الأثنين 07 . 09 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
دونالد ترامب، الرئيس الأميركي، وصف الحرب على إيران بأنها «بطاطا صغيرة»، في محاولة لتقليل أهميتها، لكن استمرار الحرب للشهر السابع وتداعياتها على الطاقة والاقتصاد والميزانية والسياسة الداخلية الأميركية، تكشف واقعاً مختلفاً تماماً.
وكالة مهر للأنباء: يبدو أن تعبير «البطاطا الصغيرة» الذي استخدمه ترامب لوصف الحرب الأميركية على إيران، يعكس محاولة لتقليل شأن واقع يتسع يوماً بعد يوم؛ فلو كانت الحرب بالفعل قضية هامشية، فلماذا لم تتمكن واشنطن بعد سبعة أشهر من إغلاق ملفها؟
هذا التناقض يكشف الفجوة بين الرواية السياسية للبيت الأبيض والواقع الاستراتيجي للحرب. فالمواجهة التي كان من المفترض، وفق الحسابات الأولية لواشنطن، أن تكون قصيرة ومحدودة وحاسمة، تحولت إلى أزمة متعددة المستويات امتدت آثارها من الميدان العسكري إلى الطاقة والاقتصاد والميزانية والأمن الإقليمي والسياسة الداخلية الأميركية.
منذ البداية، راهن ترامب على أن الضغط العسكري المكثف سيجبر إيران خلال فترة قصيرة على قبول مطالب واشنطن. إلا أن الخطأ لم يكن في تقدير القدرات العسكرية الإيرانية فحسب، بل في سوء تقدير الإرادة السياسية لطهران في مواصلة المقاومة.
وعلى خلاف توقعات مخططي الحرب، لم تتحول إيران إلى طرف يتراجع سريعاً مع تصاعد الضغوط، ما أدى إلى تحول المواجهة التي كان يفترض أن تنتهي بضربة عسكرية إلى مسار استنزافي تتزايد تكلفته على الولايات المتحدة كلما طال أمده.
مضيق هرمز.. أزمة تتجاوز الميدان العسكري
لا يمكن قياس أهمية الحرب بعدد العمليات العسكرية أو حجم الأضرار التي تلحق بالطرف الآخر فقط، إذ تظهر الأهمية الاستراتيجية لأي مواجهة عندما تبدأ بالتأثير في المنظومة الاقتصادية والأمنية المحيطة بها، وهو ما ينطبق على الحرب بين إيران والولايات المتحدة، ولا سيما في ملف الطاقة.
ويحظى مضيق هرمز بأهمية استثنائية بالنسبة للاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وأي اضطراب مستمر في حركة الملاحة عبره لا يمثل مجرد قضية عسكرية بين إيران والولايات المتحدة، بل ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والإنتاج الصناعي وتكاليف المعيشة في دول عدة.
وتزداد أهمية هذا الأمر بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إذ إن ارتفاع أسعار الوقود في ظل الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر الأميركية يمكن أن يتحول سريعاً من قضية خارجية إلى ملف سياسي داخلي.
ولهذا السبب، اضطر ترامب إلى الحديث مراراً عن وضع مضيق هرمز وحركة الملاحة فيه. فلو كانت الحرب بالفعل قضية هامشية، لما تحولت إعادة فتح أحد أهم ممرات الطاقة في العالم وتطبيع حركة الملاحة عبره إلى واحدة من أبرز هواجس الرئيس الأميركي.
فاتورة الحرب لا تنتهي بانتهاء العمليات
لا تقتصر تكلفة الحرب على العمليات العسكرية المباشرة، إذ تعني أشهر من المواجهة استهلاك كميات كبيرة من الذخائر، واستنزاف المعدات، ونقل القوات، وإصلاح المنشآت المتضررة وارتفاع النفقات التشغيلية.
كما أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني انتهاء الفاتورة؛ فاستبدال المعدات والذخائر وإعادة بناء المنشآت العسكرية ومعالجة تبعات إصابات العسكريين واستعادة القدرات التشغيلية للجيش إلى مستويات ما قبل الحرب، قد يستغرق سنوات.
وأشارت مجلة «فوربس» في تقرير لها إلى أن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء تكاليفها بالنسبة إلى الولايات المتحدة، محذرة من أن التداعيات المالية للحرب قد تستمر لعقود.
وتكتسب هذه المسألة أهمية سياسية بالنسبة إلى ترامب، لأنه لن يكون قادراً على إلغاء فاتورة الحرب بمجرد إعلان انتهاء العمليات.
الحرب تدخل الحسابات السياسية الداخلية
ربما يتمثل التحدي الأكبر أمام ترامب في قدرته على الربط بين «النصر العسكري» الذي يتحدث عنه في خطابه السياسي، وبين «الإنجاز الاستراتيجي» الذي يمكن أن يلمسه الناخب الأميركي.
فالناخب الأميركي سيواجه في نهاية المطاف سؤالاً بسيطاً: ماذا جلبت هذه الحرب له؟
وإذا كانت الإجابة تتمثل في ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة والضغط على الموازنة العامة واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي، فإن رواية «النصر» ستكون عرضة للتآكل مع مرور الوقت.
وتزداد خطورة هذا السيناريو بالنسبة إلى ترامب في ظل نتائج استطلاع حديث أجرته صحيفة «فايننشال تايمز»، أظهر تراجع نسبة تأييد أدائه إلى 33%، مقابل عدم رضا 64% من الأميركيين، فيما لم تتجاوز نسبة الرضا عن أدائه الاقتصادي بين الجمهوريين 53%.
وبذلك بدأت حرب إيران تكتسب ضلعاً ثالثاً إلى جانب الميدان العسكري والاقتصاد، يتمثل في السياسة الداخلية الأميركية.
قد يتمكن ترامب من تقديم روايته الخاصة بشأن النتائج العسكرية للحرب، لكنه لن يستطيع بسهولة التحكم في التجربة الاقتصادية لملايين الأميركيين. فالمواطنون لا يقارنون أسعار الوقود والغذاء وأوضاعهم المالية ببيانات البيت الأبيض، بل يقيسون نتائج الحرب من خلال تأثيرها المباشر على حياتهم اليومية.
ومن هذا المنظور، قد يكون التقليل من شأن الحرب أكثر من مجرد استراتيجية إعلامية، وربما يعكس القلق من تداعياتها المتزايدة. فكلما ارتفعت التكاليف، ازدادت حاجة الإدارة الأميركية إلى تقديم صورة أقل كلفة عن الحرب.
لكن الواقع لا يمكن تقليصه بالكلمات إلى ما لا نهاية. فقد يصف ترامب الحرب بأنها «بطاطا صغيرة»، إلا أن سبعة أشهر من المواجهة، وأزمة مضيق هرمز، والنفقات العسكرية، وضغوط الطاقة وتراجع التأييد الشعبي، تقدم صورة مختلفة تماماً.
وفي النهاية، لا يقاس نجاح الحرب بوصف الرئيس لها، وإنما بالنتائج التي تتركها على الأرض. فإذا كانت الولايات المتحدة لا تزال، بعد أشهر من الحرب، تسعى إلى تطبيع الملاحة في مضيق هرمز، واحتواء التداعيات الاقتصادية وشرح النتائج الفعلية للمواجهة، فمن الصعب وصف هذه الحرب بأنها قضية صغيرة.
وربما تكمن المشكلة الحقيقية أمام ترامب في أن ما يسميه اليوم «بطاطا صغيرة» يتحول تدريجياً إلى واحدة من أكبر فواتير السياسة الخارجية خلال فترة رئاسته، وهي فاتورة قد يُدفع الجزء الأكبر منها ليس في الشرق الأوسط، وإنما داخل الولايات المتحدة نفسها.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل