الرئيسية / مقالات / محور المقاومة وتفكيك موازين الإخضاع: سيادة الوعي وبناء القدرة

محور المقاومة وتفكيك موازين الإخضاع: سيادة الوعي وبناء القدرة

الثلاثاء  14 . 04 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

عبدالرحيم الجرودي/ المغرب

محور المقاومة وتفكيك موازين الإخضاع: سيادة الوعي وبناء القدرة

تعد القراءة العميقة للمشهد الجيوسياسي الراهن في المنطقة كفيلة بكشف حقيقة أن الصراع الدائر لم يعد مجرد اشتباك على خطوط جغرافية أو تنافس على موارد طاقوية، بل استحال في جوهره إلى مواجهة وجودية كبرى بين مشروعين متناقضين جذريا: مشروع الاستكبار العالمي الذي يمثله التحالف الصهيو-أمريكي الساعي لفرض (نهاية التاريخ) بنموذج ليبرالي قسري، ومشروع محور المقاومة الذي يتشكل كفعل ممانعة يرفض الاستلاب ويتمسك بسيادة الذات الحضارية.
إن هذا المنعطف التاريخي يضعنا أمام سؤال الحرية في تجليه الأسمى: هل هي مجرد ممارسة اجتماعية يمكن التنازل عنها مقابل الأمن، أم أنها المقوم الأساس لتكريس الاستقلالية والوجود والكرامة؟
تقوم بنية الهيمنة الصهيو-أمريكية في الأساس على أدوات “الاستلاب” السياسي والوجودي، حيث تبذل جهود حثيثة لتحويل المنطقة إلى فضاء تابع، ليس فقط من خلال الانتشار العسكري المباشر، بل عبر تفتيت الهويات وتحويل الشعوب إلى أشتات مستهلكة تفتقر لإرادة الفعل الجماعي. ويتوج هذا المشروع بشرعنة وجود الكيان الصهيوني كخنجر وظيفي صمم بعناية لتمزيق أي وحدة إقليمية محتملة، واستنزاف مقومات الكرامة التي تشكل العمود الفقري للوعي العربي والإسلامي. هنا، يظهر الاستلاب كمحاولة ممنهجة لإقناع المستضعفين بأن حريتهم عبء عليهم، وأن التبعية للمركز الغربي هي السبيل الوحيد للحاق بركب الحضارة.
في قلب هذا المخاض، تبرز تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران منذ عام 1979 كنقطة ارتكاز مركزية في كسر طوق هذه الهيمنة، محولة منطق التبعية إلى “مركزية” فاعلة. لقد كان التأسيس هنا لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، حيث انتقلت إيران من دور “الشرطي” الحامي للمصالح الغربية إلى دولة تنشد الاستقلال الكامل. وقد حققت إيران خرقا إستراتيجيا بإثبات أن الحرية هي القدرة على الفعل المستقل، وذلك عبر بناء الردع الذاتي وتحويل الحصار إلى فرصة للتصنيع التكنولوجي والعسكري خارج العباءة الغربية، مكرسة مفهوم أن الكرامة الوطنية تقتضي امتلاك ناصية العلم والقوة. ولم يتوقف الأمر عند تحرير الإرادة الداخلية، بل امتد لتصدير ثقافة المقاومة كفعل سيادي عابر للحدود، تجلى في هندسة محور يجمع حركات التحرر تحت مظلة وحدة الساحات.
هذا التأسيس لم يكن ترفا سياسيا، بل حمل أهدافا واضحة تتجاوز حدود الجغرافيا لتشمل تحرير الإرادة الشعبية في الإقليم بأكمله، وهو ما يفسر (صنعة الحدث) الميداني التي نعيش تفاصيلها اليوم. فما نشهده في هذه الآونة، وخاصة مع تصاعد المواجهات ليس مجرد جولة قتال تقليدية، بل هو التمزق النهائي لستائر الهيمنة. لقد نقلت ملحمة طوفان الأقصى وما تبعها، الصراع من خانة الاحتواء إلى خانة الوجود، كاشفة عن تآكل مخيف في قدرات الردع الصهيو-أمريكية، حيث استحال الكيان الصهيوني من (قلعة منيعة) إلى عبء استراتيجي يحتاج لحشود أمريكية هائلة لضمان بقائه.
إن تجليات هذه الحرية كممارسة اجتماعية صلبة تظهر بوضوح في قدرة المحور على إدارة حرب استنزاف شاملة، ففي فلسطين، أثبتت غزة أن الإرادة الحرة قادرة على تعطيل أعتى التكنولوجيات، محولة الحصار إلى مختبر للصمود. وفي لبنان، استطاعت المقاومة فرض معادلة الألم المتبادل وتعطيل استقرار الشمال الصهيوني، واضعة عمق الكيان تحت رحمة الصواريخ الدقيقة. أما في اليمن، فقد تجلت المعجزة في قدرة شعب محاصر على فرض حصار بحري مضاد في البحر الأحمر، متحديا أساطيل الاستكبار العالمي في فعل أخلاقي وسياسي غير مسبوق.
أما إيران، الرئة الاستراتيجية لهذا المحور، فقد انتقلت من مرحلة الدعم إلى المواجهة المباشرة والمدروسة، لتؤكد أن أي مساس بمركزية المحور سيفجر المنطقة بأكملها، رافضة تقديم أي تنازلات تنتقص من سيادة الإقليم. إن نجاح هذا المحور يكمن في قدرته على صهر التعددية في بوتقة واحدة لمناهضة الاستعمار الجديد، محولا المنطقة من حالة الاستكانة والانتظار إلى حالة الفعل والمبادرة. إن ما يجري الآن هو تفكيك منهجي لمنظومة التبعية، وتأكيد على أن الحرية في عرف هذا المحور ليست “هبة” تستجدى، بل هي حق ينتزعه الصمود وتصونها التضحيات، فلا وجود حقيقي لمن يترك للآخرين مهمة التفكير بدلا عنه أو رسم خرائط مستقبله. وبذلك، تظل الحرية هي المقوم الذي بدونه لا تشرق شمس الكرامة، وهي الحصن الأخير الذي يحمي الإنسان من أن يتحول إلى مجرد رقم في معادلات الاستكبار.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً