون الإنساني الدولي، فمن يتحمل المسؤولية القانونية؟
هذا السؤال لم يعد نظرياً فحسب. فخلال النزاعات الأخيرة في الشرق الأوسط، تم نشر العديد من التقارير حول الاستخدام الواسع للأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي في عملية تحديد وتحليل الأهداف. كما أعلنت شركة بالانتير عن تعاونها الرسمي مع وزارة الدفاع الإسرائيلية في مجال تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لم يثبت حتى الآن في أي محكمة دولية دور مباشر لهذه الشركة في هجمات محددة، بما في ذلك العمليات المنسوبة لأمريكا وإسرائيل ضد إيران، أو في حوادث مثل الهجوم على أهداف مدنية. لذلك، يجب أن يحافظ أي تحليل قانوني على هذا التمييز الأساسي بين “التقارير الإعلامية” و”المسؤولية المثبتة”.
ومع ذلك، حتى لو افترضنا أن شركة خاصة قدمت فقط أداة تحليل المعلومات، فإن هذا الواقع وحده لا يمكن أن يعفيها من أي مسؤولية قانونية. فالقانون الإنساني الدولي، ولا سيما المبادئ الأساسية للتمييز والتناسب والاحتياط في الهجوم والضرورة العسكرية، والتي تم ترسيخها في اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، تسري على جميع أدوات وأساليب الحرب؛ سواء كانت تلك الأداة مقاتلة أو خوارزمية ذكاء اصطناعي.
من منظور القانون الدولي، لا يتمتع الذكاء الاصطناعي بشخصية قانونية، ولا يمكنه ارتكاب جريمة. تظل المسؤولية على عاتق البشر؛ سواء كانوا قادة عسكريين، أو مسؤولين حكوميين، وفي ظروف خاصة، مدراء ومتخذي القرار في الشركات الذين، بعلمهم ووعيهم، قدموا تكنولوجيا أو خدمات لعمليات تنتهك القانون الدولي، ولعبوا دوراً فعالاً في تحقيقها.
كما تلزم المادة 36 من البروتوكول الإضافي الأول الدول، قبل استخدام أي سلاح أو وسيلة أو طريقة حرب جديدة، بمراجعة مدى توافقها مع قواعد القانون الدولي. ويعتقد العديد من المحامين اليوم أن أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية مشمولة أيضاً بهذا الالتزام، ولا يمكن اعتبارها مجرد “برمجيات”.
من ناحية أخرى، تنص المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (UN Guiding Principles on Business and Human Rights) على أن الشركات الخاصة، بشكل مستقل عن التزامات الدول، ملزمة باحترام حقوق الإنسان، وإجراء تقييمات مستمرة لمنع المشاركة في الانتهاكات الجسيمة. إذا قامت شركة، وهي على دراية بالمخاطر المتوقعة، بوضع تكنولوجيتها تحت تصرف عمليات تؤدي إلى ارتكاب جرائم دولية، فسيُطرح السؤال حول ما إذا كان مجرد الاستناد إلى “حياد التكنولوجيا” يمكن أن يعفيها من المسؤولية؟
على الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية تختص فقط بالأشخاص الطبيعيين وليس الشركات، إلا أن هذا لا يعني حصانة مدراء شركات التكنولوجيا. في حالة توفر العناصر القانونية، يمكن التحقيق في مسؤولية الأشخاص الطبيعيين من منظور المشاركة أو المساعدة أو التسهيل المتعمد لارتكاب جرائم دولية، وذلك استناداً إلى المادة 25 من نظام روما الأساسي.
علاوة على ذلك، أظهرت ممارسة محكمة نورمبرغ في قضايا صناعات IG Farben وKrupp، وكذلك أحكام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضايا مثل Furundžija وTadić، أن الدعم الفعال لارتكاب الجرائم يمكن أن يشكل أساساً للمسؤولية الجنائية للأفراد، على الرغم من أن هذه الممارسات لم تكن تتعلق مباشرة بالذكاء الاصطناعي.
اليوم، التحدي القانوني الأكبر هو ما يُعرف في الأدبيات القانونية بـ”فجوة المسؤولية” (Responsibility Gap). عندما يكون القرار النهائي نتاج تفاعل بين الخوارزمية، والمحلل، والقائد، والأنظمة الآلية، فإن تحديد من يتحمل المسؤولية بالضبط عن العواقب غير القانونية للعملية، سيكون أكثر صعوبة بكثير مما كان عليه في الماضي. إذا لم يتم سد هذه الفجوة بقواعد قانونية واضحة، فمن المحتمل أن تصبح التكنولوجيا أداة للتهرب من المساءلة في المستقبل.
الحقيقة أن حروب المستقبل لن تحسم مصيرها في ساحة المعركة فحسب، بل في المحاكم أيضاً. وكما اضطر القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية إلى وضع قواعد جديدة لمسؤولية القادة والدول، فهو اليوم أيضاً على أعتاب تشكيل جيل جديد من القواعد التي ستوسع نطاق المساءلة لتشمل شركات التكنولوجيا، ومطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومصممي الخوارزميات العسكرية.
ربما لم يعد السؤال القانوني الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي هو “من ضغط على زر الإطلاق؟”؛ بل هو: من صمم الخوارزمية التي حددت مسار وصول إصبع الإنسان إلى ذلك الزر؟ وسيكون هذا السؤال، بلا شك، أحد أكثر التحديات جوهرية للقانون الدولي في العقود القادمة.
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل