الأحد 16 . 08 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي / المغرب
سر البُنّ في حكايا العشق عتيق. فهو شراب لا يعدل المزاج فحسب، بل طقس تستعاد فيه الذات من صخب العالم. فحين تصعد رائحته من الفنجان، تتراجع الأصوات، تقترب المسافات، يصبح للوقت نبض أكثر بطئا، وكأن الحياة تخلع عنها أثقالها وتجلس إلى جوار القلب لتؤنس وحشته.
كذلك العشق، أشبه بالبنّ، لا يمنح سره للمستعجل. يحتاج إلى نار هادئة، ويد تعرف أن الأشياء الأصيلة لا تُسلب. تُحمّص حبوبه حتى تنضج مرارتها، وتفقد صلابتها حين تُرحى، ثم تسقى ماء مغليا، قطرة قطرة، لتولد نكهة من صبر طويل، بعيدا عن منطق الصدفة العابرة. هكذا يتشكل الحب: من تفاصيل صغيرة تتراكم في الخفاء، حتى يصبح الشعور بيتا لا نعرف متى بدأنا السكن فيه. إنه فائض المعنى حين تعجز اللغة عن تسمية ما يحدث. إنه الضوء الذي لا نراه مباشرة، لكننا نعرفه من الأشياء التي يلمسها.
القهوة لا تُخفي مرارتها، كذلك الحبّ الصادق. كلاهما يعرف أن الجمال ليس في إلغاء الألم، بل في تحويله إلى معنى. الفنجان الذي لا مرارة فيه يفقد ذاكرته، والعشق الذي لا يعرف الخوف يظلّ أقرب إلى نزوة عابرة، فقوته تنبع من هشاشته، ومن ذلك الارتجاف الذي يجعل القلب يقظا أمام احتمال الفقد.
في كل فنجان قهوة مساحة للتأمل. الرغوة تتجمع عند الحافة كأنها غيمة صغيرة تستبطن غيثا، والحبات الصغيرة المستقرة في القاع، أسرار لا تريد أن تصعد إلى أفق العبارة. ففي قاع الفنجان، تتعلم الروح أن ما يبدو عابرا، قد يكون أعمق أثرا، واللحظات القصيرة على قلتها، قد تكفي منها لحظة واحدة لتعيد ترتيب عمر كامل.
للبنّ أيضا ذاكرة متميزة. يكفي أن تشتم رائحته في مكان ما حتى تنهض في داخلك مدن كاملة وصباحات قديمة: همس مرتبك وأحاديث لم تكتمل، نوافذ كانت مفتوحة على الضوء وأخرى موصدة، وأحلام ظلت معلقة بين الرغبة والغياب. كأن الرائحة لا تعيد الماضي كما كان، بل تعيده كما شعرت به الروح حينها. ولهذا يظل الحنين أكثر صدقا من الوقائع، لأنه يتجاوز حفظ الحدث إلى حفظ آثاره فينا.
العشق، مثل القهوة، لا يقاس بكمية الثرثرة. فأحيانا يكون الصمت أبلغ من قصيدة، والجلوس المشترك أكثر تعبيرا من مقال طويل. هناك لحظات لا تحتاج إلى تفسير، لأن القلوب التي تعارفت على حقيقتها لا تفتقر إلى الشرح. يكفي أن يتجاور الصمتان، وأن يتصاعد البخار بينهما، حتى يصبح العالم كله جملة واحدة مكتفية بذاتها. وإذا فرغ الفنجان، فإن أثره لا ينتهي بالضرورة. تحفظ الكفين حرارته، وتبقى الرائحة في المكان، ويبقى في الذاكرة شيء من ذلك الصفاء الذي منحته لحظة عابرة. كذلك الحب: قد تنتهي مواسمه وتتبدل صوره، لكنه يترك في الروح قدرة جديدة على الإحساس. وما نعدّه نهاية قد يكون انتقالا من حضور خارجي إلى معنى داخلي، من اللقاء إلى الأثر، ومن الحكاية إلى الحكمة.
في المساء، حين يهدأ العالم، يبدو فنجان البنّ كوكبا صغيرا على طاولة معتمة. يلمع سطحه بما يكفي دالّا على الطريق إلى الداخل. ومنه نتعلم أن العشق دفء يحفظ للروح قدرتها على البقاء ونغمة موزونة تمنح الصمت دلالته رغم الضجيج الذي يملأ الفراغ.
العشق بنكهة البنّ: مرارة لا تفسد الجمال، ودفء ينسج الخلود، ورونق يحفظ للعبارة أصالتها، أما الرائحة، فتظلّ معلّقة في الهواء حتى بعد فراغ الفنجان. العشق يمنح القلب فرصة كي يتذوق الحياة كاملة، بحلاوتها ومرارتها وانتظارها وغيابها. وأن نعرف، رغم كل ما ينكسر، أن في العالم أشياء تستحق أن نبقي لها موقدا صغيرا مشتعلا في الداخل.
*****
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل