الرئيسية / تقارير صحفية وسياسية / إيران والمقاومة في لبنان: جبهة واحدة.. وعقيدة لا تفرقها الحدود

إيران والمقاومة في لبنان: جبهة واحدة.. وعقيدة لا تفرقها الحدود

الأحد 16 . 08 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

في الوقت الذي كانت فيه أميركا والكيان الإسرائيلي تراهنان على فصل ساحة لبنان عن ساحات المقاومة الأخرى، جاء الرد واضحاً وحاسماً: الجبهة اللبنانية ليست منفصلة، بل هي جزء من جبهة واحدة تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن جبال زاغروس إلى تلال الجنوب اللبناني.

أمل شبيب

في مشهد مهيب يعيد إلى الأذهان بطولات السابقين، وقف القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء أحمد وحيدي، ليوجّه رسالة وجدانية إلى جنود الإسلام في إيران، معلناً حقيقة هزّت أركان الغطرسة العالمية: “لقد أرغمتم الجيش الأكثر تسليحاً في تاريخ العالم على الركوع”.

لم تكن هذه الكلمات مجرد خطاب عسكري، بل كانت اعترافاً من موقع القوة بأن ستة أشهر من الجهاد المستمر، في حرارة الجنوب وصقيع الشمال، قد حوّلت معادلة القوة في المنطقة رأساً على عقب.

ففي الوقت الذي كانت فيه أميركا والكيان الإسرائيلي تراهنان على فصل ساحة لبنان عن ساحات المقاومة الأخرى، جاء الرد واضحاً وحاسماً: الجبهة اللبنانية ليست منفصلة، بل هي جزء من جبهة واحدة تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن جبال زاغروس إلى تلال الجنوب اللبناني. هذا ما يؤكده القائد العام للحرس الثوري في رسالته التي وجّهها إلى جنود الإسلام، حيث يشدّد على أنهم استلهموا من أهل البيت (عليهم السلام) أسمى صور التضحية، ليعيدوا صياغة ملاحم دفاعهم المقدس في قوالب جديدة. لكن هذه الملاحم لم تكن وليدة جبهة واحدة، بل كانت نداءً لكل جندي يحمل راية المقاومة، أينما كان.

فجنود الإسلام في جنوب لبنان هم امتداد طبيعي لهذا النهج، يسيرون على ذات الدرب، ويقاتلون تحت راية واحدة، ويستمدون قوتهم من ذات المصدر الإيماني. إنهم ليسوا محصورين في أرضٍ دون أخرى، بل هم كل من رفع راية المقاومة في وجه الظلم، وسار على درب الأنبياء والأئمة الأطهار، سواء في إيران أو في لبنان أو في أي بقعة من العالم. وهذا هو جوهر الوحدة التي لا يمكن لأي قوة أن تفرّقها: عقيدة واحدة، وجهاد واحد، وهدف واحد هو تحرير الأرض والكرامة، حيثما حلّ جنود الإسلام، حملوا ذات الرسالة، ووقفوا في وجه ذات الظلم، وسطروا ذات البطولات.

جنوب لبنان.. قلب المعركة النابض وعنوان الصمود

ما يميز المقاومة في جنوب لبنان أنها لم تكن يوماً مجرد تنظيم عسكري، بل هي امتداد لروح شعبية عريقة، تجذرت في تربة النضال والثبات. فجنوب لبنان، الذي دفع أثماناً باهظة من الدماء والتهجير والدمار، لم يكن مجرد ساحة قتال، بل كان ولا يزال قلب المعركة النابض، وأهله هم من يدفعون الثمن الأكبر، وهم من يصنعون النصر الأكبر. هذا الصبر الأسطوري، وهذا التمسك بالأرض رغم كل المجازر، هو ما يجعل من جنوب لبنان عنواناً للصمود، ونموذجاً يحتذى به في كل ساحات المقاومة.

فأهالي الجنوب، الذين عادوا إلى قراهم المدمرة مع أول ضوء للفجر بعد كل عدوان، لم يعودوا لأن البيوت صالحة للسكن، بل لأن وجودهم على أرضهم هو الضمانة الوحيدة لاستمرار المشروع المقاوم. هم يعرفون أن تراجعهم يعني انهيار المعركة بأكملها، ولذلك فإن ثباتهم ليس خياراً عسكرياً فقط، بل هو واجب وجودي لا يقبل المساومة. وهذا الصبر الجنوبي هو ما يجعل من الدعم الإيراني للمقاومة في لبنان ليس مجرد دعم عسكري، بل امتداداً لعقيدة مشتركة، وجبهة واحدة لا تقبل التجزئة.

عندما يصبح الدعم الإيراني للبنان خطاً أحمر

ما حدث في الأيام الأخيرة، من استشهاد 11 مدنياً لبنانياً بينهم أطفال ونساء في بلدتي أنصار والنبطية الفوقا ومحيطها، لم يكن مجرد جريمة إسرائيلية جديدة تضاف إلى سجل الإبادة، بل كان اختباراً لمدى التزام إيران بلبنان والمقاومة. وجاء الرد سريعاً على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الذي دان بشدة الهجمات الصهيونية، وأكد أن “استمرار صمت مجلس الأمن الدولي وعجزه عن التحرك إزاء الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني أمر يدعو إلى الأسف”.

لكن التضامن الإيراني لم يقتصر على البيانات الرسمية، بل تعداه إلى رسائل ميدانية أقوى. فقد أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أنه “على تواصل مع المقاتلين في الخطوط الأمامية في لبنان”، في رسالة واضحة بأن إيران ليست مجرد داعم سياسي، بل هي شريك في الميدان، تتابع تفاصيل المعركة عن كثب، وتدير التنسيق بين ساحات المقاومة من أعلى المستويات.

وفي المقابل، كان الموقف اليمني واضحاً وحاسماً. فقد هنأت وزارة الخارجية والمغتربين اليمنية حزب الله بالذكرى الـ20 لانتصار تموز، معتبرة أنها “تأتي في وقت يرتكب فيه العدو الإسرائيلي أبشع الجرائم في لبنان في ظل صمت مخزٍ للسلطة اللبنانية وتواطؤ مكشوف من أنظمة عربية”. وشددت الخارجية اليمنية على أن “اليمن جزء من هذه المعركة الممتدة على جغرافية أمتنا في مواجهة المشروع الصهيوني، وأننا نقف إلى جانب حزب الله والمقاومة اللبنانية وجمهورها المجاهد”.

محور المقاومة.. جبهة واحدة لا تقبل التجزئة

ما يميز محور المقاومة اليوم هو تحوله من مجرد تنسيق بين أطراف مختلفة إلى جبهة واحدة متماسكة، تتجاوز الحدود الجغرافية، وتستند إلى عقيدة مشتركة ورؤية موحدة للصراع مع الكيان الصهيوني. وهذا ما عبر عنه القائد العام للحرس الثوري بوضوح حين تحدث عن “إدارتكم المبتكرة لساحة المعركة، تحت القيادة الحكيمة للقائد الأعلى للقوات المسلحة، آية الله السيد مجتبى الخامنئي (دام ظله)”.

فسماحة السيد مجتبى الخامنئي لم يغيّر في جوهر العقيدة الإيرانية تجاه دعم المقاومة، بل عززها وأضفى عليها طابعاً أكثر حزماً. ولو توقفنا عند رسالة القائد العام للحرس الثوري، اللواء أحمد وحيدي، لوجدنا أنها ليست مجرد خطاب عسكري عابر، بل هي إعلان عن حقيقة أعمق: أن المعركة التي يخوضها جنود الإسلام في إيران هي ذاتها المعركة التي يخوضها رجال الله في جنوب لبنان، بل هي امتداد طبيعي لهذه المعركة، ووجه من وجوهها المتعددة.

فما يحدث في جبال زاغروس لا يختلف عن ما يحدث في تلال النبطية، وما يحدث في سواحل الخليج الفارسي هو ذاته ما يحدث في مرتفعات علي الطاهر. إنها معركة واحدة، بأبطال مختلفين، فهي معركة الحق ضد الباطل، والنور ضد الظلام، والكرامة ضد الذل. ولو تأملنا في مسيرة جنود الإسلام على امتداد هذه الجبهة الممتدة، لأدركنا أنهم يسيرون على ذات الدرب، ويحملون ذات الرسالة، ويخوضون ذات المعركة، لأن المشروع الذي يؤمنون به لا يعترف بالحدود، والعقيدة التي يحملونها لا تقبل التجزئة.

وهذا هو جوهر ما تؤكده رسالة وحيدي: أن محور المقاومة ليس مجرد تحالفات سياسية، بل هو جبهة واحدة تمتد من المحيط إلى الخليج الفارسي، ومن طهران إلى بيروت، جبهة لا يمكن فصلها، لأنها تقوم على عقيدة واحدة، وهدف واحد، ودم واحد يروي تراب هذه الأرض المباركة. هذا الربط بين المقاومة في لبنان والمشروع الإيراني الأوسع ليس جديداً، لكنه أصبح اليوم أكثر وضوحاً وحزماً، خصوصاً في ظل القيادة الجديدة التي تتبنى ما يمكن تسميته “عقيدة الردع الهجومي”،  التي تجعل من الهجوم وسيلة للدفاع، ومن المواجهة مدخلاً للقوة، ومن الوحدة بين الساحات شرطاً أساسياً للنصر.

اليمن والعراق.. حلقتان لا ينفصلان عن جبهة المقاومة

في الوقت الذي يشن فيه الكيان الإسرائيلي حرباً إبادة على لبنان، ويستهدف المدنيين والأطفال في مجازر مروعة، لم يقف اليمن موقف المتفرج، بل أعلن بوضوح أنه جزء من هذه المعركة. فقد أوضحت وزارة الخارجية اليمنية أن “الجرائم البشعة تُرتكب اليوم بالسلاح الصهيوني، والسلطة اللبنانية منشغلة بسلاح المقاومة خدمة للكيان المجرم”. هذا الموقف اليمني يعكس وعياً عميقاً بأن الحرب على لبنان هي جزء من الحرب على فلسطين، وأن أي تراجع في جبهة يعني تراجعاً في كل الجبهات.

بل إن اليمن ذهب إلى ما هو أبعد من البيانات، حيث أكدت الخارجية اليمنية أن “مشروع المقاومة الذي قدم آلاف الشهداء وفي مقدمتهم الشهداء القادة، السيد عباس والسيد نصر الله والسيد صفي الدين، لن ينكسر مهما كان مستوى التضحيات”. هذه الكلمات ليست مجرد تضامن معنوي، بل هي إعلان بأن اليمن مستعد لدفع ثمن هذه المعركة، وأن ما يحدث في لبنان ليس بعيداً عن ما يحدث في فلسطين.

ولا يمكن الحديث عن محور المقاومة دون التوقف عند دور فصائل المقاومة العراقية والحشد الشعبي، التي تواصل استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، دعماً للبنان وغزة. فهذه الفصائل، التي أثبتت قدرتها على توجيه ضربات موجعة في العمق، هي جزء لا يتجزأ من هذه الجبهة الممتدة، وتؤكد أن معركة تحرير القدس لا تقتصر على جبهة واحدة، بل هي مشروع أمة بأكملها.

هذا الترابط بين الساحات هو جوهر استراتيجية محور المقاومة، التي باتت تدرك أن العدو يسعى إلى تفكيكها واحدة تلو الأخرى. ولذلك، فإن الدفاع عن حزب الله والمقاومة في لبنان ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو ضرورة استراتيجية للحفاظ على تماسك المحور بأكمله.

مشروع كرامة لا يموت

في النهاية، تبقى الحقيقة واحدة لا تتغير: الدعم الإيراني للمقاومة اللبنانية ليس مسألة تكتيكية، بل عقيدة راسخة لا تتزعزع. فكما قال القائد العام للحرس الثوري، فإن جهاد جنود الإسلام “أبهر أنظار العالم، وأحيا في قلوب المستضعفين الأمل بالانتصار النهائي على قوى الهيمنة”. وهذا الأمل هو ما يدفع إيران لمواصلة دعمها للبنان بكل الأشكال والطرق، مهما كانت التضحيات.

واليوم، لم يعد محور المقاومة مجرد تحالف سياسي أو عسكري، بل أصبح “مشروع كرامة” يمتد من طهران إلى بيروت، ومن صنعاء إلى بغداد. مشروع يقوم على عقيدة واحدة، وهدف واحد، ودم واحد يروي تراب هذه الأرض المباركة. واليمن، الذي أكد وقوفه إلى جانب حزب الله والمقاومة في لبنان، والعراق، الذي تواصل فصائله استهداف المصالح الأميركية، يثبتان مرة أخرى أن جبهة المقاومة ليست مجرد تحالفات سياسية، بل هي مشروع واحد ممتد، لا يمكن لأي قوة أن تفرّقه.

لذلك، فإن محاولات العدو لفصل الساحات، أو إيهام العالم بأن هناك انقساماً في محور المقاومة، هي مجرد أوهام تصطدم بحقيقة واحدة: إيران والمقاومة في لبنان حبل لا ينقطع، ودعم لا يتوقف، ومشروع لا يموت. والأيام القادمة ستشهد مزيداً من التنسيق والتعاون بين ساحات المقاومة، لأن العدو تعلم أن أي هجوم على جبهة سيواجه برداً من كل الجبهات، وأن مشروع الكرامة الذي انطلق من ثورة الإمام الخميني سيبقى مستمراً، مهما كانت التضحيات، حتى تتحرر الأرض وتعود الكرامة لأهلها.

*****

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً